كلمة

العلوم الحديثة وقدرة الجامعات

بقلم: د. عبدالله الحواج

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي، تبرز الجامعات باعتبارها المحرك الرئيس لصناعة المعرفة وبناء المستقبل، وفي هذا المقال، الذي سبق نشره في جريدة البلاد البحرينية اليومية، يتناول الدكتور عبدالله الحواج العلاقة بين العلوم الحديثة وقدرة الجامعات على مواكبة المتغيرات العالمية، مستعرضًا تجربته ورؤيته حول دور التعليم العالي في صناعة التنمية والتقدم.. نص المقال..

لا توجد جامعة بلا مشروع، ولا يوجد مشروع أكاديمي من دون علوم الساعة التكنولوجية، هكذا يطل علينا التطور، وهكذا عشنا بداياته بأمل مع مطلع الألفية، ومع الوصايا المليون التي جاءت بها البشرية من خلال علماء المستقبل، وهؤلاء الذين يقرأون الماضي لكي يتجاوزوه أكثر مما يبنون عليه.

العالم الكوبي إدوارد دي بونو يقول: لقد بدأ التطور التكنولوجي في الكون الجديد من خلال سباق التسلح وحرب النجوم بين القطبين الأمريكي والسوفيتي سابقًا، ويرى هذا العالم في افتتاحه لمؤتمر الألفية الثانية بالبحرين مع مطلع عام 2001 أن الجيوش المتقدمة وعلوم الفضاء هي التي بدأت الإنترنت قبل أن يبدأ، وهي التي اخترعت الهاتف الذكي قبل أن يفكر العالم فيه، وهي التي سبقت الأحداث قبل أن تحدث، والأخبار قبل أن تذاع.

لذلك كان يجب ساعتها أن نفكر لماذا يقول هذا الرجل ذلك الكلام؟ ولماذا يكشف لنا سرًا من أسرار البنتاجون وهو الخبير المحافظ على أسراره؟ ثم كيف سمحت له السلطات بأن يفضي بهذا الكشف العلمي الرهيب أمام مؤسس النظام الأمريكي الجديد جورج بوش الأب، الذي كان يشارك في هذا المؤتمر؟ معلوماتي المتواضعة أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد انتهت من خلال جامعاتها الخاصة من وضع الدولة العظمى على أول عتبات التكنولوجيا الفارقة التي تجاوزت عصر الإنترنت بالرقمية السحابية والذكاءات الاصطناعية، وأن جامعات هارفارد وديوك وبرنستون وستانفورد ومعهد MIT كانوا قد تعايشوا مبكرًا، قبل مؤتمر الألفية بعشر سنوات على الأقل، وما تم الكشف عنه في المنامة لم يكن سوى احتفاء بما تحقق في سياقات ما بعد كتالوج حرب النجوم.

في ذلك الوقت كنا نعد العدة في البحرين لإطلاق مشروع الجامعة الأهلية كأول جامعة خاصة، لذلك حرصت أن يكون شعارها جامعة بحرينية بعلوم عالمية، أو جامعة البحرين الدولية، أو مصطلحات أخرى تحت هذه العناوين المعولمة وغيرها من الشعارات التي اعتمدناها تأثرًا بما نرى وتفهمًا لما كان يجري، إذ كان حرصنا شديدًا على أن تكون مناهجنا الدراسية متخطية ما كان يرعى تحت أقدامنا من علوم تقليدية، ومن برامج أكاديمية عفا عنها الزمن، كان مؤتمر الألفية عبارة عن صرخة في أذن الصمت، وصفعة على وجوه العرب: كيف كنا وأين أصبحنا؟ سؤال مدهش، ومفاجآت لم تسرني أنا شخصيًا حين رأيت العالم وهو يفكر في المستقبل، وحين اكتشفت كم كنا اتكاليين على ماضينا ومتَّكئين عليه حتى أصبحنا خارج حسابات العالم المتقدم لنحو نصف قرن على الأقل من هذا الزمان.

لم أُصب بالإحباط، فأنا بطبعي متفائل، وأنا بحكم انتمائي لمملكتنا الحبيبة البحرين أعرف جيدًا أن قيادتنا الواعية الحكيمة مستوعبة تمامًا ما يحدث من تطورات علمية في العالم الجديد، وأنها على استعداد تام لكي توفر البنية التحتية التي كانت مهيأة أصلًا لاستيعاب كل فكر متقدم، وكل علم مساعد، وكل مشروع تنموي مستنير.

لذلك لم تكن هناك مشكلة في تأسيس فكر تعليمي يقوم على المبادأة، ولا يعتمد فقط على ردة الفعل، وأن تكون لدينا علوم وفنون وآداب كفيلة بنقلنا إلى العالم الجديد ونحن متسلحون بالبحث العلمي المتقدم، وذلك المواكب لحركة التاريخ من خلال مواكبته للواقع ومشكلاته المتسارعة واحتياجاته المتعاظمة، لذلك فإنني أستهل هذه الهدنة الدراسية القصيرة بالدعوة إلى عمل كشف حساب مع النفس: ماذا قدمنا خلال عام أكاديمي بالتمام والكمال؟ ماذا أعطينا للوطن والإنسانية ولأجيالنا القادمة؟ وكيف سنواجه أنفسنا إذا لم تكن مناهجنا ومعاملنا ومستوى طلابنا مواكبًا لكل ما يدور حولنا من أحداث، وما تحققه الإنسانية أمامنا من تقدم واكتشافات وإنتاج للمعرفة؟ هل نحن فعلًا على الدرب؟ أم أننا ما زلنا بعيدين، مجرد باحثين عن مدرج الإقلاع؟!

 

زر الذهاب إلى الأعلى