الناقد أحمد فرحات يكتب: متعة النص

الناقد أحمد فرحات

الباحة منجم إبداع لا ينضب، منهم محمد الراشدي الذي قدم نصوصا ساخرة تحت عنوان “نكز” يذكرنا بقول ميلان كونديرا “ليس من رواية تستحق اسمها يمكن لها أن تأخذ العالم على محمل الجد” الأمر الذي يجعل هذا الكتاب تحفة أدبية نادرة لا تنتمي إلى جنس أدبي بعينه إنه أهم من ذلك بكثير.

قدم للكتاب د. عبد الله الغذامي الذي راقت له طريقة الراشدي في الكتابة الساخرة . وأبدى إعجابه بالكتاب والكاتب معا، وضحك مع كل نصوصه ضحكا ظريفا أزال عنه هموما كثيرة. فقال: وجدت أنني أمام متعة نصوصية تعيدنا خطفا دون استئذان، ولا هوادة، لمقولة رولان بارت عن لذة النص.

وهكذا دخلت في رحلة مجنونة مع النص ، وحمدت الله أني لم أصحبه معي إلى المقهى، وكنت أنوي ذلك، ولو فعلت لصرت عجبا عجابا بين الناس، حين يرون شيخا كبيرا يكسوه البياض ويتفجر ضحكا. وأخطرها أني لن أتمكن من إطلاق كل طاقتي بالقهقهة والذي حدث أن موعد خروجي للمقهى طاف علي دون أن أدري.

وتغلبت على المتعة مع هذا الكتاب، ونسيت شيئا اسمه النقد . ومن ثم قررت أن أدعو القراء ليمروا بما مررت عليه مع هذا الكتاب الذي لن يسمح لك بأن تنتقده لأنه يحارب نقدك بالبسمة والضحكة، وسيكسو عينك بدمعات الضحك حتى لا ترى بابا من أبواب النقد .

ووصيتي الوحيدة للقارئ هي : لا تقرأ الكتاب وأنت في جلسة (لا تمون) فيها على كل الجالسين من حولك وإلا سيظنون أنك قد فقدت وقارك، وصرت لعبة في يد كتاب. وهذا ما سلمت منه بشفاعة حسنة من الكتاب نفسه حين منعني من الخروج به معي إلى المقهى.

نموذج من هذا الكتاب الساخر: وصحبت الأكاديميين ثلاثا؛ فمذ فارقتهم ولا تكاد تتم لي جملة أنطقها دون أن أحشر فيها “أقصد الجملة” بسبب وبغير سبب؛ ألفاظا مثل : ” قلق الهوية” ، و” أزمة المصطلح” و “سؤال المنهج ” و ” إشكالية التجنيس” !!. وصرت مولعا بابتكار صيغ من القول تشبه عناوين اﻷصدقاء الأكاديميين نحو ” تمتين الهامش وتهميش المتن ” أو” شعرنة السرد وسردنة الشعر “. والسردنة هنا على وزن ” قردنة ” وأفكر جديا أن أنجز بحثا في ” جماليات القردنة” يكون عنوانه ” قردنة الجميل وتجميل المقرود”

وتمادى بي الحال حتى أنني نزلت البارحة ضيفا عند أحد اﻷقارب في الرياض، وعثرت بعتبة بابه عثرة شنيعة، فكان هو يسمي الله، وكنت أردد في نفسي “خطاب العتبات “.

ووقفت صباح اليوم ببائع كبدة يخلط بالكبدة أخلاطا من كل شيء؛ فلما استشارني أن يمزج بالكبدة جبنا زجرته ونهيته عن ذلك تورعا أن أكون بذلك مخالفا لميثاق إعداد الكبدة كما عند “فيليب لوجون” ؛ فنقع بذلك في “فوضى المصطلح ” و” سقوط التخوم ” بين ساندوتش “جبنتين ” و كبدة القريات !
ومن صحب النقاد عامة والأكاديميين منهم على وجه الخصوص؛ عرف أن أزمات الدنيا تنبع من عندهم وتؤول إليهم ، وكل شيء عندهم مشروع أزمة؛ وخذ مثلا من عناوينهم : أزمة المصطلح ، أزمة الهوية ، أزمة السؤال ، أزمة الجنس ” الجنس اﻷدبي طبعا ” . وكلهم بين مأزوم ومأزومة .ولو أني رزقت صلاحا وقيام ليل لجعلت لهم في قنوتي نصيبا وقلت في الدعاء لهم : اللهم فك أزماتهم وأزماتهن! .

فلما علت بنا طائرة الأياب ظننت أني فارقت لوثة أيامي الماضية؛ حتى رأيت سربا من المضيفات اﻵسيويات يخطرن بين مقاعدنا كالظباء متامثلاث في كل شيء فقلت : هذا أجمل ” التناص”، وجعلت أغالب النفس في النظر إلى تثنيهن وما يظهر مما يخفين، وأتذكر قول القائلة :
اليوم يبدو بعضه أو كله
وما بدا منه فلا أحله.

ولحظتها فقط عرفت مراد اللئيم “كمال أبو ديب” من عنوانه الشهير ” جدلية الخفاء والتجلي ” !!. وله أيضا قطعة ساخرة عن المرأة ناقدة فيقول: ثنتان لا تجتمعان في امرأة : جمال الوجه ، والبراعة في النقد ! وأيما جميلة أظهرت في النقد براعة فاتهم أمانتها ، واعلم يقينا أن الناقد سواها وإنما هي ناقلة ، ويقع ذلك كثيرا عند خراف النقاد ، وجرى تبيينه في باب ( الحرفنة في تبيان مصائد النساء والخرفنة ) من كتاب ( نكز ) وعلة أن الجمال والنقد لا يجتمعان في ذات ثديين ، أن النقد مسلكه وعر ، لا تستطيعه الجميلات مع ما يعرف فيهن من رقة الطبع وفرط النعومة وإيثار الدعة ووفرة الغنج ، ولذلك يحدن عنه ، ويتشاغلن بما دونه من سرد القصص ، ونظم اﻷشعار ، وما شاكل ذلك .

وأنضج نقد النساء تكتبه أقبحهن وجها ، وإن المرء لينظر إليهن في بعض اجتماعاتهن فيتذكر بهن ( وإذا الوحوش حشرت !(
والشواعر أجمل أهل اﻷدب من النساء ، لولا ما يكون في أجسادهن من سمنة ظاهرة ، هي مصداق قول اﻷول : ( المعنى في بطن الشاعر)، إلا أن المعاني عند الشواعر تتمطى في سائر أجسادهن ، ولا تدع موضعا ، فإذا أبصرت منهن مقبلة أو مدبرة قلت متعجبا : كيف لهذا الخرتيت أن يكتب بيتا أو شطر بيت ؟!!

وإبداع الشاعرة على قدر سمنها، وعجاف الشواعر يكتبن(قصيدة النثر )، أما سمانهن فيستمسكن بالوزن حتى يفرط بهن الوزن، ويتشبثن بالقافية ، والعروض الوافية ، ويأخذهن بما ينظمن العجب ، فإذا خطت إحداهن بيتين قالت : ( قصيدتي الشافية الكافية ) ، ويستترن خلف غريب اﻷسماء ، فأكثرهن (كبرياء الجرح ) و ( القمر راكبة الهمر ) ، وإن كانت حقيقتها ( الحافية )!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى