حين كان صوت مصطفى إسماعيل يجلس إلى مائدة أم كلثوم.. حكاية «سقر» وأسمهان ومقام «إنت عمري»

لم تكن علاقة الشيخ مصطفى إسماعيل بكبار أهل الغناء مجرد إعجاب متبادل بالأصوات، وإنما تكشف الحكايات التي أوردها الكاتب محمد محمود عاشور في كتابه «مائة عام من حكايات المشايخ والسميعة» عن مساحة من التفاعل الفني والإنساني جمعت بين واحد من أبرز أصوات دولة التلاوة المصرية، وبين أسماء صنعت تاريخ الغناء العربي، وفي مقدمتها أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وأسمهان.

ويقدم الكتاب صورة مختلفة للشيخ مصطفى إسماعيل؛ قارئ لم يكن صوته بعيدًا عن اهتمام أهل الفن، بل أصبح بالنسبة إلى بعضهم صوتًا يستحق الاستماع والدراسة والتأمل في المقامات وطريقة الانتقال بينها.

أم كلثوم ومصطفى إسماعيل.. حين التقت أذنان كبيرتان

من أبرز الحكايات التي يرويها الكتاب اللقاءات المتكررة بين الشيخ مصطفى إسماعيل والسيدة أم كلثوم. فقد كانت أم كلثوم تقطن بالقرب من مسكن الشيخ في الزمالك، وكانت تطلب منه الحضور إلى منزلها لتناول فنجان من القهوة، بينما كان الشيخ لا يبخل عليها بآرائه.

وتتجاوز العلاقة، وفق ما يورده الكتاب، حدود المجاملة؛ فقد كانت أم كلثوم تستشير الشيخ مصطفى في بعض أعمالها، بل إن إحدى الروايات التي ينقلها الكتاب تفيد بأن الموسيقار محمد عبد الوهاب استخدم أحد مقامات تلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل في لحن أغنية «إنت عمري»، وهي رواية ينسبها الكتاب إلى ابنه عاطف مصطفى إسماعيل.

ولم تكن أم كلثوم تكتفي بزيارة الشيخ أو الاستماع إلى رأيه، إذ يذكر الكتاب أنها كانت تحرص على الذهاب إلى الأزهر يوم الجمعة، حيث كان الشيخ مصطفى يقرأ، وكانت تجلس في المكان المخصص للنساء وهي ترتدي الحجاب. كما يشير إلى أن بعض الفنانين والمثقفين كانوا يتابعون الشيخ ويحرصون على معرفة أماكن سهراته، ومن بينهم الفنانان شكري سرحان وصلاح منصور والكاتب محمود السعدني.

«ما سَقَر حلوة أهي».. أم كلثوم أمام اختبار المقام

لكن أكثر حكايات أم كلثوم والشيخ مصطفى إسماعيل طرافة وخصوصية، تلك التي يرويها الكتاب حول الآية القرآنية: «مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ».

فبحسب الرواية، سمعت أم كلثوم أحد القراء يؤدي الآية من مقام النهاوند، وهو مقام يصفه الكتاب بالعذب والمفرح، فقالت لمن حولها: «ما سقر حلوة أهي! أومال بيخوفونا منها ليه؟!»

لكن الصورة تغيرت عندما سمعت الآية نفسها من الشيخ مصطفى إسماعيل وهو يؤديها بمقام الصبا؛ فقالت: «هي دي سقر المقصودة».

وتحمل الحكاية، كما يقدمها الكتاب، دلالة على الطريقة التي كان بها مصطفى إسماعيل يوظف المقام والأداء الصوتي في خدمة المعنى، بحيث لا يكون جمال الصوت منفصلًا عن الجو النفسي والدلالي للآية.

الشيخ الذي كانت أم كلثوم تستشيره

ويكشف الكتاب عن جانب آخر من العلاقة، إذ لم تكن أم كلثوم مجرد مستمعة لصوت الشيخ مصطفى، وإنما كانت تستفيد من رأيه في أعمالها.

ويروي أن أم كلثوم كانت قد سجلت إحدى الأغنيات وشعرت بأن هناك شيئًا غير صحيح في تركيب الجمل، لكنها لم تكن تعرف تحديدًا موضع الخلل. وفي إحدى المصادفات التقت الشيخ مصطفى عند خروجها من مبنى ماسبيرو، فأوقفته واصطحبته معها إلى الاستوديو، ثم أسمعته التسجيل.

وبحسب الرواية، استمع الشيخ إلى الأغنية وحدد موضع المشكلة، مشيرًا إلى وجود حركة ناقصة في أحد الحروف، فشكرته أم كلثوم وأبدت امتنانها لهذه المصادفة التي جمعتهما.

وهنا تظهر صورة مهمة للشيخ مصطفى إسماعيل كما يرسمها الكتاب: لم يكن مجرد صاحب صوت جميل، بل كان يمتلك حسًا دقيقًا في التعامل مع الجملة الصوتية والمقام والأداء.

أم كلثوم ومصطفى وعبد الوهاب.. ثلاثية الصوت والمقام

ويروي الكتاب أيضًا مشهدًا جمع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب والشيخ مصطفى إسماعيل في بيروت، على مائدة واحدة لدى أحد المسؤولين اللبنانيين.

وخلال اللقاء حاول عبد الوهاب، بطريقته المعروفة في مداعبة أم كلثوم، أن يختبر رد فعلها، فسأل المسؤول: إذا كانت أم كلثوم لديها حفلة في الإذاعة والشيخ مصطفى يسهر، فهل ستستمع إليه أم ستذهب إلى حفلها؟

وجاء رد أم كلثوم، وفق رواية الكتاب، ضاحكًا بأنها لو كانت لديها حفلة والشيخ مصطفى يقرأ، فإنها ستؤجل الحفلة وتذهب للاستماع إليه.

المشهد، كما يورده عاشور، يلخص حجم المكانة التي احتلها صوت مصطفى إسماعيل لدى سيدة الغناء العربي، ويكشف كذلك عن طبيعة العلاقة التي جمعت بين عالم التلاوة وعالم الموسيقى والغناء في تلك المرحلة.

ماذا كان مصطفى إسماعيل يرى في صوت أم كلثوم؟

الإعجاب لم يكن من طرف واحد، فالكتاب ينقل عن ابن الشيخ مصطفى إسماعيل أن والده كان يرى أن أم كلثوم هي خياره المفضل بين أصوات المطربين، وكان يصف صوتها بأنه «دسم وجميل».

ولم يتوقف الأمر عند أم كلثوم؛ فقد كان الشيخ يستمع إلى عدد من الأصوات التي تركت أثرًا في وجدانه، من بينهم الشيخ علي محمود، والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، والفنان صالح عبد الحي، ومحمد رفعت.

وهنا تأتي أسمهان في واحدة من أكثر الإشارات الإنسانية اللافتة في الفصل؛ إذ يذكر الكتاب أن الشيخ مصطفى إسماعيل حزن على وفاة أسمهان، لأنه كان يرى أن الله منحها صوتًا بالغ الجمال والأبهة.

أسمهان.. صوت آخر ترك أثره في ذاكرة الشيخ

لا يقدم الكتاب أسمهان باعتبارها طرفًا في علاقة مباشرة مع الشيخ مصطفى إسماعيل، وإنما ترد في سياق حديثه عن الأصوات التي كان الشيخ يستمع إليها ويقدرها.

وهذه التفصيلة مهمة؛ لأن الكتاب لا يقول إن هناك علاقة شخصية بين مصطفى إسماعيل وأسمهان، وإنما يورد إعجابه بصوتها وحزنه على رحيلها ضمن حديثه عن الأصوات التي كان قلبه يميل إليها.

وفي المقابل، كان الشيخ محمد رفعت صاحب أثر خاص في مسيرة مصطفى إسماعيل؛ إذ ينقل الكتاب أن رفعت أوصاه في صغره قائلًا: «حافظ على صوتك وحاول متجهدوش عشان تقدر تقرأ طول العمر».

لماذا أحب الفنانون مصطفى إسماعيل؟

ربما تكمن الإجابة في طبيعة الأداء نفسه، فالكتاب يصف مصطفى إسماعيل بأنه كان صاحب قدرة استثنائية على الارتجال والتجديد، حتى إن تلاوته للآية نفسها لم تكن تتطابق مرتين، وكان قادرًا على المزج بين المقامات بأسلوب خاص.

ويكشف الكتاب كذلك عن متابعة موسيقيين كبار لتسجيلاته؛ إذ ينقل عن الملحن الراحل عمار الشريعي وصفًا لارتجال الشيخ بأنه بلغ درجة عالية من الكمال الموسيقي، بينما قال الموسيقار العراقي نصير شمة إن امتلاك ألف تسجيل للشيخ مصطفى إسماعيل يعني امتلاك ألف مقطوعة موسيقية مستقلة.

وهذه الشهادات تساعد في فهم جانب من سر العلاقة بين الشيخ وأهل الموسيقى: لقد كانوا يرون في صوته مساحة واسعة من التنوع والارتجال والتعامل مع المقامات.

السميعة.. الذاكرة التي حفظت دولة التلاوة

ولا تكتمل حكاية مصطفى إسماعيل من دون الحديث عن «السميعة»، الذين يحتلون مساحة أساسية في كتاب محمد محمود عاشور.

فالكتاب يعرف «السميع» بأنه صاحب ذوق رفيع في سماع التلاوة، يمتلك أرشيفًا نادرًا ويستطيع استخراج مواطن الجمال من أداء الشيخ. ولم يكن هؤلاء مجرد مستمعين عابرين، بل كانوا يحتفظون بالتسجيلات ويتابعون الفروق الدقيقة بين أداء الشيخ في ليلة وأخرى.

ومن الحكايات التي يوردها الكتاب أن أحد السميعة كان شديد التعلق بمصطفى إسماعيل، وتطورت العلاقة بينهما إلى صداقة قوية، حتى إن الشيخ اعتبره أخًا، وقطع سهرة كان مقررًا لها مسبقًا عندما علم بوفاة هذا السميع، وذهب إلى عزائه.

وهكذا يصبح «السميع» في حكاية مصطفى إسماعيل أكثر من مجرد شخص يجلس ليستمع إلى القرآن؛ إنه جزء من الذاكرة التي حفظت تفاصيل التلاوة وأصوات القراء وحكاياتهم.

مصطفى إسماعيل.. صوت تجاوز حدود التلاوة

من خلال الحكايات التي جمعها محمد محمود عاشور، تبدو قصة مصطفى إسماعيل وأم كلثوم وأهل الفن واحدة من القصص التي تكشف جانبًا غير مألوف من تاريخ «دولة التلاوة».

فأم كلثوم كانت تستمع إليه وتستشيره، وعبد الوهاب كان يتابع طريقته في المقامات، وأسمهان بقي صوتها حاضرًا في ذاكرة الشيخ ضمن الأصوات التي أحبها وقدرها، بينما حفظ السميعة تسجيلاته وتفاصيل أدائه، حتى أصبحت كل ليلة من لياليه مادة مستقلة في ذاكرة عشاق التلاوة.

ولعل أجمل ما تكشفه هذه الحكايات أن مصطفى إسماعيل لم يكن مجرد صوت يُسمع، بل كان حالة فنية كاملة؛ قارئًا له أدواته، ومستمعًا له ذائقته، وصوتًا استطاع أن يجذب اهتمام أهل القرآن وأهل الغناء والموسيقى معًا.

المصدر: كتاب «مائة عام من حكايات المشايخ والسميعة» للكاتب محمد محمود عاشور، الطبعة الأولى، 2026، مع الاعتماد في تفاصيلي التقرير على الفصل الخاص بالشيخ مصطفى إسماعيل وما أورده الكتاب من روايات وشهادات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى