في ذكرى رحيله.. الشيخ السيد متولي عبد العال.. “الحنجرة الفولاذية” التي أبكت القلوب وظلت مدرسة خالدة في تلاوة القرآن
تمر اليوم 16 يوليو ذكرى رحيل القارئ الكبير الشيخ السيد متولي عبد العال ، أحد أعلام دولة التلاوة في مصر، وصاحب الصوت الذي ارتبط في أذهان ملايين المسلمين بالخشوع والهيبة وحسن الأداء، بعدما أفنى حياته في خدمة كتاب الله، تاركًا إرثًا من التسجيلات القرآنية التي ما زالت تتردد في المساجد والإذاعات والمنصات الرقمية حتى اليوم.
الشيخ السيد متولي عبد العال من الفدادنة إلى العالمية
وُلد الشيخ السيد متولي عبد العال في 26 أبريل عام 1947 بقرية الفدادنة التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية، وسط أسرة ريفية بسيطة يعمل عائلها بالزراعة، وكان والده يتمنى أن يرزقه الله ولدًا يحمل اسم العائلة ويكون سندًا لشقيقاته، فجاء السيد متولي ليصبح فيما بعد أحد أشهر قراء القرآن الكريم في العالم الإسلامي.
البداية كانت على يد “الشيخة مريم”
من المواقف اللافتة في حياته أن رحلته مع القرآن بدأت على يد الشيخة مريم السيد رزيق، وهي معلمة كفيفة كانت تُحفظ أبناء القرية القرآن الكريم. التحق بالكُتّاب وهو في الخامسة من عمره، ولاحظت معلمته جمال صوته وسرعة حفظه، فاهتمت به حتى أتم حفظ القرآن الكريم كاملًا وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، قبل أن يدرس أحكام التجويد والقراءات على يد عدد من كبار علماء بلدته.
جنيه واحد كان أول أجر
لم يبدأ الشيخ السيد متولي حياته قارئًا مشهورًا، بل كانت بداياته شديدة البساطة؛ إذ كان يتنقل بين قرى الشرقية لإحياء الليالي والمناسبات الدينية، ولم يتجاوز أجره في أوائل الستينيات جنيهًا واحدًا، لكنه لم يكن ينظر إلى التلاوة كمصدر رزق بقدر ما كان يعدها رسالة عمره، ومع مرور السنوات أصبح اسمه مطلوبًا في مختلف المحافظات.
قرأ إلى جوار عمالقة دولة التلاوة
بفضل أدائه المتميز، وقف الشيخ السيد متولي إلى جوار كبار القراء في مصر، من بينهم الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ محمود علي البنا، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد، والشيخ السعيد عبدالصمد الزناتي، والشيخ حمدي الزامل، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانته بين أبرز قراء المدرسة المصرية في التلاوة.
تأخر دخوله الإذاعة.. لكن صوته سبقها إلى العالم
من أبرز المحطات في حياته أنه ظل سنوات طويلة خارج إذاعة القرآن الكريم، رغم شهرته الواسعة داخل مصر وخارجها، حتى تجاوز الخمسين من عمره قبل أن يُعتمد قارئًا بالإذاعة المصرية.
ورغم هذا التأخر، كانت تسجيلاته قد سبقت الإذاعة إلى كثير من الدول العربية والإسلامية، حيث بثت إذاعات في الأردن ودول الخليج وغيرها تلاواته، كما انتشرت تسجيلاته عبر أشرطة الكاسيت، ليصبح اسمه معروفًا لدى ملايين المستمعين.
سفير للقرآن في العالم الإسلامي
لم تقتصر رحلة الشيخ السيد متولي على مصر، بل جاب عددًا كبيرًا من الدول العربية والإسلامية والإفريقية، وأحيا ليالي شهر رمضان في أشهر المساجد، وشارك في مناسبات دينية كبرى، وكان يرى أن أعظم ما ناله في حياته هو محبة الناس وقبولهم لصوته، معتبرًا أن هذا القبول نعمة من الله قبل أن يكون نجاحًا شخصيًا.
لماذا لُقب بـ”الحنجرة الفولاذية”؟
اشتهر الشيخ السيد متولي بلقب “الحنجرة الفولاذية” لما امتلكه من قدرة استثنائية على التحكم في النفس، والتنقل بين المقامات، وقوة الأداء مع الحفاظ على الخشوع وإبراز معاني الآيات، وهي صفات جعلته مدرسة مستقلة في فن التلاوة، وواحدًا من أكثر القراء تأثيرًا في الأجيال الجديدة.
مواقف إنسانية لا يعرفها كثيرون
عرف أبناء قريته الشيخ السيد متولي بدماثة الخلق، وحرصه على صلة الرحم، ومساعدة المحتاجين، كما كان شديد الارتباط بمسقط رأسه، فلم تمنعه شهرته الواسعة من العودة إلى قريته باستمرار والمشاركة في مناسبات أهلها، وظل قريبًا من الناس حتى آخر أيام حياته، وهو ما أكده أهالي الفدادنة وكل من عرفه عن قرب.
آخر أيامه
في السادس عشر من يوليو عام 2015، رحل الشيخ السيد متولي عبد العال عن عمر ناهز 68 عامًا، بعد رحلة طويلة في خدمة القرآن الكريم، وشُيع جثمانه من قريته الفدادنة بمحافظة الشرقية وسط حضور كبير من محبيه وتلاميذه وأهالي المحافظة، الذين ودعوا واحدًا من أبرز الأصوات التي أثرت المكتبة القرآنية المصرية.
إرث لا يغيب
ورغم مرور سنوات على رحيله، لا يزال صوت الشيخ السيد متولي حاضرًا في بيوت المصريين، وفي إذاعات القرآن الكريم، وعلى المنصات الرقمية، باعتباره أحد أعمدة المدرسة المصرية في التلاوة، ونموذجًا للقارئ الذي جمع بين قوة الأداء، وصفاء النبرة، والإخلاص لكتاب الله.
ويبقى اسمه محفورًا في ذاكرة محبي القرآن الكريم، شاهدًا على جيل من القراء الذين حملوا رسالة التلاوة المصرية إلى العالم، وتركوا إرثًا خالدًا لا تبهت قيمته بمرور الزمن.
اقرأ ايضا:
عبدالرضا الديلمي: اقتصاد البحرين متين.. والسوق القديم ذاكرة التجارة البحرينية



