كف مريم.. حين تهزم الإرادة المرض

قصة قصيرة بقلم: عبير حسني محمود

كانت تحاول أن تستجمع الكلمات من مكامن عقلها، وأن تنشر الأمن في مدينتها الخائفة، لكنها لم تستطع أن تطلق ساقيها نحو الحياة. حقائب الوهم أحكمت أقفالها دون أن تسمح لأملها الأخير بالدخول إليها. صلّت صلاة التائبين، وجفّت دموعها، لكن اليقين عاندها.

جمعت تمائم الأجداد، وهرولت تعلقها على أشجار شاخصة، بعدما تملصت منها رقاب الآمال الوليدة، غادرت عيادة الطبيب وكأنها منشقة عن وعيها. كان الطبيب يتأمل نتائج فحوصاتها الأخيرة قبل أن يقول بهدوء:
«أنتِ مؤمنة وقوية.»

قاطعته بضيق:
«متى أبدأ العلاج الكيميائي؟»

أجابها:
«بعد يومين… نراكِ أيتها المقاتلة.»

قالت وهي تبتسم بسخرية:
«سأكون هنا في الموعد… إن تمهل بي القدر. اسمح لي الآن أن أعد أسلحتي المعتادة.»

ابتسم الطبيب متفهمًا اضطرابها الذي فضحه تهكمها الواضح.

لا تعرف كيف تمكنت من قيادة سيارتها إلى خارج البلدة. كانت أشباح رمادية تترصدها وتحاول أسرها، بينما ابتسامة ابنها الصغير كانت تقاومها بشجاعة، وهو يحاول الإمساك بيدها. لكنها، ولأول مرة، لم تستطع أن تمنحه كفها.

هل ستسلم يدها لذلك المرض المتربص؟

بدت مستسلمة. صحيح أنها خاضت معركة مشابهة منذ سنوات، لكنها الآن تشعر بالوهن. أسلحتها أصبحت عتيقة، وقوتها خارت، أما المرض فقد جاء هذه المرة أكثر غرورًا وأشد بطشًا.

رن هاتفها.

كان زوجها.

قال:
«ماذا أخبرك الطبيب؟»

تمنت لو كان بجوارها، لو ذهب معها بنفسه، لو أخفى عنها حقيقة الوحش الذي يحاول التهامها مبكرًا.

ضحكت ساخرة وقالت:
«الحمد لله… سأبدأ القتال قريبًا، فلا تقلق. أنجز عملك وعد إلينا، أنا وولدك بحاجة إليك.»

انتهت المكالمة بعدما وعدها، كالعادة، بمحاولة العودة من الغربة في أقرب فرصة.

لم تدرِ كيف قادتها الطريق إلى ضاحية هادئة، حيث منزل صغير من طابق واحد يختبئ بين شجيرات التين.

سمعت صوتًا ينادي:
«مريم…»

ظهرت فتاة تهرول حاملة سلة من الجريد، فاتبعَتها بنظراتها حتى وصلت إلى فناء واسع.

كان هناك شاب يجلس أمام آلة بدائية لصناعة الفخار، تتحرك يداه فوق الطين بحرفية نادرة، فيحول الكتل الصامتة إلى تحف تكاد تنطق بالجمال.

لم ينتبه لوجودها.

كانت أصابعه وحدها تتحدث.

انتشلها صوت الفتاة من شرودها:
«بماذا أساعدكِ يا سيدتي؟»

سألتها:
«ماذا تصنعون؟»

قالت:
«الفخار… نصنعه من الطين.»

تأملتها قليلًا ثم سألت:
«أنتِ مريم؟»

ابتسمت الفتاة بدهشة:
«وكيف عرفتِ اسمي؟»

وقبل أن تجيب، تدخل الشاب بلطف:
«هل تودين مشاهدة أعمالنا؟»

دخلت معها إلى خيمة صغيرة، فإذا بأرفف مليئة بقطع فخارية مدهشة، لم تكن مجرد أوانٍ شعبية، بل أعمالًا فنية تحمل روح أصحابها.

ناولتها مريم إحدى القطع، فأعجبت بها، ثم أخذت تشرح لها استخدامات باقي الأواني.

كانت الفتاة تمتلك نظرة متحدية، مليئة بالحياة، تخترق بها شتاتها الداخلي.

تساءلت في نفسها:
كيف استطاعت هذه الفتاة، وسط هذا الفقر، أن تحتفظ بكل هذا الأمل؟

عندها انتبهت إلى امرأة عجوز تلف جسدها بعباءة سوداء، تجلس بصمت تراقب الشاب وهو يعمل.

قالت مريم:
«هذه جدتي… وهذا أخي.»

ثم تابعت وهي تحمل عنها الفخاريات:
«أخي أصيب بمرض نادر أقعده عن الحركة، لكنه يصر على العمل. أما والدي فقد توفي، ولحقت به أمي منذ عامين. ترك أخي الجامعة ليعيلنا، وأنا أساعده نهارًا، وأدرس ليلًا في المدرسة الزراعية، لأن حلمي أن أزرع الورود وأصدرها يومًا ما.»

وقفت البطلة أمام سيارتها تحمل مشترياتها.

مدت مريم يدها الصغيرة مودعة.

صافحتها.

وفي تلك اللحظة، شعرت وكأن أسرابًا من الفراشات المضيئة تحلق داخل قلبها.

كانت تلك الكف الصغيرة أكثر دفئًا من كل الأدوية، وأكثر قوة من كل النصائح.

غادرت المكان، بينما بقيت رائحة الطين عالقة بذاكرتها، وبقيت ابتسامة مريم تلاحقها في الطريق.

استقبلتها المدينة الصاخبة من جديد، لكنها هذه المرة لم تكن المرأة نفسها.

أغلقت باب غرفتها، فإذا بشعاع نور يتسلل من إحدى الفخاريات، فيرسم على الجدار طيف قمر ينتظر قرارها.

عندها فقط، حملت ما تبقى من شجاعتها، وغادرت وادي الخوف، وصعدت نحو جبل الطمأنينة.

أمسكت هاتفها واتصلت بالطبيب.

قالت بثبات:
«سأحضر غدًا… في الموعد المحدد.»

وأغلقت الهاتف، بينما خُيل إليها أن ابتسامة مريم ما زالت ترتسم فوق الفخار، تمد إليها كفًا جديدة… كفًا تعلّمها أن الحياة تستحق أن تُعاش، مهما اشتدت المعارك.

الكلمات المفتاحية

 

وصف الميتا

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى