ذكرى ميلاد علي الكسار.. أسرار صناعة النجومية
عندما يأتي الحديث عن الفنان علي الكسار في ذكرى ميلاده، تتكرر في معظم التقارير الصحفية حكايات المنافسة مع نجيب الريحاني، أو نجاح شخصية “عثمان عبد الباسط”، أو نهايته الحزينة. لكن هناك زاوية أخرى تستحق التوقف أمامها، وهي أن الكسار لم يكن مجرد ممثل كوميدي، بل كان واحدًا من أوائل الفنانين الذين نجحوا في صناعة هوية شعبية كاملة داخل المسرح المصري، قبل أن تعرف الدراما مفهوم “البراند الفني” أو الشخصية التي تتحول إلى ظاهرة اجتماعية.
ولد علي الكسار في 13 يوليو 1887 بحي السيدة زينب في القاهرة لأسرة من أصول نوبية، ونشأ وسط الأحياء الشعبية التي أصبحت لاحقًا مصدرًا رئيسيًا لشخصياته المسرحية، وهو ما منح أعماله قدرًا كبيرًا من الصدق والواقعية، وجعل الجمهور يرى نفسه على خشبة المسرح قبل أن يراه على شاشة السينما.
عثمان عبد الباسط.. أكثر من شخصية كوميدية
اعتاد كثيرون النظر إلى شخصية عثمان عبد الباسط باعتبارها مجرد شخصية ساخرة تحقق الضحك، بينما كانت في حقيقتها مشروعًا فنيًا متكاملًا.
فقد قدم الكسار من خلالها نموذجًا للمواطن البسيط الذي يواجه تناقضات المجتمع بخفة ظل وذكاء فطري، وهو ما جعل الشخصية قريبة من الجمهور لعقود طويلة، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية المصرية.
والمثير أن الكسار حافظ على ملامح الشخصية في المسرح والسينما معًا، وهو ما يمكن اعتباره أحد أوائل أشكال بناء الهوية الفنية الثابتة في تاريخ الفن العربي، قبل أن يصبح هذا الأسلوب شائعًا لدى نجوم الأجيال اللاحقة.
سبق عصره في فهم الجمهور
لم يعتمد علي الكسار على الارتجال وحده، كما يعتقد البعض، بل كان يمتلك فهمًا دقيقًا لذوق الجمهور، ويعرف كيف يوازن بين الضحك والرسالة الاجتماعية.
فمعظم عروضه المسرحية ناقشت قضايا مثل الفقر، والطبقية، والبيروقراطية، والتغيرات الاجتماعية، لكنها قدمتها في قالب كوميدي بسيط، وهو ما جعل الجمهور يضحك ويفكر في الوقت نفسه.
هذه المعادلة أصبحت فيما بعد أحد أهم أسرار نجاح الكوميديا المصرية، لكن الكسار كان من أوائل من طبقها على المسرح التجاري.
المسرح أولًا.. ثم جاءت السينما
رغم أن السينما خلدت اسم علي الكسار من خلال أفلام مثل “سلفني 3 جنيه” و**”علي بابا والأربعين حرامي”** و**”نور الدين والبحارة الثلاثة”**، فإن تأثيره الحقيقي بدأ على خشبة المسرح.
فقد أسس فرقته المسرحية التي نافست كبار الفرق في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وقدم عشرات العروض التي حققت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، وأسهمت في ترسيخ المسرح الكوميدي كأحد أهم أشكال الترفيه والثقافة في مصر.
لماذا تراجع نجمه؟
بعيدًا عن الرواية الشائعة التي تربط تراجع علي الكسار بظهور جيل جديد من الفنانين، يرى عدد من الباحثين في تاريخ المسرح أن السبب الأهم كان تغير الذوق العام بعد الحرب العالمية الثانية، واتجاه الجمهور إلى أنماط مختلفة من الكوميديا والسينما.
كما أن انتقال الفن من المسرح إلى الشاشة الكبيرة فرض أدوات جديدة لم يواكبها كثير من نجوم المسرح في ذلك الوقت، وهو ما انعكس على حجم الأدوار التي قدمها الكسار في سنواته الأخيرة.
ورغم ذلك، ظل حضوره الفني مؤثرًا، واستمر اسمه ضمن قائمة رواد الكوميديا المصرية الذين أسسوا لمدرسة فنية تركت بصمتها على أجيال متعاقبة.
إرث لا يقاس بعدد الأفلام
قد لا يكون علي الكسار صاحب أكبر رصيد سينمائي مقارنة ببعض معاصريه، لكن قيمته الحقيقية تكمن في أنه نجح في تحويل الشخصية الشعبية إلى رمز ثقافي، وجعل الكوميديا وسيلة لطرح قضايا المجتمع بلغة يفهمها الجميع.
واليوم، وبعد أكثر من قرن على بداية رحلته الفنية، لا يزال تأثيره حاضرًا في أساليب الأداء الكوميدي، وفي فكرة بناء شخصية قريبة من الناس، تعيش في وجدان الجمهور حتى بعد غياب صاحبها بسنوات طويلة.
في ذكرى ميلاده.. قراءة جديدة لمسيرته
في ذكرى ميلاد علي الكسار، ربما يكون من الإنصاف إعادة قراءة تجربته بعيدًا عن القصص المتداولة، والنظر إليه باعتباره فنانًا سبق عصره في فهم الجمهور، وصناعة الشخصية الشعبية، وتقديم الكوميديا بوصفها أداة للتنوير قبل أن تكون وسيلة للترفيه.
فقد ترك الكسار مدرسة فنية متكاملة، تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الأعمال، بل بقدرة الفنان على البقاء في ذاكرة الناس، وأن يتحول إلى جزء من تاريخ الثقافة المصرية.





