ثقافة

ثرثرة خلف المحراب.. حين يتجول العقل بين الدنيا والآخرة

بقلم: حسن السنونة

في لحظات الانتظار التي تسبق إقامة الصلاة، تتزاحم الخواطر في النفس البشرية، فتنتقل بين شؤون الحياة اليومية وهمومها، وبين محاولات استحضار السكينة والخشوع. وفي هذا النص السردي يرصد الكاتب حسن السنونة حالة إنسانية مألوفة يعيشها كثيرون، حيث تتشابك الأفكار والمشاعر داخل المسجد قبل الصلاة، في لوحة تجمع بين التأمل والنقد الذاتي والمصارحة مع النفس.

ثرثرة خلف المحراب

أنهيت الوضوء بنية الاتجاه للصلاة في المسجد القريب من منزلي، صوت الأذان يتردد في الأفق، السماء تودع النهار بعد أن أزهق الظلام الشمس، النجوم بدأت في التناثر، هبّات الهواء الخفيفة تُرقّص أوراق الشجر، المحلات التجارية بدأت إغلاق أفواهها إجبارياً، أصحابها يجلسون داخلها، أو على مداخلها.

وصلت المسجد، وكعادتي جلست في الصف الثاني، الصف الأول مكتمل، كذلك الثاني، الصف الثالث وصل إلى النصف.

الجالسون في الصف الأمامي بعضهم شباب وحتى أطفال؛ قبل سنوات كان جلوس الشباب فيه يُغضب المسنّين، فكيف بالأطفال ومن لا يطلقون لحاهم ليتلاعب بها الهواء؟!

غريب أنا، إلى الآن أرفض أن أكون في الصف الأمامي رغم وجود من يدعوني لذلك، ووجود المواصفات؛ العمر يقارب الأربعين واللحية تنافس لحية الشيخ.

الشيخ تأخر، ألا يعلم أن هناك من ينتظره للصلاة جماعة؟ إنه شيخ طيب يعيش حياة التقشف، يرفض أخذ الأموال تحت أي مسمى.

الشيخ تأخر، والساعة تقارب السابعة مساءً، المسلسل بدأ الآن، والليلة الحلقة الأخيرة، حيث يتم كشف أمر القاتل وينتصر “مفتاح الجلالي” على أعدائه وتعود له ثروته التي سُرقت، مسلسل رائع.. أستغفرك يا رب.

يا رب أسألك أن يفوز فريق العاصفة على فريق الريح.

يا رب يوافق البنك على منحي قرضاً لمدة خمس سنوات وبفوائد قليلة.

يا رب هذه السنة يشمل النقل الدراسي زوجتي، يكفي عشر سنوات غربة وبهدلة وافتقار جنسي.

الشيخ تأخر..

“تررررن تررررن.. زييييد زيييد..” أصوات “الجوالات” تعزف أنغام الحداثة.

هذا الرجل العجوز الذي يجلس دائماً في الصف الأول، وفي هذا المكان، لا أعلم لماذا لا أرتاح لرؤيته! ولكن: لماذا لا يهتم بنظافة ملابسه وترتيب لحيته؟

مَن بجانبه يقرأ الدعاء بعد الصلاة، صوته ليس جميلاً، ويتعمد الإطالة في الدعاء، رأيته مرة يصرخ على ولده بطريقة إرهابية.

“أعوذ بك يا رب من الشيطان الرجيم”، يا “مراد” ما لك والآخرين؟ المهم القلوب والنيات وليس الشكل واللباس.

الشيخ لم يأتِ بعد..

أمي أوصتني أن أحضر بعض الخبز والحليب واللبن والبيض والطماطم، آه يا طماطم أصبح سعرك ينافس سعر برميل البترول!

هذا الفتى وسيم، شعر أسود وناعم، وخدّان مثل الثلج، “ما شاء الله.. هنيئاً لأبيك بأمك”.

هذا الرجل الذي يجلس خلفي يبدو أنه محرقة دخان، رائحته تجبرك على الالتفات خلفك.

هل أنا مجبر أن أصلي جماعة؟ لماذا لا أصلي في البيت؟ ولكن في المسجد روحانية لا توجد في البيت.

حضر الشيخ.

قامت الصلاة.. قامت الصلاة.

يعكس نص “ثرثرة خلف المحراب” جانباً خفياً من طبيعة الإنسان، حيث تتقاطع الهواجس اليومية مع محاولات التفرغ للعبادة والخشوع. وبين نقد الذات ومراقبة الآخرين، ينجح الكاتب في تصوير رحلة ذهنية سريعة تكشف كيف تتزاحم الأفكار في عقل الإنسان حتى في أكثر اللحظات روحانية وهدوءاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى