مبادرة «بصمات شبابية».. «مدينتنا تستحق» شعار يتحول إلى فعل على أرض الأردن
بقلم: أميرة مهداوي
ليس التطوع مجرد حب للخير، كما قد يظن البعض، بل هو انتماء حقيقي، وإحساس عميق بالمسؤولية، وإرادة لا تعرف التراجع أمام التعب. إنه روح تؤمن بأن الأوطان لا تُبنى بالكلمات وحدها، وأن حب الأرض لا يكتمل إلا بحمايتها وصون جمالها والحفاظ على مقدراتها.
فما الذي يدفع مجموعة من الناس إلى مغادرة بيوتهم وترك راحة العطلة الأسبوعية، وربما التخلي عن فرصة نادرة للاجتماع بأسرهم، ليتوجهوا إلى الغابات والمناطق السياحية في شمال الأردن، حاملين أكياس جمع النفايات وأدوات التنظيف، لا بحثًا عن نزهة أو استراحة، وإنما من أجل أن تبقى الطبيعة جميلة، وأن يجد الزائرون القادمون مكانًا يليق بجمال الوطن؟
إنه الانتماء حين يتحول إلى عمل، والمسؤولية حين تتجاوز حدود الشعارات، والإيمان بأن مدينتنا تستحق منا الكثير.
مع إشراقة كل يوم سبت، تتجدد الحكاية مع مجموعات من المتطوعين المنضوين تحت مظلة مبادرة «بصمات شبابية»، بقيادة مؤسسها السيد خالد الدويك، وهم يتوجهون إلى المواقع السياحية والغابات في شمال الأردن، ضمن حملة تحمل شعارًا بسيطًا في كلماته، عظيمًا في معناه: «مدينتنا تستحق».
هناك، حيث تتجلى روعة الطبيعة التي حبا الله بها الأردن، تبدأ مهمتهم في جمع ما تركه بعض المتنزهين خلفهم من نفايات ومخلفات، في مشهد يكشف الفارق بين من يكتفي بالاستمتاع بجمال المكان، ومن يشعر بأن الحفاظ عليه مسؤولية لا يجوز التنازل عنها.
لا ينتظر هؤلاء المتطوعون أن يطلب منهم أحد التحرك، ولا يشترطون مقابلًا لما يقدمونه؛ فهم ينطلقون بإيمان راسخ بأن من حق كل زائر أن يستمتع بمكان نظيف، وأن من واجب الجميع حماية البيئة من السلوكيات التي تشوه جمالها وتهدد كائناتها الحية.
وما يبعث على الاعتزاز حقًا أن هذه المبادرة تجمع بين فئات عمرية مختلفة؛ شبابًا وفتيات في مقتبل العمر، ورجالًا ونساءً تجاوزوا مراحل عمرية عديدة، لكنهم لم يتجاوزوا يومًا قدرتهم على العطاء. يجتمعون على هدف واحد، وتجمعهم قناعة بأن خدمة الوطن لا ترتبط بعمر، ولا تحتاج إلى منصب، وإنما إلى ضمير حي وإرادة صادقة.
يمضون ساعات في تنظيف المواقع الطبيعية، يرفعون المخلفات عن الأرض، ويعيدون إلى المكان شيئًا من جماله الذي عبثت به أيدي الإهمال. وقد تبدو بعض هذه الأعمال بسيطة في نظر الآخرين، لكنها في حقيقتها حماية للبيئة، وتقليل لمصادر التلوث، وصون للطبيعة وما تضمه من أشجار وكائنات حية.
وفي كل أسبوع، تتجدد البصمة، ويتكرر المشهد، وتثبت المبادرة أن العمل التطوعي ليس نشاطًا عابرًا يرتبط بالحماس المؤقت، بل ثقافة يمكن أن تستمر سنوات حين تجد من يؤمن بها ويمنحها من وقته وجهده وإخلاصه.
وخلف هذا الاستمرار يقف السيد خالد الدويك، مؤسس المبادرة، الذي يقود فريقه بروح تجمع بين المسؤولية والاحتواء، ويمنح المتطوعين دافعًا للاستمرار في أداء رسالتهم. فالقيادة الحقيقية لا تقتصر على توجيه الآخرين، بل تقوم على أن يكون القائد حاضرًا بينهم، مؤمنًا بما يفعلون، وقادرًا على إبقاء جذوة العطاء مشتعلة في نفوسهم.
لكن «بصمات شبابية» لا تختصر رسالتها في تنظيف الغابات والمواقع السياحية؛ فامتداد أنشطتها يكشف عن رؤية أوسع للعمل المجتمعي، تتعدد فيها مجالات الخدمة، وتظل غايتها واحدة: أن يكون للإنسان دور حقيقي في خدمة الإنسان والوطن.
فمن دعم المرضى في مختلف مناطق الأردن، إلى المساهمة في جهود التوعية بمخاطر المخدرات، مرورًا بتكريم المعلمين والخريجين، وصولًا إلى الاهتمام بنادي الستين، تتجلى صور متنوعة للعطاء الذي يستهدف فئات مختلفة من المجتمع، ويؤكد أن العمل التطوعي الحقيقي لا يعرف بابًا واحدًا للخدمة.
ويحمل الاهتمام بنادي الستين دلالة إنسانية تستحق التوقف أمامها؛ فالتقدم في العمر لا يعني انتهاء دور الإنسان، ولا يسلبه قدرته على المشاركة والإنتاج. وعلى العكس، فإن إتاحة الفرصة لكبار السن للمشاركة في الأنشطة المجتمعية تعيد التأكيد على مكانتهم، وتمنح خبراتهم مساحة للتعبير عن نفسها، وتواجه النظرة التي تختزل دورهم في الابتعاد عن الحياة العامة.
إنها رسالة تقول بوضوح إن العطاء لا عمر له، وإن الإنسان يظل قادرًا على أن يمنح مجتمعه الكثير ما دام يجد التقدير والفرصة والدافع.
كما تمتد مساهمات المبادرة إلى المشاركة في تنظيم أنشطة بالتعاون مع مؤسسات رسمية وغير رسمية، في صورة تعكس أهمية الشراكة المجتمعية، وتؤكد أن العمل التطوعي يصبح أكثر قدرة على الوصول والتأثير حين تتكامل الجهود وتتلاقى المبادرات مع المؤسسات.
وما بين حملة تنطلق صباح السبت لتنظيف موقع سياحي، ومبادرة تساند مريضًا، ونشاط يكرّم معلمًا أو خريجًا، وجهد يعيد لكبار السن حضورهم المجتمعي، تتشكل ملامح تجربة عنوانها أن خدمة الوطن لا تقتصر على مجال بعينه، وأن كل جهد صادق يمكن أن يترك أثرًا يستحق أن يُحكى عنه.
إن أجمل ما في «بصمات شبابية» أن أفرادها لا يكتفون برفع شعار «مدينتنا تستحق»، بل يسعون إلى ترجمته على أرض الواقع. فالشعار هنا ليس عبارة تُكتب على لافتة، وإنما التزام يتجدد مع كل حملة، ويد تمتد إلى الأرض لتنظيفها، ووقت يُمنح للآخرين، وجهد يُبذل دون انتظار لمقابل.
ومع ذلك، فإن حماية البيئة تظل مسؤولية لا ينبغي أن يتحملها المتطوعون وحدهم؛ فمهما بذلوا من جهد، يبقى السلوك الواعي للزائر هو خط الدفاع الأول عن نظافة المكان. ومن هنا، فإن الرسالة الأهم التي تحملها هذه الحملات تتجاوز جمع النفايات إلى الدعوة لتغيير ثقافة التعامل مع الطبيعة، وترسيخ قناعة بأن من يستمتع بجمال المكان مسؤول عن الحفاظ عليه.
فليس من المقبول أن يقضي المتطوعون ساعات في إزالة ما تركه الآخرون، ثم يعود الإهمال ليفسد المكان من جديد. المطلوب أن تتحول هذه الجهود إلى وعي عام، وأن يدرك كل متنزه أن ما يحمله معه إلى الموقع يجب أن يعود به، وأن نظافة الغابات والمواقع السياحية ليست مهمة فريق بعينه، بل واجب أخلاقي ومجتمعي يشترك فيه الجميع.
إلى كل فرد في مبادرة «بصمات شبابية»، وإلى السيد خالد الدويك، وإلى كل من شارك بوقته وجهده في هذه المسيرة، نقول: إن بصماتكم لا تترك أثرًا على الأرض فحسب، بل تترك أثرًا في الوعي والوجدان، وتقدم نموذجًا لما يمكن أن يصنعه الإخلاص حين يتحول إلى عمل مستمر.
والتحية موصولة إلى خلود عماد، وإلى جميع أصحاب الأيدي التي تعمل بصمت، وتمنح بلا ضجيج، وتؤمن بأن خدمة الوطن لا تحتاج إلى انتظار مناسبة، ولا إلى تصفيق، بل إلى قلب يعرف قيمة ما يفعل.
بارك الله في جهودكم، وكتب لكم الأجر والقبول، وجعل ما تقدمونه في ميزان حسناتكم. فالأوطان لا يحمي جمالها إلا من أحبها، ولا تصنع مستقبلها إلا سواعد تؤمن بأن لها دورًا في بنائها.
ولأن الأردن يستحق، ولأن مدينتنا تستحق، ستظل كل بصمة صادقة حكاية انتماء، وكل يد تمتد للعطاء شاهدًا على أن الخير لا يزال حاضرًا في الناس، وأن الأوطان تكبر بأبنائها الذين يخدمونها بالفعل قبل القول.



