رحيل جابر البلتاجي.. آخر نغمات «الباريتون» الذي علّم أجيال الأوبرا وصنع أثرًا لا يغيب

غابت واحدة من الأصوات المهمة في تاريخ الغناء الأوبرالي المصري، برحيل الفنان والأستاذ الأكاديمي الدكتور جابر البلتاجي، أحد أبرز أصوات الباريتون في مصر، وأستاذ الغناء الأوبرالي بأكاديمية الفنون، بعد مسيرة فنية وأكاديمية امتدت لأكثر من خمسة عقود، جمع خلالها بين الوقوف على خشبة المسرح وصناعة أجيال جديدة من دارسي ومغني الأوبرا.

وأعلنت الفنانة نادية مصطفى خبر رحيله يوم الأحد 4 أكتوبر 2026، قبل أن تتوالى بيانات النعي من نقابة المهن الموسيقية وأكاديمية الفنون ووزارة الثقافة، وسط حالة من الحزن في الوسط الفني والأكاديمي.

موعد جنازة جابر البلتاجي ومكان الدفن

أعلنت الفنانة نادية مصطفى أن صلاة الجنازة على جثمان جابر البلتاجي ستقام عقب صلاة العصر يوم الأحد 4 أكتوبر 2026 من مسجد السيدة نفيسة، على أن يكون العزاء في المقابر.

وأكدت أكاديمية الفنون أن جثمان الراحل سيوارى الثرى في مدافن القوات المسلحة.

أما عن سبب الوفاة، فلم تعلن الأسرة أو الجهات الرسمية التي تم نعت الراحل سببًا محددًا للوفاة، ولذلك لا يمكن الجزم بما تردد في بعض التقارير عن تعرضه لالتهاب رئوي باعتباره سببًا مؤكدًا.

نادية مصطفى: فقدنا فنانًا وأستاذًا قديرًا

جاء أول إعلان واسع عن رحيل جابر البلتاجي من خلال الفنانة نادية مصطفى، عضو مجلس نقابة المهن الموسيقية، التي كتبت عبر صفحتها على «فيسبوك» نعيًا باسمها وباسم النقابة.

وقالت في نعيها إن النقابة تنعى «الفنان الكبير والأستاذ القدير د. جابر البلتاجي»، ووصفت الراحل بأنه مغني الأوبرا المصري صاحب الصوت الباريتون المميز وأستاذ الغناء الأوبرالي بأكاديمية الفنون، قبل أن تدعو له بالرحمة ولأسرته وطلابه ومحبيه والأسرة الفنية بالصبر والسلوان. كما أعلنت موعد صلاة الجنازة والعزاء.

ولم يكن نعي نادية مصطفى مجرد إعلان لخبر الوفاة، وإنما حمل إشارة واضحة إلى الوجه الآخر في تجربة البلتاجي؛ فالرجل لم يكن مطرب أوبرا فحسب، وإنما كان أستاذًا ترك وراءه أجيالًا من الدارسين.

نقابة المهن الموسيقية: مصر فقدت قامة فنية وأكاديمية

ونعى الفنان مصطفى كامل، نقيب المهن الموسيقية، جابر البلتاجي باسم النقابة ومجلس إدارتها وجموع الموسيقيين.

وجاء في نعي النقابة أن مصر فقدت «الفنان الكبير والأستاذ القدير» جابر البلتاجي، مغني الأوبرا المصري وأستاذ الغناء الأوبرالي بأكاديمية الفنون، مع الدعاء له بالرحمة ولأسرته وطلابه ومحبيه والأسرة الفنية بالصبر والسلوان.

وزير الثقافة: أفنى عمره في خدمة الفن

ومن جانبه، نعى الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، الفنان الراحل، مؤكدًا أن مصر فقدت أحد رموز الغناء الأوبرالي وقامة فنية وأكاديمية كبيرة.

وقال قنصوة إن البلتاجي أفنى عمره في خدمة الفن وساهم في إعداد أجيال من الفنانين، معتبرًا أن الراحل جمع بين الموهبة والعلم والعطاء، وأن أثره سيظل حاضرًا في تلاميذه وفي ذاكرة الفن المصري.

أكاديمية الفنون تودع «فارس الأوبرا»

وجاء نعي أكاديمية الفنون ليكشف حجم الحضور الذي تركه البلتاجي داخل المؤسسة الأكاديمية.

ونعت الدكتورة نبيلة حسن، رئيس أكاديمية الفنون، الفنان والأستاذ الأكاديمي، مشيرة إلى أن مسيرته امتدت لأكثر من خمسة عقود، وأنه كان واحدًا من أبرز أصوات الباريتون في مصر ومن رواد الفنون الموسيقية الذين جمعوا بين التميز الفني والعطاء الأكاديمي.

وأشارت الأكاديمية إلى مشاركاته في محافل ومسارح دولية، وحصوله على تكريمات من بينها وسام فارس من إيطاليا وميدالية فيردي، فضلًا عن إسهامه في إعداد أجيال متعاقبة من المبدعين الذين تتلمذوا على يديه.

من هو جابر البلتاجي؟

ينتمي جابر البلتاجي إلى جيل ارتبط اسمه بمراحل مهمة من تطور الغناء الأوبرالي في مصر. واشتهر بصوته من طبقة الباريتون، وهي طبقة صوتية تقع بين التينور والباص، واستطاع أن يجمع طوال مشواره بين الأداء الفني والتدريس الأكاديمي.

حصل على درجة الدكتوراه في الفنون، تخصص الغناء، وعمل أستاذًا متفرغًا بالمعهد العالي للكونسرفتوار التابع لأكاديمية الفنون، كما تولى رئاسة قسم الغناء بالمعهد، وأسهم في تدريب أجيال من المتخصصين في الغناء الأوبرالي.

وبدأ مشواره الفني وتدريبه الأول على يد الفنان والملحن سعد عبد الوهاب، قبل أن يتفرغ لدراسة الغناء الأوبرالي الكلاسيكي، لتتسع بعد ذلك تجربته بين المسرح والتعليم والتكريمات الدولية.

تكريمات دولية ومسيرة خارج حدود مصر

لم تتوقف مسيرة جابر البلتاجي عند حدود الأوبرا المصرية؛ فقد شارك في محافل ومسارح دولية، وحصل على عدد من التكريمات، من بينها ميدالية فيردي ووسام فارس من إيطاليا، كما ارتبط اسمه بعضوية أوبرا فينيسيا وفق ما أوردته المصادر التي تناولت سيرته.

وفي عام 2019 جرى تكريمه ضمن رموز الفن الأوبرالي خلال الاحتفال بمرور 150 عامًا على افتتاح الأوبرا الخديوية، في تقدير لمسيرة امتدت لعقود داخل عالم الغناء الكلاسيكي.

شاهد على حريق الأوبرا الخديوية

ومن الفصول اللافتة في سيرة جابر البلتاجي ارتباط ذكرياته بتاريخ دار الأوبرا الخديوية القديمة، التي شهدت حريقًا عام 1971 أنهى وجود المبنى التاريخي.

وفي حوار صحفي سابق، تحدث البلتاجي عن ذكرياته مع الأوبرا القديمة وحريقها، وعن علاقته الطويلة بالفن الذي ظل جزءًا أساسيًا من حياته حتى رحيله.

ماذا قالت السوشيال ميديا عن رحيله؟

بعد إعلان الوفاة، تحولت صفحات المؤسسات والشخصيات الفنية إلى مساحات للعزاء، وكان اللافت أن معظم ما نشر حول الراحل ركز على صفته أستاذًا ومربيًا للأجيال بقدر التركيز على كونه مطرب أوبرا.

وتظهر في التغطيات المنشورة إشادات متكررة بمكانته كصاحب مدرسة في التدريب الصوتي، وبالأثر الذي تركه لدى طلابه، بينما ركزت الرسائل الرسمية على اجتماع ثلاث صفات فيه: الفنان، والأستاذ، وصانع الأجيال.

جابر البلتاجي.. حين يصبح الأستاذ أهم من الشهرة

ربما يكون أكثر ما يميز الرحيل أن جابر البلتاجي لم يترك وراءه تسجيلات وعروضًا فنية فقط، وإنما ترك تلاميذ يحملون شيئًا من صوته ومدرسته وخبرته.

وهنا تصبح قيمة الفنان أكبر من عدد الحفلات التي شارك فيها أو الأدوار التي أداها؛ فبعض الفنانين تنتهي مسيرتهم برحيلهم، بينما يبقى أثر آخرين في أصوات الذين علموهم، وفي المسارح التي وقفوا عليها، وفي الذاكرة الأكاديمية التي حفظت أسماءهم.

رحل جابر البلتاجي، لكن صوته لن يختفي تمامًا؛ فالأصوات التي علّمها ستظل تحمل شيئًا من مدرسته، والأجيال التي تخرجت على يديه ستظل شاهدة على مسيرة رجل اختار أن يجمع بين خشبة المسرح وقاعة الدرس، وأن يجعل من الفن علمًا ومن العلم رسالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى