نوبل التي نحب.. نوبل التي نريد

بقلم: أسامة مهران

منذ نجيب محفوظ وأحمد زويل، لم يمر عام على موعد احتفالات التسليم والتسلم لجائزة نوبل إلا ويعلن مثقفونا الحداد، ويقيمون سرادقات العزاء على المستحقين من العرب الجهابذة. أعلنوها وقت أن فاز بها غابرييل غارسيا ماركيز ولم يفز بها يوسف إدريس، وأطلقوا صيحاتهم واحتجاجاتهم على استوكهولم ومن فيها، لأن الجائزة ذهبت للأديبة الشابة الكورية، ولم تذهب لقديسنا الشاعر والمفكر السوري الكبير علي أحمد سعيد، الملقب بـ«أدونيس».

وقبلها بسنوات، وقبل أن توافيه المنية، كررنا الشعائر ذاتها، لأن صاحب «موسم الهجرة إلى الشمال»، الروائي السوداني الفذ الطيب صالح، لم يفز بها في ذلك الوقت وهو ما زال على قيد الحياة. والعالم كله يتذكر الضجة التي أحدثتها مجامع اللغة العربية والجامعات والوسط الثقافي العربي والغربي كذلك، لأن المرشح «المضمون» للجائزة، عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، لم يفز بها أبدًا، رغم ترشحه لها عدة مرات.

وحتى المرة اليتيمة التي ذهبت فيها الجائزة للروائي المصري الفذ نجيب محفوظ، اتهمه مثقفونا بأنه لا يستحقها، وأنها ركعت تحت «أولاد حارتنا»، ولم تقدم فروض الطاعة والولاء لثلاثيته الشهيرة: «بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية».

وهكذا، فإن المثقفين العرب لم يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب، ذلك أن «نوبل» التي يحبونها ليست «نوبل» التي يذوبون فيها عشقًا. فنوبل التي يريدونها هي الكاملة القديسة، والنبيّة المعصومة، والملاك الطاهر الذي لم يمسسه بشر، والعذراء التي لا تلد سوى الأنبياء.

أما نوبل التي يعشقونها، فهي الجائزة التي تمنوها واستعصت عليهم، هي التي توقعوها وذهبت لمن دونهم، ونادوا بها لكنها خذلتهم.

نوبل التي نريد ليست نوبل التي نحب. نوبل التي نريد هي التي تمتلك من حيثيات الوطنية ما لا يزعزع الإيمان بها. فنوبل النجيب محفوظية لم تكن هي نوبل التي نحب، رغم أنها كانت نوبل التي نريد. لم تكن نوبل التي نحب، لأن محفوظًا، في نظر المثقفين، لم يكن وفيًّا لقضيته العربية، ولا إمامًا على الساجدين خلف القضية الفلسطينية.

أما نوبل التي نحب، فكانت في تلك الأثناء حكرًا على أحلام جماهير شعراء المقاومة، وفي مقدمتهم الراحل محمود درويش.

ونوبل التي نريد اليوم غير تلك التي كنا نريد بالأمس. ما نريده اليوم هو أقل القليل، أقل من نوبل بكثير، وأكثر من جوائز الدولة التشجيعية المصرية أو العربية بأقل القليل.

نوبل التي نريد هي التي نتمنى أن تذهب لأي عربي والسلام، ولو كان أدونيس فأهلًا وسهلًا به، أو أحمد عبد المعطي حجازي، يا ريت! ولكن أحلام البسطاء منا قد تذهب لصانع محتوى أو رائد أعمال ناشئ، ويجيد التعامل مع الذكاء الاصطناعي والاحتيال عليه، ليكتب من خلاله قصيدة نثرية معتبرة، أو قصة أو خاطرة سريعة لم تأخذ حقها من التدقيق والتخمّر الدقيق.

نتمنى أن تذهب لأي متحدث بلغة الضاد، رغم أننا ما زلنا نحب ونحلم أن تكون من نصيب سيدنا أدونيس، وما أقلهم عددًا وعدة وعتادًا في زمان اليوم.

نوبل التي نريد أصبحت بعيدة كل البعد عن تلك التي نحب. هيهات وشتان بين جائزتين، إحداهما سنظل نطالب بها لعل وعسى، والأخرى سوف تستقر في وجدانيات أحلامنا دون أي أمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى