حوارات

حوار| محمد الدش: الجمهور والسوشيال ميديا جزء من أزمة الشعر الحالية

يحمل شعر محمد الدش ملامح القرية المصرية بكل تفاصيلها الإنسانية والوجدانية، حيث الطمي والحنين والبسطاء الذين تحولوا داخل قصائده إلى ذاكرة مقاومة للنسيان، وبين الشعر والتعليم والعمل الثقافي، صنع الدش تجربة إبداعية خاصة تقوم على الانحياز للإنسان والهوية المصرية، مؤمنًا بأن الإبداع الحقيقي لا يولد إلا من المعاناة والتجربة الصادقة، وأن الشاعر الحقيقي لا بد أن يمتلك صوته الخاص بعيدًا عن التقليد والتشابه.

وفي هذا الحوار مع مجلة صوت الأهلية، يتحدث محمد عبد الستار الدش عن الشعر بوصفه مقاومة للقبح والألم الإنساني، ويكشف رؤيته لأزمة الشعر في السوشيال ميديا، وتأثير التعليم في تشكيل تجربته الإبداعية، كما يفتح قلبه للحديث عن الغموض في القصيدة، والكتابة للأطفال، وخوفه من اختفاء الروح المصرية البسيطة تحت ضغط التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، وإلى نص الحوار..

– في حوار سابق قلتم إن “الإبداع شديد الخصوصية ويحتاج إلى وعي المبدع بما يميزه”.. كيف يحافظ الشاعر اليوم على صوته الخاص وسط حالة التشابه المنتشرة في المشهد الشعري؟ 

لاشك أن خصوصية الشاعر مسألة مهمة في مسيرته الإبداعية؛ وحتى يصل لذلك ؛فلابد من وعيه الشديد بتجربته من خلال متابعة القراءة الواعية الناقدة باستمرار لهذه التجربة ،ولحركة الشعر على اختلاف أنماطها ،واستكشاف خصوصية واقعه في محيطه الذي يعيش فيه بحمولاته الثقافية المتنوعة(الشعبية..الاجتماعية..التراثية..الدينية.. الحداثية…وغير ذلك) .وكلما أصر على خصوصيته عندما يكتشفها بنفسه أو من خلال رؤية ناقد أصر على التعمق في حياته، ومحيطه وقراءاته المتنوعة الغنية ليعيش صوته الخاص وسط حالة التشابه المنتشرة في المشهد الشعري.

– تُعرف قصائدكم بالارتباط بالبيئة والإنسان البسيط والقرية المصرية.. هل تعتقدون أن الشعر الحقيقي يجب أن يخرج من معاناة الناس لا من الأبراج الثقافية المغلقة؟
بالتأكيد الشعر الحقيقي تجربة، والتجربة معاناة يعيشها الشاعر بفكره ووجدانه معا في تعانق والتحام من خلال لغته ،وصوره ، وصياغاته، وإيقاعاته المنتظمة وغير المنتظمة، فلا شعر بلا معاناة، وتكمن المعاناة في اللاوعي الذي يمد الشاعر الموهوب بما يطلبه منها.
ويقولون (الشاعر بن بيئته ) فلابد أن تظهر مظاهر البيئة المسيطرة على معاناة الشاعر في تجربته بشكل كلي أو جزئي مثل :القرية أو المدينة أو هما معا أو الصحراء ..وغير ذلك من بيئات متى توفرت.ووجود تأثير بيئة ملحة في تجربة الشاعر يصنع الخصوصية عنده على عكس من يكتبون بلا معاناة أي بلا تجربة .

– ديوان “على باب مناماتي” حمل لغة شعرية مختلفة ومجازات كثيفة.. إلى أي مدى تؤمنون بأن الغموض في الشعر ضرورة جمالية وليس حاجزًا أمام القارئ؟
مسألة الغموض في الشعر مسألة قديمة حديثة أي إنها من المسائل المتجددة مع مراحل التحولات الشعرية، فعندما ألقى الشاعر أبو تمام شعره في العصر العباسي وسأله أحد الحضور:لم لا تقول ما يُفهم؟
فرد عليه أبو تمام قائلا : ولم لا تفهم ما يُقال ؟ والغموض متى كان شفيفا يكسب التجربة الشعرية عمقا وقوة فهو ضرورة جمالية ،ويلجأ الشعراء للغموض أيضا في عصر الدكتاتوريات وتكميم الأفواه سياسيا.ومتى كان الغموض مُغلقا أفقد التجربة بهاءها ؛لأنه يعزل القصيدة عن غالبية الجمهور ،ولو استمر الشاعر على التمسك بالغموض بشكل دائم واع ربما تصبح قصيدته منعزلة تماما عن كل الجمهور (العام والخاص).

– كتبتم للأطفال كما كتبتم للكبار.. أيهما أصعب: مخاطبة عقل الطفل أم ملامسة وجع الإنسان الكبير؟ ولماذا؟
الكتابة للأطفال عموما أصعب ؛لأنها تتطلب من المبدع أن يعيش من خلال فكره ووجدانه حالة الطفولة في المرحلة العمرية التي يكتب لها؛ فينتقي الكلمات المناسبة، والصور الجاذبة، والتراكيب البسيطة، والموسيقى المؤثرة الطبيعية، ويبتعد عن تكرارية الموضوعات، وإن كان ولابد يتناولها بطريقة مغايرة، ولابد فيمن يكتب للأطفال أن يكون واسع الخيال، دقيق الملاحظة في علاقات الأشياء والكائنات بعضها ببعض، وعلاقة ذلك بالإنسان والكون، فالكتابة للطفل بلا خيال تعد لاشيء، وعموما الخيال روح الإبداع للكبار وللأطفال.

– كثير من شعراء هذا الجيل يركضون خلف “التريند” والانتشار السريع على السوشيال ميديا.. هل أضرت الشهرة السريعة بقيمة الشعر الحقيقي؟
-غالبية الشعر على السوشيال ميديا ليس له علاقة بالشعر ،وإنما حالات من الكتابة يطلقون عليها كلمة شعر كذبا وزورا بوعي منهم بها أو بغير وعي، هذه الحالات التي أكسبت أصحابها شهرة زائفة ؛لأن من شجعها بالإعجاب والتعليق ليس على وعي بالشعر الحقيقي؛ فبالتأكيد أعطت هذه الشهرة بيانا سلبيا لغير المتابع الجيد الواعي بحقيقة الشعر من الجمهور فأخذ يبحث عن الشعر النموذج الذي يقرأه ويسمعه ،ويراه على السوشيال ميديا.

فتأثيرهذه الشهرة السريعة أضر بالشعر الحقيقي من حيث الجمهور ،أما قيمة الشعر الحقيقي نفسه فمحفوظة دائما سواء كثر جمهورالشعر الحقيقي أو قل.

– في قصائدكم يظهر الحنين بقوة إلى القرية والطمي والتفاصيل القديمة.. هل نحن أمام شاعر يخشى اختفاء الروح المصرية البسيطة؟
– نعم أخشى على هذه الروح المصرية الأصيلة ،البسيطة، العبقرية المرحة ،المسالمة، القوية ،الشجاعة، الكريمة ،المحبة ،الشامخة من الاندثار أمام تغوّل الرأسمالية المتوحشة التي لا ترحم، ولا ترفق بالإنسان في أي مكان، وخاصة الإنسان البسيط ابن الروح المصرية البسيطة، نعم أخشى من فقدان خصوصية الهوية المصرية. وأرى أن المبدع الحقيقي من يتمسك ببيئته، ومحيطه،وعالمه الذي يعرفه، ووطنه الخاص، ووطنه العام متسلحا بكل جماليات الإنسانية.

– عملتم في التعليم لسنوات طويلة إلى جانب التجربة الشعرية.. كيف أثرت المهنة التربوية على لغتكم ورؤيتكم للإنسان والحياة؟

مهنة المعلم في وزارة التربية والتعليم المصرية مهنة شاقة وممتعة في آن واحد . شاقة لكل من يمارسها وظيفة دون تطوير لنفسه بما يواكب متغيرات العصر في ممارسة المهنة، وممتعة لمن يرى فيها رسالة مهمة في مساعدة بناء إنسان صالح لذاته ،ومجتمعه ،ووطنه وهو الطالب الذي سيصبح مسؤولا بعد ذلك.هذا لعموم المعلمين أما المعلم المبدع وأخص تجربتي بالحديث في مجال الشعر خاصة والكتابة الأدبية عامة فقد أفادتني مهنة معلم اللغة العربية إلى جانب المتعة العامة تأثير خاص من خلال :سعة القراءة وتنوعها؛ حتى أستطيع توصيل الدرس للطالب ببساطة ووضوح، فتعلمت الإيجاز في القول ؛فخير الكلام ماقل ودل.

وأكسبتني رؤية متسعة للناس والأشياء من حولي فضاقت العبارة كما يقول النفري “كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة” ، وتعلمت الصبر والتأمل ؛لأن كل طالب حالة خاصة ويحتاج لأسلوب يناسبه للاستفادة ؛فكان هذا خلقي مع الناس والحياة .وبذلك أصبح عندي ما يثري تجربتي الشعرية ،وكتابتي الأدبية بشكل عام .

– هناك من يرى أن الشعر لم يعد مؤثرًا كما كان في الماضي.. هل المشكلة في الجمهور أم في الشعراء أنفسهم؟

المشكلة في ثلاثة أطراف :الشعراء والجمهور والوضع العام ، الشعراء الذين يتعالون على الجمهور بكتابة أشياء لا تمس الجمهور ،أو يفضلون الغموض بلا نقطة ضوء في كتابا تهم، الجمهور السطحي الكسول الذي يتابع السوشيال ميديا وفقط ،الوضع العام من ضغوط اقتصادية ونفسية ومجتمعية محلية وعالمية ،وتأثير التكنولوجيا الحديثة على عقلية غالبية الناس ،وسوء المنظومة التعليمية اليوم التي لا تشجع المواهب في الظهور والنمو لأن العملية التعليمية عندنا شغلت الطلاب بكليات القمة والقاع والوسط .

– قصيدة “رحيل” الأخيرة حملت وجعًا إنسانيًا واضحًا وصورًا قاسية عن القهر والفقد.. هل أصبح الشعر بالنسبة لكم وسيلة مقاومة ضد الألم الاجتماعي والإنساني؟

بالفعل الشعر عندي وسيلة مقاومة للقبح بشكل عام ، وللألم الاجتماعي،والإنساني، والوطني، فالشعرالعربي لم يعد ديوان العرب بالمعنى التسجيلي كما كان قديما ؛بل أصبح من وجهة نظري مرآة الإنسان ،والإنسانية بصورة مكثفة، وسريعة، ومؤثرة.

– أخيرًا.. بعد رحلة طويلة في الكتابة والثقافة والعمل العام داخل اتحاد كتاب مصر والصالونات الأدبية.. ما الحلم الذي ما زال محمد الدش يطارده حتى الآن؟

– الحلم العام أحلم أن يعلو وطني لأعلى مكانة عالمية، ولن يتحقق ذلك إلا بتعليم قوي يبني إنسانا وطنيا مثقفا واعيا محبا للقراءة باستمرار وعلى خلق كريم،وببحث علمي متميز يستفاد منه عمليا ويطبق في الداخل أولا، وعدم التفريط في خصوصية الروح المصرية، بمعنى الاهتمام ببناء الإنسان قبل كل شيء، فقد يسكن الكوخ إنسان،و قد يسكن البيوت الفاخرة من هم في هيئة إنسان، أما الحلم الخاص أن ينصرني الله على نفسي الأمارة بالسوء،وأن يثبت قلبي على الحب.

اقرأ ايضا:

د. أحمد فرحات: نعيش عصر التفاهة والشهرة لم تعد دليلًا على القيمة الأدبية (حوار)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى