من الهجرة النبوية إلى نصر أكتوبر.. حين اجتمع الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله

كتب: حسين عبد العزيز

تأتي ذكرى السادس من أكتوبر كل عام حاملة معها واحدة من أهم صفحات التاريخ المصري والعربي الحديث، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا أوسع للتأمل في معنى النصر نفسه: هل يتحقق بالإيمان وحده؟ أم بالقدرة على تحويل الإيمان إلى عمل، والتوكل إلى تخطيط، والرغبة إلى استعداد؟

ومن هنا تبدو المقارنة بين السادس من أكتوبر والهجرة النبوية جديرة بالتأمل؛ ليس لأن الحدثين متشابهان في ظروفهما أو أهدافهما، وإنما لأن كليهما يقدم درسًا واضحًا في الأخذ بالأسباب، وحسن التخطيط، واختيار الرفيق، ثم التوكل على الله بعد استنفاد أسباب العمل.

ففي الهجرة النبوية لم يكن الطريق إلى المدينة رحلة عشوائية، وإنما سبقتها ترتيبات دقيقة، واختيار للوقت والطريق، وتدبير للموارد والمعلومات، والاستعانة بمن يملكون أدوارًا محددة في الرحلة. وفي النهاية كان التوكل على الله هو المعنى الذي يحيط بكل هذه الأسباب ولا يلغيها.

وهنا يمكن أن ننتقل إلى حرب أكتوبر؛ فقد كان النصر ثمرة سنوات طويلة من إعادة بناء القوات المسلحة، وحرب الاستنزاف، ودراسة قدرات العدو، والتدريب، والخداع الاستراتيجي، والتخطيط الدقيق لعملية العبور.

أكتوبر.. نصر لم يبدأ في السادس من أكتوبر

لم تبدأ قصة العبور ظهر السادس من أكتوبر 1973، وإنما سبقتها سنوات من العمل الشاق بعد نكسة يونيو 1967.

فقد خاضت القوات المسلحة المصرية حرب الاستنزاف، وأعادت بناء قدراتها، ووضعت خططًا متعددة للعبور، حتى استقرت القيادة المصرية على خطة واقعية تتناسب مع الإمكانات المتاحة، وكان من أهم أهدافها عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف وإنشاء رؤوس كباري شرق القناة.

وتشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن خطة العبور اعتمدت على تدمير خط بارليف، وفتح الثغرات في الساتر الترابي باستخدام المياه، ثم إقامة الكباري وتشغيل المعديات لتأمين انتقال القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية. (الهيئة العامة للاستعلامات⁠)

وهكذا لم يكن النصر وليد لحظة واحدة، وإنما نتيجة إعداد طويل سبق لحظة الصفر بسنوات.

خط بارليف.. الساتر الذي بدا مستحيلًا

أقام الجيش الإسرائيلي على الضفة الشرقية لقناة السويس ساترًا ترابيًا ضخمًا، بلغ ارتفاعه في بعض المناطق نحو 20 مترًا، وأقيمت خلفه وعلى امتداده تحصينات ومواقع دفاعية محصنة.

ووفقًا للهيئة العامة للاستعلامات، تكون خط بارليف من 35 حصنًا، تفاوتت المسافات بينها وفقًا لطبيعة المناطق وأهميتها، وأحيطت المواقع بالألغام والأسلاك الشائكة، وزُودت بوسائل اتصال وذخائر ومؤن تسمح لها بالصمود لفترة من الزمن.

وكان التحدي الأكبر أمام القوات المصرية هو كيفية اختراق هذا الساتر وفتح ممرات تسمح بعبور القوات والمعدات.

وهنا جاءت واحدة من أشهر الأفكار الهندسية في حرب أكتوبر: استخدام المياه ذات الضغط العالي لفتح ثغرات في الساتر الترابي بدلًا من اللجوء إلى عمليات تفجير واسعة تستغرق وقتًا أطول وتكلف خسائر أكبر.

وقد وثقت وزارة الدفاع المصرية مشهد المهندسين العسكريين وهم يفتحون الثغرات في الساتر باستخدام خراطيم المياه، باعتباره أحد الحلول الهندسية التي ساهمت في نجاح عملية العبور.

حكاية مواسير النابالم.. واحدة من أخطر العقبات

من أكثر الحكايات تداولًا عن التحصينات الإسرائيلية على القناة قصة شبكة المواسير التي قيل إنها أُعدت لاستخدام النابالم في محاولة منع القوات المصرية من العبور.

ولهذا السبب كانت مهمة التعامل مع هذه المنظومة جزءًا من الاستعدادات الخاصة بعملية العبور، وترد في الروايات العسكرية شهادات عن دور عناصر من القوات الخاصة والضفادع البشرية في التعامل مع فتحات ومخارج هذه المنظومة.

لكن المهم هنا ألا تتحول القصة إلى رواية أسطورية منفصلة عن وقائع الحرب؛ فنجاح العبور لم يعتمد على تعطيل مواسير النابالم وحدها، وإنما على منظومة كاملة من التخطيط والهجوم المدفعي والجوي والعبور الهندسي وتقدم المشاة وإسقاط التحصينات.

وهذه النقطة تحديدًا تكشف فلسفة أكتوبر: لا توجد معركة تُحسم بفكرة واحدة، وإنما بمجموعة أفكار وخطط تعمل في اللحظة المناسبة وبالتنسيق الكامل.

الثانية وخمس دقائق.. لحظة تغير التاريخ

في الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر السادس من أكتوبر بدأت الضربة الجوية المصرية، بالتزامن مع التمهيد النيراني والمدفعي لعبور القوات قناة السويس.

وتشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى انطلاق أكثر من 220 طائرة لضرب أهداف محددة في سيناء، بينما بدأ في الوقت نفسه تمهيد نيراني كثيف، واستخدمت القوات نحو ألف قارب اقتحام و1500 سلم لتسلق الساتر الترابي.

وخلال الساعات الأولى تمكنت القوات المصرية من فتح عشرات الممرات في الساتر الترابي، وإقامة الكباري وتشغيل المعديات، لتبدأ عملية نقل القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية.

وهنا تظهر قيمة التخطيط مرة أخرى؛ فالقوات التي عبرت لم تكن تتحرك في فراغ، وإنما كانت تعمل وفق منظومة محددة: طيران يضرب، ومدفعية تمهد، ومشاة تعبر، ومهندسون يفتحون الثغرات، ووحدات تعمل على إنشاء الكباري والممرات.

لم يكن العبور بطولة فردية

من الأخطاء التي قد يقع فيها السرد التاريخي أن يختزل النصر في اسم واحد أو سلاح واحد أو بطولة واحدة.

لكن حرب أكتوبر كانت، في حقيقتها، عملًا جماعيًا واسعًا.

كان هناك الجندي الذي عبر القناة، والمهندس الذي فتح الثغرة، وقائد الوحدة الذي نفذ مهمته، والطبيب، وسائق المعدية، ورجل الإشارة، وأطقم المدفعية، وأفراد القوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي، وكل شخص أدى دوره في اللحظة التي احتاجت فيها المعركة إلى دوره.

ولهذا فإن أحد أهم دروس أكتوبر هو أن العمل العظيم لا يصنعه فرد منفرد، وإنما تصنعه منظومة يعرف كل عنصر فيها مهمته ويؤديها في الوقت المحدد.

من الهجرة إلى أكتوبر.. درس واحد: اعمل ثم توكل

وهنا نعود إلى الهجرة النبوية، لم يكن التوكل في الهجرة بديلًا عن التخطيط، كما أن الإيمان لم يكن دعوة إلى ترك الأسباب.

كان هناك إعداد للطريق، واختيار للرفيق، وترتيب للمعلومات، وتدبير للحركة، ثم توكل على الله.

وفي أكتوبر تكرر المعنى بصورة مختلفة؛ سنوات من الإعداد والتدريب، ودراسة العدو، ووضع الخطط، والتدريب على نماذج من التحصينات، وإعداد وسائل العبور، ثم جاءت ساعة التنفيذ.

ولذلك فإن الدرس الذي يمكن أن يبقى من التجربتين هو أن التوكل الحقيقي لا يعني أن تجلس وتنتظر النتيجة، وإنما أن تفعل ما تستطيع، وتستنفد أسباب النجاح، ثم تضع ثقتك في الله.

ست ساعات صنعت فارقًا في التاريخ

خلال الساعات الأولى من الحرب تحققت للقوات المصرية أهداف عسكرية كبيرة؛ فقد عبرت قناة السويس، واقتحمت تحصينات خط بارليف، وثبتت مواقعها شرق القناة، وبدأت عملية إنشاء رؤوس الكباري.

وتصف المصادر الرسمية هذه الساعات بأنها شهدت نجاحًا استثنائيًا في تنفيذ عملية العبور، مع فتح 60 ممرًا في الساتر الترابي وإنشاء وتشغيل الكباري والمعديات خلال الساعات الأولى. (الهيئة العامة للاستعلامات⁠)

لكن الأهم من الأرقام أن هذه الساعات حطمت فكرة كانت قد ترسخت بعد عام 1967 عن استحالة عبور قناة السويس واقتحام التحصينات الإسرائيلية.

وهنا لم يكن الانتصار مجرد تقدم عسكري على الأرض، بل كان أيضًا استعادة للثقة والقدرة على الفعل.

أكتوبر.. حين يصبح النصر ذاكرة ومسؤولية

تظل حرب أكتوبر واحدة من أكثر اللحظات حضورًا في الذاكرة المصرية؛ ليس فقط لأنها شهدت عبور قناة السويس واسترداد جزء من الأرض، وإنما لأنها أثبتت أن الهزيمة ليست قدرًا دائمًا، وأن الجيوش والشعوب تستطيع أن تعيد بناء نفسها حين تمتلك الإرادة والعلم والتخطيط.

والاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة للصور والأغاني والذكريات، وإنما فرصة لاستعادة فلسفة النصر نفسها:

أن نؤمن، ونخطط، ونتعلم، ونعمل، ونتعاون، ثم نتوكل على الله.

فذلك هو الدرس الذي يجعل أكتوبر حاضرًا في المستقبل، لا مجرد ذكرى في الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى