مقالات

الناقد أحمد فرحات يكتب: شعراء الظل

بقلم: أحمد فرحات

شعراء الظل هم مبدعون حقيقيون طوتهم يد الزمن، أو همشهم الإعلام، أو كانوا مقلين ، أو اعتمدوا على ما هو ضد الشعر، وهم موجودون من الجاهلية إلى اليوم ، أذكر منهم من اعتمد العقل والبرهان في منجزه الشعري، ومن أدخل العقل في صوره الشعرية. فالصورة العقلية صورة تعتمد على الفكر والعقل والبرهان، وتوظيف البراهين العقلية والأدلة المنطقية في مجال الشعر يجب أن يؤخذ بحذر شديد؛ لأن العقل والمنطق من سمات العلم الذي هو ضد الشعر من حيث التعبير عن رغبات الإنسان ووصف شعوره ووجدانه.

شعراء الظل مصطلح يشير إلى مبدعين لم ينالوا حظهم، ولم يهتم بهم المؤرخون؛ حيث طغى الاهتمام بشعراء البلاط والمترفين على حساب شعر العامة. أما أسباب الظل فتكمن في محدودية النشر وقلة الإنتاج وغياب التوثيق والتركيز على أسماء لامعة.

هذا وقد وُجِدَتْ بعض الصور العقلية التي تعتمد على العقل والبرهان دون أن تفقد الخيال في الشعر، ومنها قول الشاعر حماس بن قيس الكنانيّ، وهو أحد بني بكر بن كنانة، حيث كان يعد سلاحا ويصلحه قبل قدوم سيدنا رسول الله –صلى الله عله وسلم – مكة يوم الفتح فقالت له امرأته: لماذا تعد هذه؟ فقال: لمحمد وأصحابه، وإني لأرجو أن أُخْدمك بعضهم: ثم أنشأ يقول:

إِنْ يُقْبِلُوا اليَومَ فَمَا بِي عِلَّهْ    
 

 

هَذَا سِلاحٌ كَامِلٌ وَأَلَّهْ

 

وَذُو غِرَارَينِ سَرِيعُ السَّلهْ

 

 

(الألة: الحربة لها سنان طويل. والغرار: الحد)  

ولقيهم خالد بن الوليد وقتل من المشركين أناسا، ثم انهزموا؛ فخرج حِماس بن قيس منهزما حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته أغلقي عليّ بابي قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال(الرجز):  

إنَّكِ لَو شَاهَدْتِ يَومَ الخَنْدَمَهْ
   

 

إذْ فَرَّ صَفْوانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ

وَأَبُو يَزِيدَ قَائمٌ كَالمُوتمهْ    
 

 

وَلَحِقَتْنَا بِالسّيوفِ المُسْلِمَهْ

 

يَفْلِقْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ

 

ضَرْباً فَلا يُسْمعُ إلا غَمْغَمَهْ

 

لَهُم نَهِيتٌ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ      

 

لَمْ تَنْطَقِي في اللومِ أَدْنَى كَلِمَهْ  

 

 

فالشاعر في هذه الأبيات يستند إلى العقل والمنطق لإسكات زوجته، وكفها عن لومه وتبكيته، وهو في سبيل ذلك استخدم أسلوبي شرط؛ الأول (إِنْ يُقْبِلُوا اليَومَ فَمَا بِي عِلَّهْ) والآخر(لو شاهدت يوم الخندمة… لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة).

ففي الأسلوب الأول جاء الجواب سريعا، لم يترك مساحة للتفكيروإعمال العقل، وفي الثاني جاء الجواب بعيدا تاركا للعقل مساحة كبيرة للتفكير ألف مرة في سبب تعليل هروبه وفراره، وتتمثل هذه المساحة(الكبيرة) في بيان ووصف ما حدث حيث فر صفوان وعكرمة، وسخريته من أبي يزيد القائم كالموتمة، ثم وصفه لجيش المسلمين واعترافه بقوتهم وتفوقهم على جيش الأعداء مما ممهد للذهن لتقبل القرار الذي اتخذه.

وفي الصورة القائمة على إعمال العقل نجد الشاعر يعتمد على استخدام الجمل الاسمية بنسبة تزيد عن الجمل الفعلية، حيث استخدم خمس جمل اسمية في مقابل ثلاث جمل فعلية، فضلا عن قلة الاعتماد على الخيال في الأبيات إلا فيما من شأنه جعل الكلام أدبا لا علما.  

ومن هذه الصور العقلية لحظ أن العُدَيلِ بن الفَرْخِ العِجْلِيّ كلها تدور حول ترجيح الصورة العقلية بشكل لافت؛ فيقول:

كَفَى حَزَناً أنْ لا أزَالَ أَرَى القَنَا      
 

 

يمجُّ نجيعاً مِنْ ذِرَاعِي وَمِنْ عَضْدِي

 

لَعَمْرِي لَئنْ رُمْتُ الخُرُوجَ عَلَيهِمِ    
   

 

بقيسٍ عَلَى قَيسٍ وَعَوفٍ عَلَى سَعْدِ

وَضَيَّعتُ عَمْراً والرِّبَابَ وَدَارِماً      
 

 

وَعَمْرَو بنَ أُدٍّ كَيفَ أَصْبِرُ عَنْ أُدِّ

 

لَكُنْتُ كَمُهْرِيقِ الذِي في سِقَائِهِ  
     

 

لِرَقْرَاقِ آلٍ فَوقَ رَابِيَةٍ صَلْدِ

كَمُرْضِعَةٍ أَولادَ أُخْرَى وَضَيَّعَتْ    
   

 

بَنِي بَطْنِهَا، هذا الضَّلالُ عَنِ القَصْدِ

المج: إخراج الماء من الفم. النجيع: دم الجوف، ويقال تنجع الرجل إذا تلطخ به.

فالعديل بن الفرخ يحكم العقل والمنطق في صراعه القاتل مع بني عمومته؛ فقد اضطرته ظروف الحياة للدخول في معركة دامية مع بني عمومته، وهو يعي أن قتال الأقارب أمض على المرء من وقع الحسام المهند، فكيف يقاتل المرء نفسه؟! فبنو عمومته وهو، من أصل واحد، ومن أب واحد، فالقاتل والمقتول خاسر في هذه المعركة، وكيف له أن يتحالف مع غرباء من قبائل أخرى ليفت عضد نفسه؟ ولهذا يقول: كفى المرء حزنا أن يرى الرماح والسيوف تقطر دما من ساعده وعضده! ثم يقسم أنه بتحالفه مع القبائل الأخرى ضد بني عمومته كمن صب فضل مائه لمجرد رؤيته سرابا من بعيد فخدعه منظره فأفرغ ما معه من ماء.

ثم يدلل عقليا على ذلك مؤكدا هذا المعنى تقريبا فيما يشبه الإلحاح والإصرار على فكرة الذهنية أو العقلية في عدم قبول حربه مع بني عمومته، واستعانته بقبائل أجانب ضد قومه – حيث يصف حاله وهو يحارب قومه، ويستعين بالغرباء ضدهم، بحال امرأة تضيع بنيها، وترضع غيرهم، وبنوها أولى من إرضاع الأغراب. فهذا هو الضلال المبين!

يعتمد الشاعر على عنصرين أساسيين: أولهما الصورة في البيت الأول، والبيتين الأخيرين، وهي صورة مرجعها البرهان العقلي؛ فالألم الذي ينتاب الشاعر هو شعوره بالحزن والمرارة والألم جراء الدم المنهمر من أجزاء جسمه؛ فمرة من الذراع وأخرى من العضد، وما الذراع إلا تعبير رمزي للألم الصادر من أعماق نفسه لقتاله أقاربه، والدم المنهمر من عضده تعبير رمزي أيضا لأثار الجروح التي أحدثها في أعدائه وهم بنو رحمه، فكلا الأمرين مرجعهما واحد، فهو وأهله كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وتعبير الشاعر (كفى) يوحي بحالة الملل والضيق التي يشعر بها حتى استطاع في النهاية أن يصرخ في وجوه القوم بعبارة تحمل معنى النهاية أو محاولة النهاية لوضع حد للدماء التي تراق من الفريقين. وقوله(لا أزال)يوحي بأن الشاعر قد ضجر بهذه المأساة وانتابته حالة من عدم الرضا، وقوله(يمج نجيعا)توحي بانهمار الدم منه كأنه ماء المطر ينزل من السحاب.

والصورة في اليتين الأخيرين صورة مركبة تتمثل الأولى في صورة الرجل الذي أفرغ ما معه من ماء، وهو في البيداء القاحلة، لرؤيته بريق ماء على بعد، وفي البيت الثاني يصور حاله وهو يحارب أقاربه بالمرضع التي ترضع أولاد غيرها وتنسي بني بطنها، وهاتان الصورتان جعلتا الشاعر يطلق صرخته المدوية (هذا الضَّلالُ عَنِ القَصْدِ) وهذا الضلال نتيجة فشله في حقن الدماء بينه وبين أقاربه.

وأما العنصر الثاني في هذه اللوحة الفنية فهو تعدد أسماء الأشخاص من أفراد قبيلته التي يحاربها، وهذه الأسماء شغلت حيز بيتين اثنين: وهما البيت الثاني والثالث على التوالي، فذكر قيسا وعوفا وعمرا والرباب ودارما وعمرو بن أد، وذكره هذه الأعلام مقصود لذاته، وهو يريد إثارة مشاعر صلة الرحم لبني قومه حتى يكفوا عن القتال.          

مساكين الشعراء!

لعلك أدركت الآن أن الشعر نوعان: شعر يقوم على أكتاف الدولة، ومجالسها المعتمدة، وشعر يقوم على النفس وما تتطلبه من احتياج .. وهاكم شعراء اليوم فيهم ما في أجدادهم من أسماء لامعة وأخرى قانعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى