من «المقتطف» إلى «الأهرام».. صفحات مصرية تحفظ حكاية القارئ البحريني

لم تكن الصحيفة، قبل أكثر من قرن، مجرد أوراق مطبوعة تصل إلى القارئ ثم تنتهي رحلتها عند آخر صفحة، وإنما كانت رحلة كاملة تبدأ من مطبعة بعيدة، وتعبر مدنًا وموانئ وطرقًا تجارية، حتى تستقر في مجلس أو مكتبة، ومنها تبدأ رحلة أخرى للمعرفة والأسئلة والأفكار.
وفي البحرين، تعود علاقة القارئ بالصحافة العربية إلى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، حين بدأت الصحف والمجلات تصل إلى البلاد عبر شبكات التجارة والسفر والاتصال بالهند، لتجد طريقها إلى مجالس ومكتبات كان لها دور بارز في نشر المعرفة. ومع مرور الوقت، لم يكتفِ بعض البحرينيين بقراءة تلك المطبوعات، وإنما كتبوا إليها وطرحوا أسئلتهم، ثم ظهر بينهم من أصبح اسمه حاضرًا في صفحات الصحافة العربية.
وهكذا تحولت الصحيفة القادمة من خارج البحرين إلى مساحة للحوار بين القارئ البحريني ومحرري الصحافة العربية، وأصبحت بعض صفحات «المقتطف» و«الأهرام» و«الهلال» و«المنار» تحفظ جانبًا من قصة ثقافية قديمة جمعت البحرين بمصر والعالم العربي.
من مجالس المحرق بدأت الحكاية
يقدم الباحث البحريني الدكتور منصور سرحان، في مقاله المنشور بصحيفة «الأيام» البحرينية بعنوان «البدايات الأولى لتعرّف المواطن البحريني على الصحافة» في مايو 2023، صورة مهمة عن البدايات المبكرة لهذه العلاقة، موضحًا أن البحرينيين عرفوا الصحافة منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر، سواء من خلال اقتناء الصحف والمجلات أو من خلال الكتابة إليها.
ويرتبط جانب مهم من هذه الحكاية بالشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، الذي كان من أوائل المهتمين بإدخال الصحف العربية إلى البحرين، إذ تشير «الأيام» إلى أنه كان يشترك في عدد من الصحف والمجلات، وأن مكتبته ومجلسه في المحرق أصبحا من الأماكن التي تستقبل هذه المطبوعات ويتداولها القراء.
ومن بين ما وصل إلى هذا الوسط الثقافي مجلة «المقتطف» و«العروة الوثقى»، ثم عدد من الدوريات المصرية، وفي مقدمتها «الأهرام» و«الهلال» و«المنار»، وهو ما يعكس اتساع دائرة الاتصال الثقافي بين البحرين ومراكز النشر العربية في تلك الفترة.
ولم يكن وصول هذه المطبوعات أمرًا بسيطًا في زمن كانت فيه الصحيفة تحتاج إلى رحلة طويلة حتى تصل إلى القارئ؛ فقد كانت حركة التجارة والسفر بين الخليج والهند واحدة من الطرق التي انتقلت عبرها الصحف والمجلات العربية.
وتوضح دراسة أكاديمية بعنوان «العوامل المؤثرة في نشأة الصحافة في مملكة البحرين وظروفها: دراسة تاريخية»، نشرها الباحثان علي أحمد عبد الله علي وشعيب عبد المنعم الغباشي في مجلة «At-Tajdid» التابعة للجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، أن الصحف العربية كانت تصل إلى البحرين من خلال حركة التجار البحرينيين واتصالهم ببومباي في الهند، وأن عددًا من الصحف والمجلات العربية وجد طريقه إلى البحرين ثم إلى مناطق خليجية أخرى. وتذكر الدراسة من بينها «المقتطف» و«الهلال» و«المنار» و«الأهرام».
وهكذا كانت السفن والتجارة تحمل إلى البحرين أكثر من البضائع؛ كانت تحمل معها الكتب والمجلات والصحف، وتفتح أمام القارئ المحلي طريقًا إلى عالم ثقافي يتجاوز حدود الخليج.
«المقتطف» تفتح صفحاتها للبحرينيين
كانت «المقتطف» واحدة من أهم المجلات العربية التي ارتبط بها القراء البحرينيون في تلك المرحلة. وللدقة التاريخية، فقد تأسست المجلة في بيروت عام 1876 على يد يعقوب صروف وفارس نمر، قبل أن تنتقل إلى القاهرة وتصبح واحدة من أشهر المجلات العلمية والثقافية العربية.
ومع وصولها إلى البحرين، لم تظل العلاقة بينها وبين القراء في حدود المطالعة، فقد بدأت الأسئلة البحرينية تظهر في صفحاتها، لتتحول المجلة بذلك إلى مساحة حوار تتجاوز المسافة الجغرافية بين القاهرة والبحرين.
وتوثق «الأيام» أن الشيخ حسين مشرف كان من أوائل البحرينيين الذين وصلت أسئلتهم إلى «المقتطف»، إذ نشرت المجلة عام 1899 سؤالًا له حول مسألة تتعلق بالنطق والكلام الطبيعي لدى الإنسان.
ولم يكن السؤال من نوع الأسئلة العابرة؛ فقد كان يدور حول طبيعة اكتساب الإنسان للغة، وهي قضية ذات أبعاد لغوية وفلسفية، ما يكشف عن مستوى الاهتمام الذي كان بعض القراء البحرينيين يتعاملون به مع الصحافة الثقافية في ذلك الوقت.
وتشير المصادر نفسها إلى اسم آخر هو عبد الله بن عثمان الشريخ، الذي طرح سؤالًا يتعلق بالموناليزا، في صورة تكشف عن تنوع الموضوعات التي كانت تشغل القراء البحرينيين، وعدم اقتصار اهتماماتهم على الأخبار المحلية أو المسائل الدينية وحدها.
ومن هنا تبدو «المقتطف» في التجربة البحرينية أكثر من مجلة تصل بالبريد أو مع التجار؛ فقد أصبحت نافذة يطل منها القارئ على أسئلة العالم، ثم يرسل إليها أسئلته هو أيضًا.
من القارئ إلى المراسل
ومع بدايات القرن العشرين، اتخذ هذا التواصل صورة أكثر اتساعًا، وبرز اسم ناصر مبارك الخيري بوصفه أحد أبرز النماذج البحرينية في التعامل مع الصحافة العربية.
وتشير مادة نشرتها صحيفة «البيان» إلى أن اهتمام الخيري بـ«المقتطف» لم يتوقف عند القراءة، وإنما تحول إلى مراسلات مع صاحبي المجلة فارس نمر ويعقوب صروف، كما امتدت مراسلاته إلى «المنار» ومحمد رشيد رضا.
وتناولت مراسلات الخيري موضوعات متعددة، من بينها قضية بيع الرقيق سنة 1910، وشخصية الفيلسوف الكندي، ثم موضوع حقوق الغواصين على اللؤلؤ في الخليج سنة 1911، إلى جانب موضوعات أخرى تعكس اتساع اهتمامه بالشأنين الفكري والاجتماعي.
وهنا تصبح الحكاية أكثر أهمية؛ لأن القارئ البحريني لم يعد مجرد مستقبل للمعلومات القادمة من مصر أو غيرها، وإنما أصبح يرسل إلى الصحافة العربية قضايا من بيئته المحلية وأسئلة مرتبطة بمجتمعه.
كانت المعرفة تسافر في الاتجاهين؛ تصل الصحيفة إلى البحرين، ثم تسافر الرسالة من البحرين إلى الصحيفة.
وبين الرحلتين تشكلت علاقة ثقافية لم تكن تحتاج إلى وسائل اتصال حديثة، وإنما كان يكفيها قارئ مهتم، ومجلة تفتح صفحاتها، ووقت طويل تسمح فيه المسافة بأن تتحول الرسالة إلى حدث صحفي.
أسئلة بحرينية في «المنار»
ولم تتوقف هذه المشاركة عند «المقتطف»، فقد حفظت «المنار» أيضًا عددًا من الأسئلة التي بعث بها بحرينيون إلى صفحاتها.
وتذكر «الأيام» أسماء من بينهم علي إبراهيم كانو وخليل الباكر وناصر مبارك الخيري، وقد تناولت أسئلتهم موضوعات دينية وفكرية، بما يؤكد أن المجلات العربية كانت بالنسبة إلى بعض القراء البحرينيين مساحة للنقاش والاستفسار، وليست مجرد مصدر للأخبار.
وفي مواد صحفية بحرينية أرشيفية، تظهر كذلك نماذج لأسئلة نشرها «المنار» لقراء بحرينيين خلال عشرينيات القرن العشرين، من بينها سؤال لعلي إبراهيم كانو عام 1922 حول بعض الممارسات المرتبطة بالتنبيه لمواعيد الصلاة، وسؤال لخليل الباكر عام 1927 حول ابن تيمية ومكانته العلمية.
ومع كل سؤال من هذه الأسئلة كانت تتسع المساحة التي يظهر فيها القارئ البحريني داخل الصحافة العربية، حتى أصبح وجوده جزءًا من تاريخ هذه الدوريات نفسها.
الصحافة العربية قبل الصحافة المحلية
لم تكن هذه العلاقة منفصلة عن التطورات التي شهدها المجتمع البحريني لاحقًا، فقد جاءت نشأة الصحافة المحلية بعد سنوات طويلة من التعرف إلى الصحف والمجلات العربية وقراءتها ومراسلتها.
وتؤكد الدراسة الأكاديمية المنشورة في «At-Tajdid» أن نشأة الصحافة البحرينية ارتبطت بمجموعة من العوامل الاجتماعية والثقافية والتعليمية والسياسية، وكان التواصل مع الصحافة العربية أحد عناصر البيئة التي سبقت ظهور الصحافة المحلية. ولذلك فإن الأدق تاريخيًا ألا تُنسب نشأة الصحافة البحرينية إلى المطبوعات المصرية وحدها، وإنما يُنظر إليها باعتبارها أحد روافد المناخ الثقافي الذي ساعد على تكوين خبرة القراءة والكتابة الصحفية في البحرين.
ثم جاءت «جريدة البحرين» عام 1939، المرتبطة باسم عبد الله الزايد، لتدخل الصحافة البحرينية مرحلة جديدة أصبح فيها للبلاد منبرها الصحفي المحلي.
لكن اللافت أن بعض أبناء البحرين كانوا قد وصلوا إلى الصحافة العربية قبل ذلك بسنوات طويلة، وتركوا أسماءهم في صفحات مطبوعات كانت تصدر خارج الخليج.
إبراهيم العريض.. من البحرين إلى صفحات مصر
وتتضح هذه المرحلة بصورة أكبر مع الشاعر والكاتب البحريني إبراهيم العريض، الذي أصبح اسمه حاضرًا في عدد من الدوريات العربية.
وبحسب ما وثقه الدكتور منصور سرحان في «الأيام»، نشر العريض قصائده في مجلة «الرسالة» المصرية عام 1934، ثم واصل حضوره في الصحافة العربية، ونشر في «المقتطف» عام 1947، إلى جانب مشاركات أخرى في صحف ومجلات عربية وبحرينية.
وهنا تكتمل الدائرة التي بدأت قبل ذلك بعقود؛ فالمطبوعات العربية وصلت إلى البحرين، والبحرينيون قرأوها، ثم كتبوا إليها، ثم ظهر بينهم من أصبح كاتبًا منشورًا في صفحاتها.
ومن ثم فإن تاريخ العلاقة الصحفية بين البحرين ومصر لا يمكن اختزاله في الصحف التي وصلت إلى الخليج، وإنما يمتد إلى حركة كاملة من الأخذ والعطاء الثقافي، كان فيها القارئ البحريني جزءًا من المشهد العربي لا مجرد متلقٍ له.
صفحات تحفظ ذاكرة مشتركة
تقدم هذه الحكاية جانبًا مختلفًا من تاريخ العلاقات الثقافية بين البحرين ومصر؛ جانبًا لا يبدأ بالزيارات الرسمية أو المؤسسات الثقافية، وإنما يبدأ من ورقة مطبوعة قطعت مسافة طويلة حتى وصلت إلى يد قارئ في المحرق.
ومع مرور الوقت تحولت تلك الورقة إلى وسيلة للحوار، وتحول القارئ إلى صاحب سؤال، ثم إلى مراسل، ثم إلى كاتب يظهر اسمه في الصحافة العربية.
ولهذا فإن العودة إلى صفحات «المقتطف» و«الأهرام» و«الهلال» و«المنار» لا تعيد فقط قراءة تاريخ الصحافة العربية، وإنما تكشف جانبًا من تاريخ القارئ البحريني نفسه؛ اهتماماته، وأسئلته، وطموحه إلى المعرفة، ورغبته في أن يكون حاضرًا في المشهد الثقافي العربي.
كانت المسافة بين البحرين والقاهرة طويلة، وكانت الرسائل تحتاج إلى وقت حتى تصل، وكانت الصحيفة نفسها رحلة من الورق والحبر والموانئ والتجارة. ومع ذلك استطاع ذلك الورق أن يصنع جسرًا ثقافيًا ظل قائمًا لعقود.
وفي صفحات الصحافة العربية بقيت أسماء بحرينية تؤكد أن القارئ في الخليج لم يكن يومًا بعيدًا عن حركة الفكر العربي، وأن البحر الذي كان يفصل المدن لم يكن قادرًا على أن يفصل بينها حين كانت الصحيفة تحمل المعرفة في اتجاه، ويحمل القارئ سؤاله في الاتجاه الآخر.
مصادر التقرير
– صحيفة الأيام البحرينية
د. منصور سرحان، «البدايات الأولى لتعرّف المواطن البحريني على الصحافة»، 3 مايو 2023.
– مجلة At-Tajdid – الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا
علي أحمد عبد الله علي وشعيب عبد المنعم الغباشي، «العوامل المؤثرة في نشأة الصحافة في مملكة البحرين وظروفها: دراسة تاريخية».
– صحيفة البيان الإماراتية
مادة توثيقية عن ناصر مبارك الخيري وعلاقته بالصحافة العربية ومراسلاته مع «المقتطف» و«المنار».
– مشروع Jara’id لتوثيق الدوريات العربية
بيانات تاريخية عن نشأة «المقتطف» ومسار انتقالها من بيروت إلى القاهرة.



