ثقافة

المفارقة في قصة «باب السعادة» للقاص طارق الدياسطي.. قراءة نقدية بقلم كرم الصباغ

تقدم قصة باب السعادة تجربةً إنسانيّةً، قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكننا بقليل من التأمل سوف نكتشفُ أنها تجربةٌ دقيقةٌ تقوم على لحظةٍ فارقةٍ في حياة شخصيةٍ مأزومةٍ، تفر من واقعها الخانق الرتيب إلى فضاء الحلم والحب كطوقي نجاةٍ وانعتاق، يتم ذلك من خلال نسيج سردي يعتمد على توظيف الرموز والإيهام و المفارقة.

العنوان ودلالاته:

لغةً جاء العنوان على هيئة تركيبٍ إضافيّ المضاف ” باب” والمضاف إليه ” السعادة” باب قد تعرب مبتدأً والخبر محذوف؛ وهذا يؤدي وظيفة تحفيزية عن طريق إثارة الأسئلة في ذهن المتلقي عن كنه الخبر المحذوف “باب السعادة”، وقد تعرب “باب” خبرُا لمبتدأ محذوف تقديره هذا أيْ هذا باب السعادة؛ وبالتالي تتحول كلمة “باب” إلى مشار إليه، وقد يكون المبتدأ اسما ظاهرا محذوفا تقديره -على سبيل المثال- الحبُّ باب السعادة، وثمة أوجه إعرابية أخرى لإعراب تلك الكلمة، ربما يضيق بها المقام ها هنا، ولكن في كل الأحوال أرى أن الكاتب من خلال عنوان قصته أراد أن يلفت انتباه المتلقي إلى الدلالة المركزية التي يحملها هذا التركيب الإضافي “باب السعادة”؛ فرغم أن العنوان يبدو مألوفًا مستهلكًا، فإنه يحمل في تلك القصة دلالةً رمزيةً مكثفةً تحيلُ إلى أفق نفسي ووجوديّ. فالباب يوحي بالانتقال والعبور، أما السعادة، فحالة مؤجّلة أو مفقودة. ومن ثمَّ يؤسس العنوان منذ البداية للتوتر والصراع الخفي القائم بين الحلم والواقع، والقدرة والعجز، وبين ما يمكننا فتحه، وما نُجبر على أن يظلَّ موصدًا.

القفلة: جاءت القفلة صادمة اتسمت بالمفارقة، وكسرت أفق التوقع، الأمر الذي يحقق الدهشة والمتعة، ويدفع القارئ إلى إعادة تأويل النص من جديد؛ فكل ما روي كان حلمًا، والأحداث لم تحدث سوى في مخيلة الطبيب المأزوم. والقفلة، بجملتها الأخيرة المكثفة حول “باب السعادة”، لا تغلق المعنى بقدر ما تفتحه، والسؤال الذي يُطرح ضمنيًا: هل كان الباب موجودًا فعلًا ولم يُفتح، أم هو مجرد صورة ذهنية لممرٍ مفقودٍ؟ النص يميل من وجهة نظري إلى أن السعادة ليست حدثًا خارجيًا، بل استعدادًا داخليًّا يُعطَّل بفعل التردد. انظر معي إلى قول الكاتب: ” كانت هذه الممرضة النبطشي..
-ألم يكن لكِ في الانتظار قليلًا حتى ينفتح الباب؟!..
-باب!.. أيّ بابٍ يا دكتور؟..
-باب السعادة.

البنية السردية:
تعتمد القصة على بنية دائرية مغلقة حيث البداية التي تكشف عن التردد المزمن، الذي لا يمثل سلوكًا عابرًا، بل علامةً على خلل أعمق في شخصية الطبيب حافظ، يتمثل في عجزه عن الحسم وعجزه عن تحمل تبعات أي اختيار أو قرار يتخذه مهما كان بسيطًا كحضور مؤتمرٍ طبيٍّ، هذا الخلل تسبب في أن يفسد الطبيب حياته برمتها بأن صارت الحياة ذاتها قرارا مؤجلا، وتحولت إلى حياة مملة رتيبة خالية من الحب والبهجة، وهنا يحضرني قول تشيكوف: ” الناس لا يعيشون بل ينتظرون شيئًا ما عملًا حبًّا، وما بين الانتظارات تضيع الحياة”. كما يحضرني قول أبي جعفر المنصور:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة** فإنَّ فساد الرأي أن تتردَّدا

ننتقل بعد ذلك إلى الوسط حين يمثل صعود الطبيب إلى الحافلة بداية التحول الحقيقي في النص؛ فالحافلة تخطت كونها وسيلة انتقال إلى فضاءٍ رمزيّ انتشل الشخصية من واقعها المعتاد، وأدخلها في حالة بينية، بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. جاء هذا الصعود وهذا الانتقال تمهيدًا إلى لحظة هطول المطر بعد استبداد الظمأ والجفاف بروح الطبيب؛ إذ مثل اللقاء المفاجئ بـ “منال السعيد” الحدث المركزي الأول في القصّة، ونلاحظ هنا أن منال السعيد قد اقتحمت السرد اقتحامًا، كما لو كانت ذكرى مكبوتة وجدت طريقها إلى السطح بغتةً، ونلاحظ أيضًا أن الحوار الذي دار بينها وبين الطبيب يعدّ استعادة مكثفة لماض لم يحسم؛ ففي بضع ساعات، تُروى عشرون سنة، لا بتفاصيلها الدقيقة، بل بإحساسها العام: الفقد، الغياب، والأسئلة التي ظلت معلّقة.

هذه السرعة في استرجاع الزمن لا تمثل من وجهة نظري خللًا في البناء، بل جزءًا من منطق البناء ذاته بين طيَّات لا يهتم بتوثيق الماضي بقدر ما يهتم بإحياء أثره النفسي.

ويتورط السرد تدريجيًّا في بناء حالة من السعادة المتصاعدة، سعادة تبدو للوهلة الأولى مستحقة ومؤجّلة في الآن ذاته، لهذا يتعامل الطبيب حافظ مع ما يحدث وكأنه تعويضٌ متأخرٌ عن فرصةٍ ضاعت، ويمنح نفسه حقَّ الانغماس الكامل في هذه اللحظة، لكن اللافت أن هذه السعادة لا تُبنى على أرضٍ صلبةٍ، بل هشّةٍ؛ فهي سعادةٌ لا تقوم على قراراتٍ واضحةٍ أو مستقبلٍ محدّدٍ، بل على انفعالٍ آنيٍّ، أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع.

وتبلغ هذه الحالة ذروتها في مشهد الفندق، حيث يصبح “الباب المشترك” بين الغرفتين علامةً مركزيّةً. الباب هنا ليس مجرد جماد، بل هو حدٌّ فاصلٌ بين احتمالين: أن تتحقق السعادة، أو أن تظل مؤجلة كما كانت دائمًا. ويعيد تردُّد الشّخصيّة في فتح الباب إنتاج تردّده الأول، لكنَّه هذه المرّة أكثر كثافةً وحدّةً، لأنه يتعلق بلحظةٍ حاسمةٍ. الطبيب هنا لا يرفض الفتح، لكنه لا يجرؤ عليه؛ فيبقى معلقًا بين الرغبة والخوف.

في حين تمثل الطرقات الخفيفة على الباب ذروة التوتر في النص؛ فالشخصية لا تحسم موقفها كالعادة، بل تستمع، وتنتظر، ثم تتراجع. هذا يحول التردد المتكرر من مجرد سمةٍ نفسيّةٍ إلى هزيمةٍ واستسلامٍ يلازمان شخصية الطبيب، ولا يرجى الشّفاء منهما.

وأخيرا تأتي النهاية كعقابٍ؛ حيث ينكشف الوهم، ويعود الطبيب إلى الواقع الرتيب الملل المتجسد في المستشفى؛ فتتلاشى عندئذٍ طرقات الباب، ويحل محلّها نداء الممرضة؛ ليكتشف الطبيب أنه لم يغادر المستشفى من الأساس، عندئذ ينهار الفضاء الحلمي، وتُترَك الشخصية في مواجهة واقعها الجاف الصارم.

وتجدر الإشارة إلى أنه ما بين البداية والوسط والنهاية ، يتم الانتقال الخفي السلس بين مستويين: الواقع المتمثل في (الطبيب، والعمل، والمستشفى)، والحلم أو الوهم المتمثلين في (الحافلة، اللقاء، الفندق، الباب المشترك)، و يتم أيضًا رسم الدائرة التي تحمل معنى الحصار النفسيّ.
الشخصيات:

دكتور حافظ سري: شخصية مأزومة نفسيًا، تعيش حالة من القلق والتردد.
يعاني من اغتراب داخلي، يتجلى في تكرار الاعتذار عن الرحلات. يمثل الإنسان الذي أضاع فرصة الحب، فظل أسير الماضي.
منال السعيد: ليست مجرد شخصية واقعية، بل تجسيد للذكرى أو الحلم، يحيلنا حضورها المفاجئ والمكثف، ثم غيابها المفاجئ وتلاشيها الموجع إلى علامة سيميائية قد تُقرأ بوصفها “رمزًا للسعادة الضائعة” أو ” الحلم المبتور”.
المنظم والممرضة: شخصيتان ثانويتان، تربطان الواقع بالوهم، والممرضة تحديدًا تمثل الصدمة الواقعية التي تهدم الحلم.
الزمن والمكان:
الزمن في القصة زمن نفسي أكثر منه خطيّ،

يتداخل فيه الماضي بالحاضر عن طريق تقنتي على التداعي الحر والاسترجاع، أما فيما يخصّ المكان؛ فثمة تدرج مكاني يعكس رحلة نفسية داخلية من التردد إلى الأمل وصولا إلى الانكسار، ومن التردد إلى الحلم وصولا إلى الصدمة والارتداد إلى الواقع. فالحافلة تمثل فضاءً انتقاليا بين حياتين، والفندق يمثل فضاء الحلم والتحقق المؤقت أما المستشفى فتمثل الواقع الصارم.

الراوي: اعتمدت القصة على صوت الراوي العليم، ولكن حدث في موضوعين أن تدخل المؤلف بنفسه ليلفت انتباه المتلقي إلى أن ما رواه الراوي العليم لم يحدث، وهذا ما نطلق عليه التدخل السردي: وهي تقنية سردية يكسر فيها الكاتب “الجدار الرابع”، ويوقف سرد الأحداث؛ ليخاطب القارئ مباشرة، وقد يطلق على هذه الظاهرة ما وراء القص أو ميتافكشن وقد يسمى الكاتب إذا ما أكثر من هذه التدخلات بالراوي المتطفل، يقول الكاتب: ” هذا لم يحدث على الإطلاق.. ويقول “لم يحدث ذلك أيضا”.

اللغة و الحوار والأسلوب:

لغة القصة لغة تقريرية تخلو من الصور البيانية والزينة والزخارف اللفظية؛ وتتسم بالاقتصاد والتكثيف، والاعتماد في الغالب الأعم على الجمل القصيرة أو السرد اللاهث الذي يسرع الإيقاع، الأمر الذي يناسب حالة التوتر التي تعاني منها الشخصية الرئيسة الطبيب ، مثل قوله: “اعتدل في جلسته.. شفط بطنه.. أغلق زرار الجاكت.. خلع النظارة.. أعاد ترتيب ما تبقى من شعر رأسه.. ضبط الجرافت” أما الجمل المتقطعة أو السرد الداخلي فيبطيء الإيقاع مثل قوله: “وبصوتٍ حانٍ: صباح الخير..لم يقولها.. ولكن سمعها عذبة تخرج من شفتيها..دكتورة/ منال السعيد.. هل تذكرني؟؟..
وتجدر الإشارة أيضا إلى أن السرد نجح في الكشف عن أعماق الشخصية الرئيسة حافظ سريّ،
وتجدر الإشارة أيضا إلى وجود هنات لغوية وأخطاء إملائية يجب تصحيحها ومراجعتها.

التقنيات السردية

الترميز: اعتمد الكاتب على الترميز باستخدام مجموعة من العلامات التي أدت وظيفتها الدلالية بنجاح؛ فعلى سبيل المثال الباب يرمز إلى ممر العبور من الأمل إلى الوهم، والحافلة ترمز إلى رحلة الحياة، والمستشفى ترمز إلى الحقيقة القاسية أو الواقع الرتيب،

الإيهام بالواقع:

وثمة تقنية أخرى استخدمها الكاتب في تلك القصة وهي الإيهام بالواقع، الذي يدفع القارئ إلى تصديق الحدث، لكنه يفاجأ بالقفلة الصادمة التي، تكسر أفق التوقع، وتحقق الدهشة والمتعة، وتدفع القارئ إلى إعادة تأويل النص من جديد.

الهروب:

الحلم في تلك القصة يعد ميكانيزم دفاع أو حيلة دفاع نفسي، لجأت إليه الشخصية الرئيسة هروبا من وطأة الواقع الرتيب.
المفارقة: فضلا عن مفارقة القفلة التي أشرت إليها، ثمة مفارقة ثانية تنبني عليها وهي مفارقة؛ فالباب الذي كان يبدو مدخلًا للسعادة يصبح وهمًا وسرابًا، مما يعمّق البعد التراجيدي، ويشي باستمرار المعاناة النفسية للطبيب، الذي من المفترض أن يداوي آلام الأخرين فنجده عاجزا عن التعاطي مع آلام روحه وفي ذلك مفارقة ثالثة.

وثمة مفارقة رابعة هي المفارقة الزمنية المتمثلة في سرد أحداث عشرين عاما مرت في ست ساعات، الأمر الذي يوحي برغبة قوية مكبوتة في استعادة الماضي والحب الضائع والعمر المهدر.

كما أود أن أشير إلى أن القصة في مجملها نجحت في تقديم نموذج لإنسان يعيش على هامش قراراته، ويؤجل لحظاته الحاسمة إلى أن تفلت منه؛ فباب السعادة، لا يبدو مغلقًا تمامًا، لكنه أيضًا لا يُفتح إلا لمن يملك الحسم و الإرادة وجرأة العبور. وهذا ما يجعل النص، رغم بساطة حدثه، عميق الأثر في دلالته.

اقرأ ايضا:

سلوا فجرًا عن العشر.. قصيدة روحانية ترسم ملامح الشوق إلى الحج ومواسم الطاعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى