مقالات

الناقد أحمد فرحات يكتب: مُحال

د. حنان الصناديدي، شاعرة مصرية معاصرة، مقلة في الإنتاج الشعري، لكنها تجيد الشعر إجادة تامة، تخرجت في كلية دار العلوم بالقاهرة، سنة 1995م صدر لها الديوان الأول:  آنست نارا، عن مؤسسة روائع سنة 2016م. وهو ديوان مهم في الشعر المصري المعاصر، فعلى الرغم من أنه الديوان الأول لها فإنه يصنف فنيا بأنه من أجود ما صدر في السنوات المنصرمة، وعلى عين الناقد أن تلقف مثل هذه الأدبيات الراقية بعين الإنصاف وتتولى مسؤوليتها المنوطة بها وترصد رقي العمل الفني بما هو جدير به، فما أنا إلا عين واحدة تنظر في قطعة بلور فترى ما ترى، تاركة للآخر تناول ما يراه أيضا من رؤى وتشكيلات فنية. ولها ديوان تحت الطبع بعنوان: سلام عليك. ومنه هذه القصيدة(محال).      

 

مُحَــــــالٌ!

~~~~

يَقُولُ لِي

وَقَدْ دَنَتْ شُمُوسُنَا مِنَ الْمَغِيبِ:

أَقْبِلِي..

تَعَانَقِي بِحُلْمِيَ الْعَنِيدْ

تَرَفَّقِي بِرِقَّةِ الْحُرُوفِ حِينَمَا

أُطَيِّرُ الرَّسَائِلَ الْمُنَمَّقَهْ

وَحِينَمَا أَبُثُّ وَرْدَةً لَهِيبَ لَهْفَتِي

لِتَعْبُرَ النَّوَافِذَ الْمُسَيَّجَهْ

فَأَوْقِدِي لِفَرْحَةِ الْعَبِيرِ إِذْ رَآكِ

شَمْعَةً تَذُوبْ

وَأَطْفِئِي صَلَاتَهَا

إِنْ ذَكَّرَتْكِ بِالطَّرِيدِ

مِنْ قُصُورِ سِدْرَةِ الْجَمَالْ

لِأَنَّهُ مُحَالْ!

يَقُولُ لِي

وَقَدْ تَحَدَّرَتْ مَدَامِعِي عَلَى الشَّجَرْ

فَأَوْرَقَ الْحُزْنُ الصَّمُوتُ سُنْبُلَهْ

وَحَرَّرَ الرَّبِيعُ فِي السَّمَا بَلَابِلَهْ:

تَبَسَّمِي..

لِيَشْرَبَ الصَّبَاحُ مِنْ نَدَاكِ طَلْعَةَ الشُّمُوسْ

وَأَيْقِظِي الْفَرَاشَ

إِنَّهُ غَفَا بِمُقْلَتَيْكِ هَائِمًا

وَلَيْتَ لِي فَنَاءَهُ الْمَهِيبْ

فِي نَشْوَةِ الطُّيُوبْ

وَمُنْيَةُ الْغَرِيبِ نَظْرةٌ تُنَالْ

يَا ضِنَّةَ الْمُحَالْ!

يَقُولُ لِي:

تَبَتَّلِي قَصِيدَةً بِرَوْعَةِ اللِّقَاءْ

وَعَاوِدِي النِّدَاءْ

وَدَثِّرِي ارْتَجَافَ خَافِقِي النَّبِيْ

وَلَمْلِمِي مِنَ الدُّرُوبِ –رَحْمَةً- تَشَتُّتَ الشَّقِيْ

فَإِنَّنِي أَخَافُ أَنْ أَمُوتَ دُونَ شَرْبَةٍ

مِنْ وَجْهِكِ الصَّبُوحْ

يَا رِحْلَةَ الْحَنِينِ تَسْكُبِينَ عُمْرَنَا الْجَمُوحْ

عَلَى مَدَارِجِ الْخَيَالْ

لِرَبْوَةِ الْمُحَالْ!

يَقُولُ:

يَا جَمِيلَةً تَسْتَوْطِنُ السَّمَاءْ

وَتَخْتَبِي فَي الْأُمْسِيَاتِ خَلْفَ ضِحْكَةِ الْقَمَرْ

وَفِي أَكُفِّ الْمُتْعَبِينَ تَزْرَعُ النُّجُومْ

لِيَقْطِفَ الْأَحِبَّةُ الْغِنَاءْ

وَحِينَمَا أَمُدُّ كَفِّيَ الْمَشُوقَ تَجْفُلِينْ

تُبَعْثِرُ الرِّيَاحُ قَلْعَةَ الرِّمَالْ

يُقَهْقِهُ الْمُحَالْ!

المحال عنوان لافت لنص شائك، المحال بداية كل حنين، ونهاية كل أمنية. المحال إذا تصدر وانتهي به فهو قطبا النص، فالنص محكم دلاليا بالمحال، فمحال العودة والرجوع والسير في طريق معروف نهايتها مسبقا، محال الحب والرغبة والطاعة والتجاوز والتحاور والاستمرار، محال الركوع والخضوع والإذعان والانتماء ..حتى الأمسيات والأمنيات والتحيات ..محال.

بهذه البداية المعبرة عن الرفض والتمرد والإذعان يحمل العنوان دلالة ثقافية عميقة؛ إذ لا يشير فقط إلى استحالة اللقاء العاطفي، بل إلى انسداد الحلم الإنساني عمومًا. حيث يتحول الحب إلى قدر مأساوي قريب من قصص الحب في الزمن البعيد عند قيس بن الملوح لكن بلغة عصرية.

الملاحظ في النص عبارة محورية ارتكزت عليها الشاعرة ارتكازا قويا، فتقول(يقول لي) كفاتحة لكل مقطع من مقاطع القصيدة، باستثناء المقطع الأخير، الذي عبرت عنه بقوله(يقول..) دون إثبات الخصوصية الموجهة إلى المخاطب.

إننا أمام نص درامي عنصراه الأنا والآخر، مع كل التركيز على منح الآخر حرية القول وتوجيهه، فهو يقول لها:

وَقَدْ دَنَتْ شُمُوسُنَا مِنَ الْمَغِيبِ:

أَقْبِلِي..

تصدير الدفقة الشعرية بالغياب، والابتعاد، والفراق الذي طال بعد أن كانا شموسا لا تغيب، فقد أوشكت الآن على المغيب، فهل يجدي التوسل الآن؟

ويتجلى التوسل في إطلاق خمسة أفعال للأمر في المقطع الأول: أقبلي،تعانقي،ترفقي،أوقدي،أطفئي..تقابَل جميعا بكلمة واحدة(محال).

وتبسمي،أيقظي في المقطع الثاني، الذي نهايته أيضا كلمة واحدة(محال). ويعاود التوسل في المقطع الثالث بانتثار عدد من أفعال الأمر أيضا: تبتلي، عاودي، دثري، لملمي..مع النهاية نفسها(محال) ولكن التوسل في المقطع الأخير باستخدام الأمر يتلاشى  مع بداية غير متوقعة منه عندما تقول(يقول) دون (لي). وكأنه هنا يترك التوسل ليعطي مساحة أكبر للاستذكار واستحضار الماضي في صورة المضارع للاستعطاف، فيقف على سبعة أفعال مضارعة: تستوطن،تختبي، تزرع، يقطف، أمد، تبعثر، يقهقه..

وهنا نجد أنفسنا أمام امرأة تسكن السماء، عصية على الامتلاك، كائن رمزي للجمال المطلق. امرأة سماوية تنتمي إلى الفضاء الصوفي الواسع لا إلى امرأة حقيقية يسهل انقيادها، وامتلاكها. وهو منها طريد فردوسها، منفيا، منكسرا، فاقدا لليقين، مع شعور دائم بالحرمان، عاجزا عن بلوغ الخلاص. وهو صورة لمتكلم طريد، غريب، حزين، منكفئ على الماضي، الذي يود استرجاعه!

ويجد لذته وبغيته في الرسائل، الحلم، النداء، لعله يحظى بمتعة الخيال طالما أن الواقع محال. وهي تبقى مصدرا للنور، والخلاص، والجمال، والمعنى، كل المعنى. ولعل ذلك يذكرنا بالنموذج التقليدي القديم لصورة المرأة، فتبدو مطلوبة لا طالبة، مثالا رمزيا للجمال والنور والخلاص، لا الذات المتكلمة الفاعلة. وهذه الصورة رغم تقليديتها فإنها تشف عن حياء أنثوي نادر الوجود.

ولعلنا ننشغل كثيرا بشيء من التدقيق أن مغيب الشموس في بداية النص ليس زمنا وقتيا طبيعيا بقدر ما هو رمز ثقافي لأفول الحلم، ونهاية العمر، وانطفاء الإمكان. كما أن المحال في النص ليس كلمة بل سلطة أعلى من سلطة المتكلم والمخاطب معا، فغدا سلطة رمزية تتحكم في المصير.

ويبدو أن الرجز أضاف للقصيدة نغمة موسيقية محببة، لأنه في الشعر العمودي التقليدي، يُبنى من ست تفعيلات (ثلاث في كل شطر). أما في الشعر الحر، فيتحرر الشاعر من نظام الشطرين ووحدة القافية، ويعتمد على وحدة التفعيلة؛ بحيث يتغير عدد تفعيلات (مستفعلن) من سطر إلى آخر بحسب تدفق المعنى والعاطفة، لتشكل أسطراً متفاوتة الطول.لنتأمل:

يَقُولُ لِي (تفعيلة)

وَقَدْ دَنَتْ شُمُوسُنَا مِنَ الْمَغِيبِ(ثلاث تفعيلات)

أَقْبِلِي..(تفعيلة)

تَعَانَقِي بِحُلْمِيَ الْعَنِيدْ(ثلاث)

تَرَفَّقِي بِرِقَّةِ الْحُرُوفِ حِينَمَا (أربع)مع تغيير في التفعيلة الأخيرة.

أُطَيِّرُ الرَّسَائِلَ الْمُنَمَّقَهْ (ثلاث)

وَحِينَمَا أَبُثُّ وَرْدَةً لَهِيبَ لَهْفَتِي(أربع تفعيلات)

لِتَعْبُرَ النَّوَافِذَ الْمُسَيَّجَهْ(ثلاث)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى