في ذكرى رحيله.. محمد مستجاب أخر الحكّائين الكبار الذي حوّل الصعيد إلى أسطورة أدبية

في تاريخ الأدب المصري أسماء صنعت مجدها بالضجيج، وأخرى صنعته بالصمت، ومن الفئة الثانية يبرز اسم الأديب الراحل محمد مستجاب، الذي تمر اليوم ذكرى رحيله، بعدما غادر الدنيا في 26 يونيو 2005، تاركًا وراءه تجربة إبداعية استثنائية لم تكن تشبه أحدًا، ولم ينجح أحد في تقليدها حتى اليوم، فقد استطاع أن يصنع عالمًا أدبيًا كاملًا، يمزج بين الواقع والأسطورة، وبين الفكاهة والوجع، وبين اللغة العربية الفصيحة والموروث الشعبي، حتى أصبح واحدًا من أكثر كتاب جيله تميزًا واختلافًا.

ولد محمد مستجاب عام 1938 في قرية ديروط بمحافظة أسيوط، في بيئة ريفية تركت أثرًا عميقًا في وجدانه، وكانت المصدر الأول لشخصياته وحكاياته، لم يحصل على تعليم جامعي تقليدي، لكنه امتلك ثقافة واسعة كوّنها بالقراءة المستمرة، حتى أصبح من أكثر الأدباء تمكنًا من اللغة العربية وأسرارها.

عمل في عدد من المهن، وكان أهمها مشاركته في مشروع السد العالي بأسوان في ستينيات القرن الماضي، وهي التجربة التي صقلت شخصيته وأمدته بخبرات إنسانية انعكست بوضوح في أعماله الأدبية، وبعدها انتقل للعمل في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وظل فيه حتى تقاعده.

لم يدخل مستجاب عالم الأدب من أبوابه التقليدية، بل اقتحمه بموهبة فطرية لفتت الأنظار منذ نشر أولى قصصه «الوصية الحادية عشرة» في مجلة الهلال أواخر ستينيات القرن الماضي، لتبدأ بعدها رحلته مع القصة القصيرة والرواية والمقال الأدبي، ويصبح اسمه حاضرًا في أبرز المجلات والصحف الثقافية المصرية والعربية.

كان محمد مستجاب يؤمن بأن الأدب الحقيقي لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد خلقه. لذلك لم تكن شخصياته مجرد أشخاص عاديين، وإنما كائنات تمشي على الحد الفاصل بين الحقيقة والأسطورة، ولهذا وُصفت أعماله بأنها تنتمي إلى الواقعية الساخرة الممزوجة بالخيال الشعبي، حتى إن بعض النقاد رأوا أنه صنع عالمًا روائيًا خاصًا لا يشبه إلا نفسه.

وتُعد رواية «من التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ» أشهر أعماله على الإطلاق، وفيها ابتكر شخصية جنوبية أسطورية تحولت إلى رمز أدبي، ونجحت الرواية في أن تحصد جائزة الدولة التشجيعية عام 1984، كما تُرجمت إلى أكثر من لغة، لتفتح الباب أمام القراء خارج مصر لاكتشاف عالم محمد مستجاب الفريد.

أبرز مؤلفاته

ولم تتوقف إبداعاته عند هذه الرواية، بل قدم مجموعات قصصية أصبحت علامات بارزة في الأدب العربي، من بينها «قيام وانهيار آل مستجاب»، و**«الحزن يميل للممازحة»، و«ديروط الشريف»، كما أصدر روايات مثل «إنه الرابع من آل مستجاب» و«اللهو الخفي»، فضلًا عن مقالاته التي جمعها لاحقًا في كتب مثل «نبش الغراب» و«تنميل الدماغ»**، والتي كشفت عن حسه الساخر وقدرته على تحويل التفاصيل اليومية إلى أدب ممتع وعميق في آن واحد.

وكانت اللغة هي البطل الحقيقي في مشروعه الأدبي؛ إذ تعامل معها بحب شديد، وامتلك قدرة نادرة على توظيف مفردات الصعيد واللغة التراثية داخل نص حديث، دون أن يفقده سلاسته أو متعته، حتى أصبح أسلوبه علامة فارقة يعرفها القارئ من السطر الأول. وقد أشار عدد من النقاد إلى أن مستجاب كان شديد الولع بتأمل الكلمات وتصحيحها والبحث في دلالاتها، وهو ما انعكس على جماليات نصوصه.

ورغم مكانته الكبيرة، لم يكن محمد مستجاب من هواة الأضواء. عاش بعيدًا عن الصخب، مفضلًا أن تتحدث أعماله عنه. ومع ذلك، كان حاضرًا بقوة في الوسط الثقافي، وكتب لسنوات طويلة زاوية «واحة العربي» في مجلة العربي الكويتية، كما نشر مقالاته في عدد من الصحف والمجلات العربية، لتصل كتاباته إلى جمهور واسع خارج مصر.

وحصد مستجاب خلال مسيرته عددًا من الجوائز المهمة، من بينها جائزة الدولة التشجيعية في الآداب، ووسام الفنون والآداب من الطبقة الأولى، كما نال جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب عن مجموعته «قيام وانهيار آل مستجاب»، قبل أن يحصل بعد رحيله على جائزة الدولة التقديرية في الآداب تقديرًا لإسهامه الكبير في الثقافة المصرية.

ولم يقتصر حضوره على الكتب، إذ تحولت إحدى قصصه إلى فيلم سينمائي هو «الفاس في الرأس» عام 1992، بطولة ليلى علوي وعزت العلايلي، ليؤكد أن عالمه الإبداعي يمتلك قابلية للانتقال إلى الشاشة دون أن يفقد خصوصيته.

وفي مقالاته الشخصية، كان محمد مستجاب يكشف جانبًا مختلفًا من شخصيته، إذ كتب بسخرية لاذعة عن بداياته، وروى كيف تأثر في شبابه بالمفكر الراحل مصطفى محمود، حتى إنه أرسل إليه اعترافات وقصصًا طريفة أصبحت فيما بعد جزءًا من ذكرياته مع عالم الكتابة، وهي المقالات التي تكشف روحًا مرحة لا تخلو من التأمل والنقد الذاتي.

علاقته بنجيب محفوظ

كان نجيب محفوظ من أكثر المعجبين بموهبة محمد مستجاب، وأشاد أكثر من مرة بلغته المختلفة وقدرته على خلق عالم خاص، كما كان مستجاب من رواد ندوة نجيب محفوظ الأسبوعية، التي جمعت كبار كتاب مصر.

وماذا قال يوسف إدريس عنه؟

كان يوسف إدريس يرى أن محمد مستجاب صاحب موهبة استثنائية، وأنه يمتلك قدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى أدب رفيع، كما اعتبره واحدًا من أكثر كتاب القصة تميزًا في جيله.

الصعيد كما لم يكتبه أحد

إذا كان يحيى الطاهر عبدالله قد كتب الصعيد شعريًا، فإن محمد مستجاب كتبه أسطوريًا، فالقرية عنده ليست مكانًا فقيرًا فقط، وإنما كون كامل مليء بالحكايات والعجائب والخرافات والشخصيات الغريبة، ولهذا يرى نقاد كثيرون أن أعماله تنتمي إلى ما يعرف عالميًا بـ”الواقعية السحرية”، لكن بروح مصرية خالصة.

رحل محمد مستجاب في 26 يونيو 2005 بعد صراع مع المرض، لكن أعماله بقيت شاهدة على موهبة نادرة استطاعت أن تمنح الأدب المصري صوتًا مختلفًا، وأن تحول القرية المصرية والصعيد إلى فضاء إنساني مفتوح على الأسطورة والخيال والسخرية والحكمة.

واليوم، وبعد سنوات من رحيل محمد مستجاب ، ما زال اسمه حاضرًا بين كبار المبدعين الذين كتبوا أدبًا لا يرتبط بزمن، بل يزداد بريقًا كلما أعيدت قراءته، فقد كان محمد مستجاب واحدًا من أولئك الكتّاب الذين لم يسعوا إلى الشهرة، لكنها جاءت إليهم من باب الإبداع الخالص، فبقيت أعماله حية، وبقي هو أحد أهم الأصوات التي أثرت المكتبة العربية وأكدت أن الأدب العظيم لا يقاس بعدد الكتب، بل بقدرته على البقاء في ذاكرة الأجيال.

اقرأ ايضا:

في ذكرى رحيله.. رؤوف عباس حامد.. المؤرخ الذي أعاد كتابة التاريخ من قلب الناس لا من قصور السلاطين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى