الناقد أحمد فرحات يكتب: نص واحد
بقلم: أحمد فرحات
عبرت د. أماني فؤاد عن فكرتها في مسألة اختزال الكاتب في نص واحد، في مقالة مهمة بالمصري اليوم، وعدتها –وهي محقة-ظاهرة مثيرة للجدل حيث تشير إلى ميل المتلقين والنقاد والمؤسسات الثقافية إلى ربط شخص المبدع بعمل إبداعي واحد محدد، لماذا نختزل المبدع في نص واحد في الغالب؟
وإلى ذلك أشرت منذ زمن بعيد إلى اختيار قصيدة واحدة للمبدع، وهل تكفي وحدها لتقييم منجز الشاعر كله؟
ويبدو أني أسبح ضد التيار .. فهناك شعراء عاشوا وماتوا ولم نعرف لهم سوى قصيدة واحدة، حتى عرفوا في تاريخ الأدب العربي بأنهم شعراء القصيدة الواحدة، عمرو بن كلثوم مثلا لم يعرف له سوى معلقته الشهيرة:
أَلا هُبّي بِصَحنِكِ فَاَصبَحينا
وَلا تُبقي خُمورَ الأَندَرينا
وفي الحديث عرف شعراء بأنهم أصحاب القصيدة الواحدة، منهم حسن المرواني، صاحب قصيدة أنا وليلى واشطبوا أسماءكم، التي غناها كاظم الساهر، وتبدأ بقوله:
مَاتَتْ بمِحْرَابِ عَيْنَيْكِ ابْتِهَالاتي
وَاسْتَسْلَمَتْ لِرِيَاحِ اليَأْسِ رَايَاتي
وغيرهما من الشعراء الذين لم يعرفوا إلا بقصيدة واحدة، مثل: دوقلة المنبجي، ومالك بن الريب، ابن زريق البغدادي، عبد يغوث الحارثي، المنخل اليشكري، متمم بن نويرة، الصمة القشيري، الأحيمر السعدي. إن وردة واحدة من طراز نادر قد تختزل الربيع كله ليظل عبيرها محمولا مع النسيم على مدى الأزمنة. وليس مطلوبا أن أنقل حديقة زهور بأكملها إلى بيتي لأستمتع بمنظرها وعبيرها. فتكفي باقة زهور واحدة لنقل الغرض نفسه.
وإن قطرة دماء واحدة كفيلة أن نستخرج منها عدة خصائص وأمراض وإحصائيات معينة.
واستنادا إلى ما سبق فإن قصيدة واحدة لشاعر ما قد تعبر عن مجمل منجزه عموما، وتمنح القارئ رؤية كاشفة لمجمل أعماله، وقد انتهجت هذا المنهج في كتاب المنصفات في الشعر العربي من الجاهلية إلى نهاية العصر الأموي، وفيه درست لشعراء جاهليين مغمورين، وكشفت النقاب عنهم، وعن أسمائهم، ومنجزهم، وقد قدمت للقارئ العربي رؤية موجزة للعصر الجاهلي من غير ترديد لأسماء الشعراء المشهورين، معتمدا على النص نفسه في كشف صاحبه، واتجاهه الفني، ومن ثم قدمت أسماء لم تكن معروفة في عصرنا أمثال: عبد الشارق بن عبد العزى، والمُفَضّل النُّكْرِيّ ، وعَوف بن الأحْوَص، وعمرو بن قَمَيئَة، وخِدَاشُ بن زُهَير، والعُدَيل بن الفَرْخ، وامْرُؤ القَيس السكوني، و أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت ، وأوس بن حَجَر، وغيرهم مما ورد في الدراسة.
ولا يعني (شاعر القصيدة الواحدة) أنْ ليس له شعر غيرها؛ بل لأنه اشتهر بها، رغم وجود شعر له غير هذه القصيدة، وقد خصص ابن رشيق القيرواني في العمدة بابا في الشعراء المقلين الذين عرفوا بالقصيدة الواحدة، وذكر منهم: عبدة الفحل، وعدي بن زيد، وطرفة بن العبد وقال: هؤلاء أشعارهم كثيرة في ذاتها، قليلة في أيدي الناس.
وكان من منهجي أن أختار للشاعر أفضل القصائد لديه، وهي التي يختارها الشاعر نفسه عنوانا لديوانه، فعندما يختار الشاعر عنوان قصيدة من قصائد الديوان عنوانا لديوانه فإنه يدل على مكانة هذه القصيدة لديه، أو محلها من وجدانه وشعوره، ولذا كنت أركز على القصيدة التي عنوانها هو عنوان الديوان نفسه.
ويمكننا بقليل من الملاحظة تبيان اتجاه أحمد شوقي-مثلا- الفني في نهج قصائده من أول نص لآخر نص كتبه. وكذلك في أعماله المسرحية فإن نصا مسرحيا واحدا يعبر عن منهجه الفني برمته.
وفي مجال الرواية فإن شخصية كبيرة كنجيب محفوظ يظهر انتماءه للحارة المصرية بكل مكوناتها وحضارتها وثقافتها على عكس شخصية الروائي الكبير محمد عبد الحليم عبد الله الذي رفع من مكانة القرية المصرية في رواياته فكتب غصن الزيتون وشجرة اللبلاب وبعد الغروب والجنة العذراء وغيرها من الأعمال التي تصنف روائيا بروايات القرية. وإن أي تحليل فني لإحدى الشخصيتين لا يخرج عن كون الأول روائي الحارة والآخر روائي القرية.
اقرأ ايضا:



