بليغ حمدي.. «حب إيه» البداية السرية لحكايته مع أم كلثوم

في السابع من أكتوبر عام 1931، وُلد بليغ حمدي مرسي في حي شبرا بالقاهرة، لكن حكاية الرجل الذي سيصبح واحدًا من أهم صناع الموسيقى العربية لم تبدأ من خشبة مسرح ولا من حفلة كبيرة، وإنما بدأت مبكرًا جدًا مع عود صغير وطفل وجد نفسه مشدودًا إلى الموسيقى قبل أن يعرف أنها ستصبح قدره.

أتقن بليغ العزف على العود وهو في التاسعة من عمره، وحاول في الثانية عشرة الالتحاق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، قبل أن يقوده شغفه لاحقًا إلى دراسة الموسيقى بصورة أكاديمية بالتوازي مع دراسة الحقوق.

لكن إذا أردنا أن نعرف بليغ بعيدًا عن السيرة التقليدية، فالأفضل ألا نبدأ من طفولته ولا من قائمة ألحانه، وإنما من تلك اللحظة التي جلس فيها أمام أم كلثوم، وأمسك العود، وبدأ يعزف «حب إيه».

«حب إيه».. اللحظة التي فتحت باب أم كلثوم مع بليغ حمدي

وخلال حواره الطويل مع مجلة «الموعد» عام 1993، روى بليغ حمدي بنفسه تفاصيل اللقاء الأول الذي جمعه بأم كلثوم، ذهب إلى بيتها وهو يعتقد أن الحديث سيدور حول تلحين بعض الأغنيات لإبراهيم خالد، ابن شقيقتها، ولم يكن يتوقع أن يتحول اللقاء إلى واحدة من أهم اللحظات في حياته الفنية.

وقال بليغ إن أم كلثوم، بعد أن تحدثا في شأن إبراهيم خالد، التفتت إليه وقالت له: «ما تيجي نسلطن شوية»، ثم أعطته العود وطلبت منه أن يسمعها ما كان قد قاله في اليوم السابق.

بدأ بليغ في عزف مذهب «حب إيه»، فسألته أم كلثوم: «كلام مين ده؟»، فأخبرها أنه لشاعر صديق له اسمه عبدالوهاب محمد، يعمل مهندسًا في شركة «شل»، وعندما اكتشفت أنه لا يحفظ بقية الكلمات، طلبت منه أن يتصل بالشاعر، فجاء عبدالوهاب محمد إلى منزلها، وقرأ لها بقية الأغنية، وبعد أن استمعت إليها قالت لبليغ إن عليه أن يعمل عليها، لكن في هدوء ومن دون أن يعرف أحد بالأمر.

هنا تحديدًا بدأت الحكاية التي ستغير شكل الأغنية العربية، لم تكن «حب إيه» مجرد تعاون جديد بين ملحن شاب وأم كلثوم، وإنما كانت إعلانًا عن دخول بليغ إلى منطقة العمالقة من أوسع أبوابها.

محمد فوزي.. الرجل الذي مهّد الطريق

وفي الحكاية نفسها التي رواها بليغ في «الموعد»، يظهر اسم محمد فوزي باعتباره واحدًا من أهم الأسماء التي ساعدت في فتح الطريق أمامه. فبليغ لم يصعد فجأة إلى قمة المشهد، وإنما كان يتحرك وسط شبكة من الفنانين الذين أدرك بعضهم مبكرًا قيمة موهبته.

وتؤكد المصادر التي تناولت بداياته أن علاقته بمحمد فوزي كانت من المحطات المهمة في مسيرته، وأن شركة «مصر فون» التي امتلكها فوزي أتاحت لبليغ مساحة للعمل مع كبار المطربين، وبعد سنوات قليلة أصبح اسم بليغ نفسه واحدًا من الأسماء التي تبحث عنها أكبر الأصوات في العالم العربي.

أم كلثوم.. لم تكن مجرد مطربة في حياة بليغ

وفي لقائه مع ليلى الأطرش عام 1993 ضمن برنامج «على ضفاف النيل»، عاد بليغ للحديث عن أم كلثوم، ولم تكن العلاقة بالنسبة إليه مجرد عدد من الأغنيات الناجحة، تحدث عن طريقة عملها، وعن تفاصيل في شخصيتها الفنية، ومنها إصرارها على المقدمة الموسيقية الطويلة في «ألف ليلة وليلة»، والتي ربطها بليغ بحاجتها إلى تجاوز رهبة البداية قبل الدخول إلى الغناء.

وكانت تجربة بليغ مع أم كلثوم واحدة من أهم علامات التحول في الأغنية العربية، إذ استطاع أن يدخل إلى عالمها من دون أن يفقد شخصيته، وأن يقدم لها ألحانًا تحمل روح العصر وفي الوقت نفسه تحتفظ بقوة صوتها وشخصيتها.

«أسمهان».. الأمنية التي لم يلحق بها

وفي حواره مع «الموعد» عام 1993، لم يتحدث بليغ فقط عن المطربين الذين عمل معهم، بل كشف أيضًا عن اسم فنانة كان يتمنى أن يلحن لها، وقال بوضوح إنه كان يتمنى التلحين لأسمهان، لكنه للأسف لم يلحق بها.

الجملة تبدو بسيطة، لكنها تكشف ذائقة بليغ الفنية؛ فالرجل الذي تعاون مع أم كلثوم وعبدالحليم ووردة ونجاة وشادية ومحمد رشدي وغيرهم، ظل يرى في أسمهان صوتًا كان يمكن أن يمنحه مساحة مختلفة تمامًا لو أن الزمن جمعهما.

بليغ ووردة.. الحب الذي خرج من اللحن إلى الحياة

وخلال حواره مع «الموعد» نفسه، تحدث بليغ عن ألحانه التي كانت من وحي حبه لوردة، وذكر تحديدًا «العيون السود» و«بلاش تفارق» و«حاول تفتكرني»، وهنا تصبح الموسيقى أقرب إلى سيرة عاطفية، لأن بليغ لم يكن يفصل تمامًا بين إحساسه بالحياة وما يضعه في ألحانه.

أما قصة الزواج نفسها، فتشير الوثائق الصحفية التي نشرتها «الأهرام» إلى أن عقد الزواج تم في مارس 1973، وكانت وردة آنذاك في الثانية والثلاثين وبليغ في الحادية والأربعين، ولم يكن زواجهما مجرد حدث اجتماعي في الوسط الفني، بل كان امتدادًا لعلاقة حب وشراكة فنية أنتجت عددًا كبيرًا من الأعمال.

وردة كانت تعرف أن بليغ مختلف

وفي شهادة وردة التي أعادت الصحافة نشرها مؤخرًا، تظهر تفاصيل صغيرة تكشف جانبًا إنسانيًا من شخصية بليغ، فقد روت أنه كان يرسل لها الورد كل يوم طوال سنوات زواجهما، في الوقت الذي كانت فيه شخصيته العفوية غير المنظمة تصطدم أحيانًا بطبيعتها الأكثر تنظيمًا واهتمامًا بالحياة العملية.

وهذا الاختلاف ربما كان أحد مفاتيح قصة الحب نفسها؛ بليغ كان يعيش للموسيقى، بينما كانت وردة ترى أيضًا تفاصيل الحياة اليومية والاستقرار والمال والمستقبل. ولذلك لم يكن الانفصال نهاية للحكاية الفنية، إذ استمرت العلاقة الموسيقية بينهما بعد الطلاق، وعادا إلى التعاون في أعمال جديدة.

«العيون السود».. حين تكلم بليغ عن حبه بالموسيقى

وفي الروايات التي تناولت قصة بليغ ووردة، ارتبطت «العيون السود» بقصة عودتها إلى الفن وعودة العلاقة بينهما، والأهم أن الأغنية سبقت زواجهما، فكانت الموسيقى هنا تسبق الحياة نفسها، وكأن بليغ كان يكتب شيئًا عن قصة لم تصل بعد إلى نهايتها.

ثم جاء «بودعك» في نهاية المسيرة الفنية بينهما تقريبًا، لتصبح الأغنية واحدة من آخر العلامات التي جمعت صوت وردة بلحن بليغ، وكأن العلاقة التي بدأت بالحب والموسيقى انتهت أيضًا من خلالهما.

عبدالحليم.. الخلاف الذي لم يهزم الصداقة

ولم تكن علاقة بليغ بزملائه دائمًا سهلة أو خالية من الخلافات، فقد مر بعلاقات فنية شديدة التعقيد، وكان عبدالحليم حافظ واحدًا من الأسماء التي جمعت بينهما الصداقة والعمل، كما عرفت العلاقة مراحل من سوء الفهم والخلاف قبل أن تعود إلى الهدوء.

لكن بليغ ظل واحدًا من الملحنين الأساسيين في مسيرة عبدالحليم، وكانت «تخونوه» من أوائل ألحانه له عام 1957، لتبدأ بينهما رحلة طويلة في الأغنية المصرية. وتؤكد المصادر الفنية أن بليغ أصبح لاحقًا أحد أهم الأسماء التي ارتبطت بمشروع عبدالحليم الفني.

محرم فؤاد.. «بليغ حتة مني»

وفي شهادة نادرة لمحرم فؤاد، ظهرت العلاقة الإنسانية بين الرجلين بصورة أكثر وضوحًا، قال محرم إن بليغ كان بالنسبة إليه «أكثر من أخ»، وإنهما تربيا معًا وعاشا سنوات الصبا والكفاح والنجاح جنبًا إلى جنب.

وتحدث محرم عن ألحان بليغ باعتبارها قريبة منه إلى درجة أنه كان يشعر أثناء غنائها بأنه يغني لنفسه، ووصف بليغ بأنه ملحن حاضر الخيال لا يخاصمه الوحي. وهي شهادة مهمة لأنها تأتي من مطرب عاش معه بليغ البدايات قبل أن يتحول إلى واحد من أشهر ملحني عصره.

من أرسين لوبين إلى نجيب محفوظ.. الرجل الذي كان يقرأ خارج الموسيقى

وفي حواره مع «الموعد» عام 1993، ترك بليغ صورة أخرى لنفسه بعيدًا عن العود والاستديوهات، تحدث عن هواياته وقال إن من بينها المشي، ومشاهدة الفجر، وقيادة السيارات، والسفر، والقراءة المتنوعة.

والأكثر إثارة أنه قال إنه لو لم يكن ملحنًا لتحول إلى ناقد فني أو كاتب قصصي، وأضاف أن أسلوبه في الكتابة ليس سيئًا، أما قراءاته فكانت تمتد من مغامرات أرسين لوبين إلى أعمال نجيب محفوظ.

وهذه التفاصيل الصغيرة تفسر جانبًا من عالم بليغ؛ فهو لم يكن محبوسًا داخل الموسيقى، وإنما كان يراقب الحياة ويقرأ عنها ويجربها، ثم يعود إليها من خلال اللحن.

بليغ لم يكن يحب مواعيد الحياة الثابتة

وفي الحوار نفسه، وصف بليغ نفسه بأنه إنسان مزاجي، وقال إنه لا يحب أن يتناول إفطاره في ساعة محددة ولا أن ينام في ساعة محددة. وكان ذلك المزاج جزءًا من طبيعته، حتى إن الموسيقى كانت أحيانًا تفرض إيقاعها الخاص على حياته.

وعندما تحدث عن الاستماع إلى ألحانه، كشف عن عادة مهمة؛ فهو لم يكن يسمع العمل باعتباره صاحبَه فقط، بل كان يبحث عن النواقص فيه حتى يتجنبها في الأعمال المقبلة، وهذه ربما واحدة من أهم مفاتيح شخصيته الفنية: النجاح بالنسبة إليه لم يكن سببًا للتوقف عن النقد، وإنما سببًا للبحث عن خطأ جديد يمكن إصلاحه.

أحمد عدوية.. الأذن التي لم تبحث عن الصوت التقليدي

وفي حواره مع ليلى الأطرش، ظهر جانب آخر من ذائقة بليغ، حين تحدث عن أحمد عدوية بإعجاب، بوصفه صاحب صوت وشخصية مختلفين.

وهذا الاهتمام لم يكن بعيدًا عن مشروع بليغ الموسيقي نفسه؛ فقد كان من الملحنين الذين استطاعوا أن يقتربوا من الروح الشعبية المصرية ويضعوها داخل الأغنية الحديثة، وهو ما جعله يتعامل مع أصوات مختلفة ولا يحصر نفسه في القالب الطربي التقليدي.

عفاف راضي.. بليغ كان يرى الموهبة قبل الشهرة

ولم تتوقف علاقته بالأصوات الكبيرة، بل امتدت إلى اكتشاف مواهب جديدة وتقديمها، وتذكر المصادر أن عفاف راضي كانت من الأصوات التي ارتبط اسمها ببليغ، إلى جانب أسماء أخرى في أجيال لاحقة، كما كان له دور في تقديم علي الحجار إلى الساحة الغنائية.

وهذا الجانب مهم في شخصية بليغ؛ لأنه لم يكن يبحث فقط عن المطرب الذي يضمن له النجاح، وإنما كان يستمتع باكتشاف الصوت المختلف وصناعة تجربة جديدة معه.

حين تحولت المحنة إلى موسيقى

ثم جاءت واحدة من أقسى محطات حياته، وهي الأزمة المرتبطة بقضية سميرة مليان، التي تركت أثرًا بالغًا في حياته ودفعته إلى مغادرة مصر لسنوات.

وفي حواره مع ليلى الأطرش ببرنامج «على ضفاف النيل» عام 1993، سُئل بليغ عما إذا كان الظلم الذي تعرض له قد أوحى إليه بلحن أو عمل. وكانت إجابته شديدة الدلالة؛ قال إن بداخله أشياء كثيرة لم يقلها بعد، وإنه كان يحتاج إلى تلك الفترة حتى تتحول هذه الأشياء إلى موسيقى.

لم يتحدث بليغ هنا عن المحنة كحكاية صحفية، وإنما كشيء دخل إلى أعماقه وانتظر أن يخرج في صورة موسيقى. وربما لهذا تبدو شهادته واحدة من أكثر لحظاته الإنسانية صدقًا؛ فالفنان الذي عاش القسوة لم يكن يبحث فقط عن تبرئة اسمه، بل كان يبحث عما يمكن أن يصنعه من الألم.

باريس.. النهاية التي لم تطفئ الموسيقى

وفي عام 1993، سافر بليغ إلى فرنسا للعلاج بعد معاناته من مرض الكبد، ورحل في باريس يوم 12 سبتمبر من العام نفسه عن عمر ناهز 62 عامًا، قبل أن يعود جثمانه إلى مصر ويُدفن بجوار والدته وفقًا لما تذكره المصادر الصحفية.

رحل بليغ، لكن مشروعه لم يرحل معه. بقيت ألحانه مع أم كلثوم ووردة وعبدالحليم ومحرم فؤاد وشادية ونجاة ومحمد رشدي وعفاف راضي وغيرهم، وبقيت قدرته على الانتقال بين الأغنية العاطفية والوطنية والشعبية والقصيدة والموسيقى الدرامية واحدة من العلامات الفارقة في الموسيقى المصرية.

لماذا تبدأ حكاية بليغ من «حب إيه»؟

لأن «حب إيه» تختصر بليغ أكثر مما يبدو، فيها الجرأة التي جعلته يدخل بيت أم كلثوم، والعفوية التي جعلته يعزف أمامها ما في رأسه، والثقة التي جعلته يطلب من عبدالوهاب محمد أن يأتي فورًا، والقدرة على تحويل الكلمات إلى حالة موسيقية.

ثم إن «حب إيه» كانت مجرد البداية. بعدها جاءت أم كلثوم ووردة وعبدالحليم ومحرم فؤاد وأصوات أخرى، وجاء الحب والزواج والاختلاف والمواعيد المنسية والكتب والفجر والسيارات والسفر، وجاءت المحنة ثم باريس.

وفي النهاية، عندما نستمع إلى «حب إيه» اليوم، لا نسمع أغنية قديمة فقط؛ نسمع لحظة اكتشاف بليغ حمدي لنفسه أمام أم كلثوم، ونسمع بداية طريق طويل انتهى بأن يصبح صاحب هذه النغمة واحدًا من الذين يصعب تخيل تاريخ الأغنية المصرية من دونهم.

بليغ حمدي لم يكن مجرد ملحن صنع أغنيات لنجوم عصره؛ كان رجلًا عاش حياته بالطريقة نفسها التي كان يصنع بها ألحانه: بلا مواعيد ثابتة، وبفضول دائم، وبمزاج لا يعرف السكون، وبإيمان بأن أجمل لحن هو الذي لم يُكتب بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى