الناقد أحمد فرحات يكتب: نساء بائرات
الناقد أحمد فرحات
في سنة 2013م أعلن د. يوسف وغليسي عن كتابه خطاب التأنيث. وفيه أفصح عن الشواعر اللائي كتب عنهن بحرية وطلاقة. فذكر أصنافا شتى من النساء الشواعر.. وتلك شاعرة مُطَلّقة تهدي ديوانها-زبدة حياتها- إلى طليقها حبا، وربما استعطافا كذلك.
وأخرى ترفع ديوانها الأول إلى زوجها، إكراما وتقديرا؛ لأنه لم يقصّف قلبها، ولم يضع بمعصمها قيودا ، وبعد أيام قلائل يرن هاتفي ، أرفعه فإذا الشاعرة تكلمني وصوتها البالي يحمل لي “نعي” طلاقها، الزوج المتحرر ذاته، المكرم بالإهداء المذكور يحررها إلى الأبد دون أن تأخذه رأفة بذلك الإهداء الكريم.
وأخرى مُعَلّقة متأرجحة بين مستقبل مجهول، وماض زوجي لا تفكر في الرجوع إليه، وهذه شاعرة في غاية الأنوثة، تدبج آخر الكلمات، وتطرز صدرها المرمري البديع بأروع المرثيات، بعد أن أسرّ لها طبيبها بأن عمرها الافتراضي سينتهي بعد سنة واحدة على وقع سرطان الثدي.
وتلك شاعرة تتفرج على جمالها الذي بدأ يذوي، وجسدها الذي بدأ يبلى، ولم تجد خلاصها في الرسم بالكلمات.
كأن الحياة الشعرية والحياة الزوجية خطان متوازيان لا يلتقيان، ومن اختارت الشعر فقد اختارت العنوسة والبوار،.. وأتذكر هنا أن ناقدا جزائريا كبيرا كان يتندر بالشاعرات ويتأسى عليهن في الوقت ذاته إذ يسمي الشاعرات”البائرات”.
وهذه شاعرة ضحت ببيت الشعر في سبيل إنقاذ بيت الزوجية، فكانت النتيجة أن خسرت البيتين معا، وصار العراء (الروحي والجسدي) مأوى لها.
وأخرى كانت آخر قصائدها ليلة دخول بيت الطاعة، بعدما وأد بعلها شاعريتها وغلّق على نصوصها ، وأهدر دماءها الشعرية، واستأثر بماضيها الأدبي.
ولعلي أتذكر أخرى راحت تنوح، وتصيح، “مانيش راجعة” واختارت الهجوم على الرجال كوسيلة للدفاع، وتعلن روحها الانتقامية الخطيرة، بعدما أعلنت أن ماضيها وراءها ما حييت، فلا مهرب منه ولا مخفى، وإن حاولتْ له خسفا، أو نتفا، أو حرقا أو مزقا، أو حذقا، … ولن تتمكن من تغيير حسن بسوء أو سوء بحسن، …ألا ترى في ذكرياتها أمورا تَعْجَبُ لها كيف كانت ؟ وإلام صارت؟ وتدهش كثيرا حيال مكتوباتها هي، ومنشوراتها هي، وتقول في نفسها: يا إلاهي، ما أقول ردا على طلبك حين تأمرني أن: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا؟ فلن تتكلم سوى جلودها، وقدميها، ويديها، وكل عضو من أعضائها.
وهناك أخرى اتخذت من جمالها شَرَكا تصيد به الرجال، فتكثر من العلاقات مرة واثنتين وثلاثا وأربعا إلى العدد الذي يفوق تصور أي رجل أو امرأة أسوياء وتنجب من كل رجل ولدا حتى صار أبناؤها ينتسبون إلى رجال مختلفين، وعندما بدأ عمرها في الذبول احترفت الكتابة عن قصص الحب والهوى، تستعيد ذكرياتها مع كل رجل عاشت معه. وفي سطر من سطور دواوينها تكاد تشم رائحة هيامها المصطنع.
ففي حياة كل شاعرة مأساة قاسية، وفي أعماق كل شاعرة فجيعة، ومحنة عصيبة، صارت لازمة لها، ومرادفا حزينا لمعنى (الشاعرة).
ناهيك عن ضعف الشعر المنظوم، وترديه إلى مستوى الابتذال والسرقة الشعرية التي ابتلينا بها في زمن الفسبكة، فهاكم نصوصا مسروقة عيانا جهارا في النص التالي للشاعر النابه: كمال محمود ابن الصعيد الجميل..
حدثني عن ريم أكثر البسمة والوجه الأنور
وبراءة عينيها تسري فالقد غزال يتبختر، سرقته إحداهن، ووضعته في ديوان لها لا يحمل سوى اسمها. وسوف يظل عارا يلاحق السارقة أبد الدهر، وفي كل اكتشاف مأساوي، كانت دموعي تنوب عن كلماتي، يتوقف القلم قليلا في كل لحظة يأس.
اقرأ ايضا:


