أمل هلال تكتب: أنت والموت ووجوه أخرى

استيقظ مبكرًا مخططًا أن يمر اليوم ألا يفكر في شيء. تصاعدت أنفاسه، وارتجفت يداه عند حمل فنجان قهوته التي أعدها مرة كثيفة على غير عادته، كل شيء مبعثر حوله، حتى أفكاره، الأبواب أوصدت، أغلقت الطرقات، وكأن العالم أطفأ النور في عينيه، لم يتبق سوى خيط هناك، ربما تكون النجاة، لكن هناك لصوص خفية تتسلل: الهزيمة، الفشل، الوحدة. إنه هناك عالق في المنتصف، يحاول إنهاء هذا الألم الصامت، لم يتبق الآن إلا أفكار ثقيلة وإقدام تدفعه نحو الهاوية.
أن حياة المنتحر لم تكن هينة، ولم يهن عليه نفسه بقدر ما حاول التشبث بالحياة. الانتحار ليس فكرة عابرة ولا وليدة لحظات كما يبدو، ولا رغبة بالموت بقدر ما هو انكسار في لحظات ضعف، صرخات ألم يائسة تبحث عن راحة لم تمنح يومًا، وعن نجاة لم تأتِ. خذلان متكرر، صراع داخلي لا نراه، إنها الوحدة بين الزحام والموت البطيء في أحضان الحياة.
تتسارع الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية بملاحقة المنتحر وكأنه فريسة، تضعه في الزاوية لمواجهة أفكاره وإيجاد حلول، في حين أنه عاجز حتى عن طلب المساعدة. هناك أوجاع تختبئ، تثقل مع الأيام حتى تصبح أثقل من أن تحتمل. خلف كل باب حكاية لم تُروَ، جسد ينهار، وشعور بالانحصار والهزيمة ينبئان لأفكار انتحارية، حيث تبدو الحياة كأنها سلسلة من المعارك التي لا يمكن الفوز بها.
وفقًا لمنظمة الصحة العالمية يموت أكثر من 700000 شخص سنويًا بسبب الانتحار، وتعتبر منطقة شرق أوروبا وشرق آسيا أعلى المعدلات عالميًا، بناءً على بيانات منظمة الصحة العالمية. وإن الرجال هم الأعلى نسبة تسجيل مقارنة بالنساء، وذلك بسبب الضغوط الاقتصادية والعزلة الاجتماعية وثقافة العمل القاسية.
أن ما يحدث داخل المنتحر ما هو مرئي قد يلاحظ، وهو لا يمثل إلا جزء الجليد البارز، ومنها ما هو مخفي وكامن لا يظهر إلا عبر سنوات إن ظهر.
دوافع الانتحار!!!
أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين لديهم دوافع انتحارية غالبًا ما يكون لديهم دافع قوي لتجنب الألم النفسي، أنهم لا يسعون بالضرورة إلى الرغبة في الموت نفسه بقدر ما يكون دافعهم إنهاء الألم النفسي، لأن الألم ليس جسديًا. وهو مصطلح صاغه العالم إدوين شنايدمان بأنه ألم نفسي لا يطاق، ألم ومعاناة ووجع. إنهم مدفوعون بإنهاء تلك المعاناة، وقد يجد المنتحر مخرجًا محتملًا من ضغوطه النفسية، ولذلك يظن أن الموت ينهي كل هذا، ولا يعلم أن الانتحار ينتقل لشخص آخر.
أن الأفكار الانتحارية متعلقة بعوامل رئيسية وتغيرات تدفع الكثير إلى التفكير في تلك الأفكار الكارثية، نذكر منها: عوامل ذاتية واضطرابات الصحة النفسية، مثل الاكتئاب الشديد. قال ويليام ستايرون عندما دخل المستشفى بسبب الاكتئاب: «أفضل أن تتقطع ذراعي بدون تخدير على أن أعاني من الألم الذي أعاني منه الآن».
اضطرابات الشخصية الحدية، ثنائي القطب، الفصام، القلق، إدمان الكحول والمخدرات، ضعف الوازع الديني والابتعاد عن القيم التي تحرم وتجرم قتل النفس.
الضغوط الاجتماعية، الإحساس بالذنب، فقد شخص عزيز، لفت الانتباه، الشعور الدائم بالعجز والهزيمة، والنظر إلى الحياة على أنها سلسلة من المعارك يجب الفوز بها، وبالتالي الشعور بالانحصار. التفكك الأسري وغياب الدعم العاطفي، التفرقة في المعاملة والمقارنة الدائمة بالغير، وبالتالي ضعف تقدير الذات وقلة الثقة بالنفس.
مشكلات مالية وبطالة، التعرض للعنف والإيذاء النفسي والجسدي، التنمر، وهو ما نهى عنه القرآن الكريم.
العزلة الاجتماعية، وجد الباحثون أن الوحدة لها تأثير مدمر خاصة عند الفئات الضعيفة ككبار السن والمراهقين والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.
أن الوحدة شعور بعدم الاستمتاع، وعدم الرؤية، وعدم الدعم. الوحدة لا تؤثر على الحالة المزاجية فقط، بل يمكنها أن تغير أفكار وتصورات الإنسان. لهذا السبب غالبًا ما تؤدي الوحدة إلى جعلهم يشعرون أن لا أحد مهتم لأمرهم.
عوامل بيولوجية وجسدية، أمراض مزمنة وتغيرات في بيئة الدماغ نتيجة لصدمات.
عوامل معرفية سلوكية، الشعور باليأس، الاندفاعية، وصعوبة في اتخاذ القرارات.
هناك تغيرات أيضًا كشفتها دراسات التصور العصبي التي تستخدم تقنيات متقدمة للنظر داخل الدماغ عن تغيرات عند التفكير في الانتحار، حيث تعتبر قشرة الفص الجبهي البطنية وقشرة الفص الجبهي الظهرية أساسيتين لتنظيم عواطفنا واتخاذ القرارات، أما الجزيرة فهي منطقة دفاعية رئيسية أخرى تساعدنا على معالجة عواطفنا وكيف نشعر جسديًا. عندما يكون هناك خلل لهذه المنطقة يؤدي ذلك بدوره إلى مشاعر سلبية وصعوبة في التحكم واتخاذ القرارات الجوهرية. أن الشخص الذي لديه ميول لأفكار انتحارية لا يستطيع التفكير بوضوح.
في بيتنا منتحر….. من العلامات التي يجب أخذ الحيطة والحذر بها أن هناك منتحرًا: التغيرات المزاجية، العزلة، أفكار وتلميحات سواء بعبارات أو أفعال لإنهاء حياته.
كيف التعامل والوقاية مع لص تلك الأفكار الانتحارية؟ لا تكن وحيدًا، ابحث عن رفقة صالحة.
قم بتسجيل إنجازاتك في قائمة حتى لو كانت بسيطة، وإن لم تجد فاصنع إنجازًا يوميًا وذكّر به نفسك.
اقطع علاقاتك بالأشخاص السامين الذين يعكرون صفو ذهنك.
لا تيأس واصبر على البلاء، بعد الصبر جبر، وكل مر سيمر. لا تستكين وكن صاحب عزيمة وهمّة.
تقوية علاقتك بالله عز وجل، لا تغلق الأبواب.
لا تهتم بالكمال، ركز على ما حققته، فالسعي نحو الكمال لا يسمح لك أن تكون إنسانًا يصيب ويخطئ فيتعلم. تقبل عيوبك وهزائمك، تعلم الدرس وكن مرنًا.
ابحث عن معالج نفسي ثقة لتعزيز المرونة العقلية، لا تخجل من طلب المساعدة. ربما يبدو لك أن إنهاء حياتك هو الاختيار الوحيد لإنهاء ما يؤذيك، ولكنه في الحقيقة ينهي أيضًا أيامًا تنتظرك ربما تكون أفضل أيامك. لا شيء يدوم للأبد، كن لطيفًا مع نفسك وترفق بها، لا تستسلم، استعن بالله ولا تعجز.
كلنا لنا دور…
رسالة إليك لو كنت قريبًا من الشخص المنتحر..
لا توجه اللوم.
أنصت وتلطف وتعاطف، ربما أنت حامل المسك والجليس الصالح ويد النجاة.
أصغِ بصدق وامنح الأمل، حضورك مشجعًا داعمًا منصتًا يصنع فارقًا بين الاستمرارية والانكسار، بل بين الحياة والموت.
وللإعلام دور عظيم…
دور الإعلام: تقديم المساعدة من خلال خط ساخن مزود بأرقام هواتف للوصول إلى مستشارين متخصصين.
التوعية بخطورة الإقدام على هذا الفعل سواء على المجتمع أو الفرد.
إليك أكتب..
تذكر لن تكسرك الحياة، لأن القوة التي ستكتشفها في لحظات الانكسار هي التي ستصنع منك شخصًا أقوى، وإن الخذلان ليس نهاية قصتك، بل هو السطر الذي شطبت فيه على الوهم لتبدأ كتابة الحقيقة.
عندما نفهم أنفسنا يصبح التعامل مع الحياة أسهل.
دع الماضي واستقبل القادم واستبشر الخير، فوجودك منحة من الله لك، وقصتك لم تنتهِ بعد لأنك بطلها.




