حوارات

الباحث أشرف أيوب معوض: السوشيال ميديا لم تقتل التراث الشعبي لكنها غيّرت شكله (حوار)

حوار: نعمات مدحت

في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية وتتصاعد فيه تأثيرات السوشيال ميديا على الوعي الجمعي، يبقى التراث الشعبي المصري شاهدًا حيًا على قدرة هذا الشعب على الاحتفاظ بروحه الحضارية عبر آلاف السنين. من طقوس الموالد الشعبية إلى عادات الريف والصعيد، ومن الأمثال والحكايات إلى الرموز الدينية والأساطير القديمة، تتجلى ملامح الهوية المصرية كنسيج ممتد لا ينقطع بين الماضي والحاضر.
وفي هذا الحوار الخاص مع الباحث في التراث الشعبي أشرف أيوب معوض، تكشف مجلة وموقع «صوت الأهلية» كيف ما زال المصري يحمل داخله ذاكرة حضارية عميقة، تعيش في تفاصيل حياته اليومية دون أن يشعر، كما يناقش الحوار أسرار التشابه بين الطقوس الشعبية الإسلامية والمسيحية، وتأثير الحداثة على التراث، وحدود الفاصل بين الهوية والخرافة، ودور الدراما والإعلام في تقديم الموروث الشعبي المصري، وإلى نص الحوار..

حضرتك درست التراث الشعبي المصري بعمق… لو قلت لحضرتك إن المصري أحيانًا بيعيش طقوس عمرها آلاف السنين وهو لا يشعر، هل ده مبالغة؟ ولا إحنا فعلًا ما زلنا نحمل روح مصر القديمة في تفاصيل حياتنا اليومية؟

ليس في الأمر أي مبالغة، بل إن الدراسات الخاصة بالتراث الشعبي والأنثروبولوجيا الثقافية تؤكد أن الشخصية المصرية من أكثر الشخصيات احتفاظًا بعناصرها الحضارية عبر آلاف السنين. فالمصري أحيانًا يمارس طقوسًا أو عادات يومية دون أن يشعر أن جذورها تمتد إلى مصر القديمة، لأن الوجدان الشعبي بطبيعته لا يقطع صلته بالماضي، بل يعيد تشكيله في صور جديدة تناسب كل عصر.
يكفي أن نتأمل شكل البيت الريفي في صعيد مصر لنكتشف أوجه شبه كبيرة بينه وبين المساكن المصرية القديمة؛ من استخدام الأسطح، والصوامع الطينية، ووسائل التهوية، والمصاطب أمام البيوت، وحتى روح الحياة اليومية التي تظهر في الرسوم والنقوش القديمة وكأنها مشاهد من قرية مصرية معاصرة.
الأمر نفسه نجده في طقوس الحزن والموت. فمشاهد النواح والبكاء التي نراها اليوم في بعض القرى المصرية، من لطم الخدود وشق الجيوب ووضع التراب على الرؤوس، نجد لها صورًا واضحة على جدران المقابر المصرية القديمة. بل إن عادة إلقاء النظرة الأخيرة على الجثمان، أو حمل الجريد في الجنازات، أو الذبح عند المقابر، كلها ممارسات لها جذور موغلة في القدم.
حتى عادة “الطلعة” وزيارة المقابر في الأعياد والمناسبات لها امتداد فرعوني قديم، حيث كان المصري القديم يزور موتاه ويقدم لهم الطعام والشراب فيما عُرف بطقوس “برت” أي “الطلوع”، وهي كلمة تقترب في معناها من كلمة “طلعة” المستخدمة حتى الآن في الريف المصري.
وفي المجال الرمزي، نجد أن الوجدان الشعبي المصري يمتلك قدرة مذهلة على الاحتفاظ بصورة “المقدس” وإن تغيّرت الأسماء. فالمصريون القدماء قدسوا إيزيس باعتبارها الأم الحامية، ثم ظهرت العذراء مريم تحمل كثيرًا من هذه الصفات في الوعي الشعبي، ثم حضرت السيدة زينب بوصفها رمزًا للحماية والبركة والطهر. الفكرة الجوهرية بقيت حاضرة، وإن تبدلت الرموز عبر الزمن.
كذلك صورة البطل الشعبي الممتطي جواده، الذي يهزم الشر، نراها في حورس قديمًا، ثم في مار جرجس وهو يطعن التنين، ثم في السير الشعبية مثل أبي زيد الهلالي. إنها صورة رمزية واحدة تستمر داخل المخيلة المصرية بأشكال مختلفة.
حتى العمارة الدينية تكشف هذا الامتداد الحضاري؛ فالمسلة أمام المعبد كانت رمزًا للدعوة إلى المقدس، ثم تحولت إلى منارة تحمل الجرس في الكنيسة، ثم إلى مئذنة يُرفع منها الأذان في المسجد، وكأن الحضارة المصرية تعيد إنتاج رموزها في كل عصر بروح جديدة.
ولا يقتصر الأمر على الطقوس والرموز، بل يمتد إلى اللغة اليومية نفسها. فالعامية المصرية تحتفظ بعشرات الكلمات ذات الأصول المصرية القديمة والقبطية، مثل: “كخة”، “شبشب”، “مدمس”، “تاتا”، “البعبع”، وغيرها من الكلمات التي يرددها المصري يوميًا دون أن يدرك أنه ينطق بأصداء لغة أجداده.
لذلك أعتقد أن المصري لا يعيش الماضي بوصفه تاريخًا منقطعًا، بل يحمله داخله كذاكرة حضارية مستمرة. الحضارات الأخرى قد تتغير جذريًا مع الزمن، أما مصر فتمتلك قدرة نادرة على الاحتفاظ بروحها القديمة داخل تفاصيل الحياة اليومية، حتى وإن تبدلت الأديان والأزمنة والأسماء.

هل ترى إن التراث الشعبي المصري مازال محافظ على هويته الأصلية، ولا بدأ يفقد ملامحه قدام السوشيال ميديا والثقافة الاستهلاكية الحديثة؟
التراث الشعبي المصري ما زال يحتفظ بجزء كبير من هويته الأصيلة، لكنه يواجه اليوم تحديات حقيقية بفعل التحولات السريعة التي فرضتها السوشيال ميديا والثقافة الاستهلاكية الحديثة. فالتراث الشعبي بطبيعته كائن حي، ليس جامدًا أو ثابتًا، بل يتغير ويتكيف مع الزمن، لكنه في الوقت نفسه يمتلك قدرة مدهشة على البقاء والاستمرار.
في الماضي كان التراث ينتقل بصورة طبيعية داخل الأسرة والشارع والقرية؛ من خلال الحكايات الشعبية، والأغاني، والأمثال، وطقوس الأفراح والمآتم، والمناسبات الدينية والاجتماعية. أما اليوم فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تفرض أنماطًا جديدة من السلوك والتفكير، وأصبح الشباب أكثر ارتباطًا بثقافات عابرة للحدود، وهو ما أدى إلى تراجع بعض الممارسات والعادات الشعبية التقليدية.
لكن رغم ذلك، أرى أن التراث الشعبي المصري لم يفقد روحه، بل أعاد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة. فما زالت الموالد الشعبية قائمة، وما زالت الأمثال الشعبية تُستخدم في الحياة اليومية، وما زالت الأغاني التراثية حاضرة في الوجدان، حتى وإن ظهرت بصيغ حديثة. كذلك ما زالت طقوس المناسبات الكبرى، كالأفراح والجنازات والأعياد، تحمل كثيرًا من العناصر القديمة وإن تغيرت بعض التفاصيل.
الخطر الحقيقي لا يكمن في التطور الطبيعي للتراث، وإنما في تحويل الثقافة إلى مجرد سلعة استهلاكية سريعة، تُفقد الأشياء معناها العميق. فبعض وسائل التواصل تقدم التراث بصورة سطحية أو ساخرة أحيانًا، فتختزل الرموز الشعبية في مشاهد للترفيه فقط، دون فهم أبعادها التاريخية والإنسانية.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى السوشيال ميديا باعتبارها خطرًا فقط، لأنها في المقابل أصبحت وسيلة مهمة لتوثيق التراث ونشره والوصول به إلى أجيال جديدة. اليوم يمكن لباحث أو فنان شعبي أن يعرّف آلاف الشباب بعادة قديمة أو أغنية تراثية أو حكاية شعبية بضغطة زر، وهو أمر لم يكن متاحًا من قبل.
لذلك أعتقد أن المعركة الحقيقية ليست بين التراث والحداثة، بل بين الوعي والسطحية. فإذا تعاملنا مع التراث باعتباره جزءًا من هويتنا وذاكرتنا الحضارية، فسوف يظل قادرًا على البقاء والتجدد مهما تغيرت الوسائل والأزمنة.

في أبحاثك عن الموالد القبطية، لفت الانتباه فكرة التشابه الكبير بين الطقوس الشعبية الإسلامية والمسيحية… هل ده يؤكد إن المصريين عندهم “وجدان شعبي واحد” مهما اختلفت العقيدة؟
إلى حد كبير نعم، فدراسة الموالد والطقوس الشعبية في مصر تكشف بوضوح أن هناك ما يمكن تسميته بـ “الوجدان الشعبي المصري الواحد”، وهو وجدان تشكّل عبر آلاف السنين، وتجاوز اختلاف العقائد والديانات، ليحافظ على أنماط متشابهة في التعبير عن الاحتياج الروحي والبحث عن البركة والحماية والشفاعة.
فالموالد في أصلها تمتد إلى جذور قديمة جدًا تعود إلى مصر الفرعونية، حين عرف المصريون الاحتفالات الدينية المرتبطة بالآلهة مثل إيزيس وآمون وغيرهما، وكانت تُقام المواكب وتُقدم النذور والذبائح، ويأتي الناس طلبًا للشفاء أو الرزق أو الحماية. ومع تعاقب العصور، تغيّرت الأسماء والرموز الدينية، لكن البنية الشعورية والطقسية بقيت حاضرة في الوعي الشعبي.
لذلك نجد تشابهًا كبيرًا بين ما يحدث في موالد الأولياء عند المسلمين، وما يحدث في مزارات القديسين لدى الأقباط. فالمشهد الإنساني واحد تقريبًا؛ الزائر يقف أمام ضريح الولي أو أيقونة القديس، يصلي، ويطلب الشفاعة، ويرجو حل مشكلاته، سواء كانت مرضًا أو ضيق رزق أو تأخر إنجاب أو نجاح الأبناء أو الزواج. ثم يلمس الضريح أو الأيقونة باعتبارها وسيلة للتبرك، وهي ممارسة تحمل دلالات روحية عميقة في المخيلة الشعبية.
حتى فكرة “التخصص” موجودة لدى الطرفين؛ فهناك أولياء أو قديسون يرتبطون في الاعتقاد الشعبي بعلاج أمراض معينة أو فك الكرب أو الحماية من الشرور. وهذا يؤكد أن الإنسان الشعبي يبحث دائمًا عن وسيط روحي قريب منه يشعر معه بالأمان والطمأنينة.
ومن الظواهر اللافتة أيضًا كتابة الرسائل للقديسين أو الأولياء، سواء للقديس مار جرجس أو للإمام الشافعي وغيرهما. هذه الرسائل تكشف عن علاقة إنسانية شديدة الخصوصية بين الإنسان والمقدس، حيث يتعامل صاحب الرسالة مع الولي أو القديس باعتباره حاضرًا وقادرًا على التدخل والمساعدة وحل الأزمات.
كل ذلك لا يعني ذوبان الفروق العقائدية بالطبع، فلكل دين خصوصيته اللاهوتية والطقسية، لكن على مستوى الثقافة الشعبية والوجدان الجمعي نجد أن المصريين يمتلكون ذاكرة حضارية مشتركة، استطاعت عبر الزمن أن تمنحهم طرقًا متقاربة في التعبير عن الإيمان والأمل والاحتياج الروحي. ولهذا تبدو الموالد في مصر، رغم اختلاف مرجعياتها الدينية، وكأنها تنبع من روح شعبية واحدة تحمل ملامح الشخصية المصرية عبر العصور.

ربطت بين بعض الطقوس الشعبية الحالية وأساطير مصر القديمة زي إيزيس وأوزوريس… هل فعلاً المصري المعاصر لسه بيعيش بوعي أو بدون وعي امتدادًا للحضارة القديمة؟
أعتقد أن كثيرًا من الممارسات الشعبية في مصر تحمل بالفعل امتدادًا عميقًا للحضارة القديمة، حتى وإن كان الإنسان المعاصر يمارسها دون وعي مباشر بجذورها التاريخية. فالوجدان الشعبي لا يحتفظ بالنصوص والأساطير كما هي، لكنه يحتفظ بالرموز والأفكار الجوهرية ويعيد إنتاجها عبر الأجيال في صور وعادات جديدة.
ومن أكثر الأمثلة وضوحًا ما رصدته في بعض قرى محافظة سوهاج، في طقوس الخصوبة المرتبطة بالموت والمقابر. فهناك سيدات لا ينجبن يلجأن إلى الجبانات طلبًا للخصوبة والإنجاب، حيث تمارس بعضهن طقوسًا رمزية تقوم على تخطي القبر أو المرور فوق موضع الجثمان، أو الوقوف فوق القبر بحيث يصبح بين الساقين ويُغطى بالثوب، وكأن المرأة تحتضن القبر أو تحتويه. وفي بعض الحالات تطلب المرأة من “الحفار” أن يفتح لها أحد القبور لترى الجثمان أو العظام وتخطو فوقها، اعتقادًا بأن ذلك يساعدها على الحمل والإنجاب.
هذه الممارسات الشعبية تكتسب دلالتها حين نربطها بأسطورة إيزيس وأوزوريس؛ فإيزيس ـ بحسب الميثولوجيا المصرية القديمة ـ جمعت أشلاء زوجها المتوفى أوزوريس، ثم حلّقت فوق جسده واحتضنته حتى أعادت إليه قوة الحياة وأنجبت منه حورس. وهنا تبدو الصورة الرمزية متشابهة بصورة لافتة؛ فالمرأة الشعبية في بعض قرى الصعيد تقترب من عالم الموتى بحثًا عن قوة الخصوبة نفسها، وكأنها تكرر ـ دون وعي ـ الفكرة القديمة التي تربط بين الموت والبعث والإنجاب.
اللافت أن المرأة التي تقوم بهذه الطقوس لا ترى نفسها امتدادًا لأسطورة فرعونية، لكنها تتحرك داخل ميراث رمزي متراكم عبر آلاف السنين، ظل حيًا في الوجدان الشعبي حتى بعد تغير العصور والأديان. وهذا يؤكد أن الحضارة المصرية القديمة لم تختفِ تمامًا، بل بقيت كامنة داخل الثقافة الشعبية، تظهر أحيانًا في الطقوس والمعتقدات أكثر مما تظهر في الكتب والنصوص التاريخية.

ليه برأيك التراث الشعبي في الصعيد تحديدًا ما زال أكثر ثراءً وحفاظًا على طقوسه مقارنة ببعض المناطق الأخرى في مصر؟
أعتقد أن الصعيد يُعد من أكثر المناطق المصرية احتفاظًا بالتراث الشعبي، والمرأة الصعيدية على وجه الخصوص هي حافظة للتراث ربما بسبب البعد الجغرافي أو الطبيعة الريفية أو البعد عن العاصمة والاقل تأثرا بالتغيرات الحداثية و المجتمع الصعيدي بطبيعته مجتمع شديد الارتباط بالجماعة والذاكرة والتقاليد. فالتراث هناك ليس مجرد موروث يُحكى، بل أسلوب حياة يومي ما زال حاضرًا في تفاصيل العلاقات الاجتماعية والطقوس والمعتقدات والمناسبات المختلفة.
القرية الصعيدية ما زالت تحتفظ ببنية اجتماعية متماسكة، تقوم على العائلة الكبيرة والروابط الممتدة، وهذا ساعد على انتقال العادات والتقاليد شفهيًا من جيل إلى آخر دون انقطاع كبير. لذلك نجد أن الأغاني الشعبية، والسير والحكايات، وطقوس الأفراح والمآتم، والمعتقدات المرتبطة بالخصوبة والشفاء والحسد، ما زالت حاضرة بقوة مقارنة ببعض المدن الكبرى مثل العاصمة والمدن الأخرى التي تعرضت لتحولات أسرع بفعل الحداثة والهجرة والانفتاح الثقافي.

إلى أي مدى ممكن نعتبر الموالد الشعبية “ذاكرة اجتماعية” للمصريين وليست مجرد احتفالات دينية فقط؟
يمكن النظر إلى الموالد الشعبية في مصر باعتبارها أكثر من مجرد احتفالات دينية، فهي في جوهرها تمثل “ذاكرة اجتماعية حيّة” تحفظ خبرات المجتمع وتراكماته عبر الزمن، وتعيد إنتاجها في شكل طقوسي رمزي متجدد.
فالمولد ليس فقط مناسبة للابتهاج أو التبرك فقط ، بل هو فضاء اجتماعي واسع تتقاطع فيه طبقات المجتمع المختلفة، وتظهر فيه العلاقات الإنسانية في أوضح صورها؛ من طلب البركة، وتبادل النذور، وزيارات الأضرحة، إلى الأسواق المصاحبة، والأغاني، والحكايات الشعبية، وحتى أنماط السلوك الجمعي. كل ذلك يجعل المولد بمثابة مرآة تعكس بنية المجتمع واحتياجاته وقيمه.
ومن زاوية أعمق، يمكن فهم الموالد كآلية من آليات حفظ الذاكرة الشعبية. فهي لا تنقل فقط الطقس الديني، بل تنقل معه شبكة من المعاني المرتبطة بالشفاء، والرزق، والحماية، والحب، والإنجاب، والانتصار على الخوف والمجهول. هذه المعاني تتكرر عبر الأجيال، حتى وإن تغيرت الأسماء والرموز.

في رأيك… هل المؤسسات الثقافية والإعلامية في مصر نجحت في حماية التراث الشعبي، ولا ما زلنا بنتعامل مع التراث باعتباره مجرد “فلكلور للفرجة”؟

في تقديري، يمكن القول إن المؤسسات الثقافية والإعلامية في مصر قامت بدور مهم في التعريف بالتراث الشعبي، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الحماية الحقيقية بمعناها العميق. فهناك جهود واضحة في التوثيق، وتنظيم المهرجانات، وإحياء بعض الفنون الشعبية، وإنتاج أعمال فنية مستلهمة من الموروث، لكن المشكلة الأساسية ما زالت في طريقة التعامل مع التراث نفسه.
في كثير من الأحيان يُقدَّم التراث الشعبي بوصفه “عرضًا للفرجة” أو مادة استعراضية موجهة للجمهور، أكثر من كونه منظومة ثقافية حية تحمل خبرة مجتمع وذاكرته. فيتحول الرقص الشعبي أو الغناء أو الطقوس إلى مشهد بصري جميل، لكنه منفصل عن سياقه الاجتماعي والرمزي، وكأننا نعرض الشكل ونترك المعنى.
الحماية الحقيقية للتراث لا تعني فقط إعادة تقديمه على المسرح أو في الإعلام، بل تعني فهم بنيته الداخلية: لماذا نشأ؟ وكيف تطور؟ وما الوظائف الاجتماعية التي كان يؤديها؟ وكيف ما زال يعيش في الممارسة اليومية للناس، حتى لو تغير شكله الخارجي؟ بدون هذا الفهم، يصبح التراث مجرد “ديكور ثقافي”.
في المقابل، هناك محاولات جيدة من بعض الباحثين والمراكز الثقافية في التوثيق الميداني ودراسة الطقوس والمعتقدات والحكايات الشعبية في سياقها الحي، وهذه الجهود هي الأقرب إلى الحفاظ الحقيقي على التراث، لأنها لا تكتفي بالعرض، بل تقترب من روح الممارسة نفسها.

 استخدمت المنهج الأنثروبولوجي والإثنوجرافي في أبحاثك الميدانية… ما أصعب موقف أو تجربة إنسانية أثرت فيك أثناء جمع المادة من الناس في القرى والموالد؟

هناك أكثر من موقف إنساني ظل حاضرًا في ذاكرتي أثناء العمل الميداني في القرى والموالد، لأن الباحث حين يقترب من الناس في سياقاتهم الحياتية لا يجمع مادة علمية فقط، بل يلامس خبرات إنسانية شديدة العمق.
من أكثر المواقف التي أثرت فيّ كان أثناء توثيق بعض الممارسات الشعبية المرتبطة بالشفاء والخصوبة في إحدى مناطق الصعيد الجبلية. في هذا السياق، حضرت أكثر من حالة لامرأة كانت تعاني من تأخر الإنجاب، وقد دفعتها قناعاتها الشعبية إلى القيام بطقس شديد القسوة رمزيًا وماديًا، يتمثل في التدحرج من أحد المرتفعات الجبلية المجاورة للأديرة القبطية وأضرحة الأولياء ، في مسار طقسي يُعتقد أنه يساعد على الشفاء من العقم وإعادة الجسد إلى حالة الخصوبة.
المشهد كان صادمًا على مستوى الإحساس الإنساني قبل أي تحليل علمي. فالجسد هنا لا يُمارس كجسد فقط، بل كحامل لمعنى ثقافي ورغبة عميقة في التحول والشفاء. كانت المرأة تتحرك وهي محكومة بإيمان داخلي كامل بأن هذا الفعل، رغم قسوته، قد يفتح لها بابًا للأمومة.
في تلك اللحظة يتراجع الباحث قليلًا، ويجد نفسه أمام سؤال معقد: كيف يمكن لرمز ثقافي أن يدفع إنسانًا إلى هذا الحد من الفعل الجسدي المؤلم؟ وكيف تتداخل الأسطورة الشعبية مع الحاجة الإنسانية المباشرة حتى تصبح جزءًا من القرار اليومي؟
إلى جانب ذلك، كانت هناك مواقف أخرى مرتبطة بزيارات المقابر في سياق طقوس الخصوبة، حيث تقف المرأة أمام القبر وكأنه وسيط حي بين الألم والأمل، تتكلم معه وتطلب منه تحقيق ما لم يتحقق في حياتها. وهنا يظهر بوضوح هذا التداخل بين الوجدان الشعبي والأساطير القديمة الممتدة في اللاوعي الجمعي.
أعتقد أن أصعب ما في العمل الأنثروبولوجي ليس جمع المادة، بل القدرة على الحفاظ على مسافة علمية دون فقدان الحس الإنساني، وأن ترى الظاهرة في إطارها العلمي دون أن تتجاهل عمق التجربة الإنسانية التي تقف خلفها.

هناك من يرى أن بعض الطقوس الشعبية “خرافات” يجب التخلص منها، وآخرون يرونها جزءًا من الهوية… كيف تفرق حضرتك بين الموروث الشعبي الذي يستحق الحفظ، وما يجب تجاوزه؟

لا يمكن وصف التراث الشعبي كله بأنه “خرافات” يجب التخلص منها، لأن التراث في جوهره هو ذاكرة المجتمع وخبرته المتراكمة في فهم الحياة والتعامل مع الخوف والأمل والمرض والموت. كثير من الطقوس والمعتقدات الشعبية تحمل وظائف اجتماعية ونفسية عميقة، حتى لو بدت للوهلة الأولى غير عقلانية.
النظر إلى الوظيفة: هل هذا الموروث يساعد على التماسك الاجتماعي، أو يمنح الناس معنى نفسيًا وروحيًا، أو يعبر عن خبرة إنسانية وجمالية؟ أم أنه يتحول إلى ممارسة تسبب أذى مباشرًا للإنسان جسديًا أو نفسيًا.

كيف ترى تأثير الدراما والسينما على صورة التراث الشعبي المصري؟ وهل قدمته بصدق أم شوهته أحيانًا لصالح الإثارة؟
مكن القول إن بعض الأعمال الفنية ساهمت في إعادة تقديم عناصر من التراث الشعبي إلى الجمهور الواسع، مثل الموالد، والأفراح الشعبية، والحكايات، والشخصيات الفلكلورية. هذه الأعمال جعلت قطاعات كبيرة من الناس تلتفت إلى تفاصيل كانت قد تراجعت في الحياة اليومية، وأسهمت في حفظ بعض الأغاني والعادات والملابس والطقوس داخل الذاكرة البصرية للمجتمع.
لكن في المقابل، هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله، وهو أن جزءًا من الدراما تعامل مع التراث بوصفه “مادة درامية” قابلة للتضخيم والإثارة أكثر من كونه بنية ثقافية لها سياقها العميق. فبعض الطقوس الشعبية قُدمت بصورة مبالغ فيها أو كاريكاتيرية، وأحيانًا جرى اختزال المجتمعات الريفية في صور نمطية مرتبطة بالسحر أو الجهل أو العنف، وهو ما لا يعكس الحقيقة المركبة لهذه المجتمعات.

لو طلبنا من دكتور أشرف أيوب معوض تعريفًا مختصرًا للهوية المصرية من خلال التراث الشعبي… ماذا سيقول؟
الهوية المصرية هي قدرة هذا المجتمع على الاحتفاظ بروحه العميقة رغم تغيّر العقائد والأزمنة، بحيث تبقى بعض القيم والرموز والأنماط السلوكية حاضرة في الحياة اليومية، وإن تغيّرت أسماؤها وأشكالها. إنها هوية تقوم على “الذاكرة المستمرة” أكثر من اعتمادها على الانقطاع أو التحول الجذري.

الباحث أشرف أيوب معوض
الباحث أشرف أيوب معوض

اقرأ ايضا:

المصرفي رشاد جناحي يكشف مستقبل اقتصاد البحرين بعد الحرب: انتعاش مرتقب وتحذير من شح السيولة في الأسواق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى