ليس “بابا عبده” فقط.. حسن عابدين المقاتل الذي نجا من الإعدام وصنع مدرسة في الأداء الإنساني
في ذكرى ميلاد الفنان الكبير حسن عابدين، التي توافق 28 يوليو من كل عام، يعود اسمه إلى الواجهة باعتباره أحد أهم نجوم الدراما المصرية الذين ارتبطوا في وجدان الجمهور بصورة الأب الحنون والإنسان البسيط، لكن خلف هذا الوجه المألوف، تختبئ قصة أخرى لم تحظ بالقدر نفسه من الاهتمام؛ قصة شاب حمل السلاح قبل أن يحمل السيناريو، وتطوع في حرب فلسطين عام 1948، وأُسر وكاد يُعدم، قبل أن يكتب له القدر حياة جديدة يصبح خلالها واحدًا من أبرز نجوم الفن المصري.
وفي ذكرى ميلاده، يسلط “صوت الأهلية” الضوء على هذه الصفحة الاستثنائية من حياته، التي صنعت شخصيته الإنسانية قبل أن تصنع نجوميته الفنية.
حسن عابدين
لم يكن الفنان الراحل حسن عابدين مجرد ممثل بارع جسّد شخصية الأب المصري والموظف البسيط، بل سبق نجوميته تاريخ وطني لم يحظَ بالاهتمام الكافي، فقبل دخوله عالم الفن، تطوع في حرب فلسطين عام 1948 ضمن قوات المتطوعين بقيادة البطل الشهيد أحمد عبد العزيز، وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره.
وخلال المعارك وقع في الأسر مع الفنان إبراهيم الشامي، وصدر بحقه حكم بالإعدام، قبل أن يتمكن رفاقه من تحريرهما في واحدة من أكثر المحطات إثارة في حياته، هذه التجربة صنعت جانبًا مختلفًا من شخصية حسن عابدين، إذ انعكس انتماؤه الوطني والتزامه بالقيم على أدواره الفنية لاحقًا، ليصبح نموذجًا للفنان الذي جمع بين البطولة في الميدان والصدق على خشبة المسرح وأمام الكاميرا، وهي زاوية لم تحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام مقارنة بمشواره الفني الحافل.
ورغم أن الجمهور يعرف حسن عابدين باعتباره بطل مسلسلات اجتماعية وإنسانية خالدة، فإن قليلين يعلمون أنه كان من بين الشباب الذين لبوا نداء التطوع للقتال، وهي المرحلة التي شكّلت جانبًا مهمًا من شخصيته، ورسخت داخله معاني الانضباط والصبر والإيمان بالوطن. وقد أعادت تقارير صحفية ووثائق حديثة تسليط الضوء على بطولات القائد أحمد عبدالعزيز ودور المتطوعين الذين قاتلوا معه في تلك الحرب.
تجربة كادت تنهي حياته
خلال مشاركته في حرب فلسطين، وقع حسن عابدين في الأسر، وصدر بحقه حكم بالإعدام، كما تعرض الفنان إبراهيم الشامي للمصير نفسه، قبل أن يتمكن رفاقهما من تحريرهما، لتتحول تلك اللحظة إلى نقطة فارقة في حياته. ربما لهذا السبب كان حسن عابدين، طوال مشواره، أكثر ميلًا إلى الشخصيات التي تحمل معاني التضحية والصبر والكرامة، وكأنه كان يستدعي شيئًا من تجربته الشخصية في كل أداء.
هذه الصفحة من حياته لم تنل ما تستحقه من اهتمام، رغم أنها تكشف أن الفنان الذي أحبته الأسر المصرية كان في الأصل مقاتلًا عاش الموت وجهًا لوجه قبل أن يقف أمام الكاميرا.
من المسرح العسكري إلى نجومية الشاشة
بعد انتهاء خدمته العسكرية، بدأ حسن عابدين خطواته الأولى من خلال المسرح العسكري، وهو المكان الذي صقل موهبته ومنحه خبرة الوقوف أمام الجمهور. ثم انتقل تدريجيًا إلى المسرح الاحترافي، ليشارك في أعمال أصبحت علامات بارزة، منها عش المجانين وعلى الرصيف مع الفنانة سهير البابلي.
ولم يقتصر حضوره على المسرح، بل امتد إلى السينما والإذاعة والتليفزيون، حتى أصبح في الثمانينيات واحدًا من أكثر الممثلين حضورًا وتأثيرًا.
لم يعتمد حسن عابدين على البطولة المطلقة أو الأدوار الاستعراضية، وإنما صنع مكانته من خلال الصدق والبساطة. كان قادرًا على إقناع المشاهد بأنه الأب الحقيقي أو الموظف البسيط أو الرجل المكافح، دون مبالغة أو افتعال.
ولهذا السبب بقيت شخصياته قريبة من الناس حتى بعد مرور عقود على رحيله، وأصبحت أعماله تُعرض باستمرار باعتبارها جزءًا من ذاكرة الدراما المصرية.
“أهلا بالسكان”.. العمل الذي خلّده
رغم عشرات الأعمال التي شارك فيها، يبقى مسلسل “أهلا بالسكان” أحد أهم محطات مشواره، إذ استطاع من خلاله تقديم نموذج للأب المصري البسيط الذي يواجه أزمات الحياة بحكمة وهدوء، وهو الدور الذي رسخ صورته لدى الجمهور.
كما برع في السهرات التليفزيونية، والبرامج الإذاعية، ومنها “مش معقول” و**”عجبي”** من تأليف الكاتب الراحل يوسف عوف، حيث أثبت قدرته على الأداء الصوتي بنفس البراعة التي قدمها أمام الكاميرا.
مدرسة خاصة في التمثيل
لم يكن حسن عابدين يعتمد على الانفعال أو الصراخ، بل كان يؤمن بأن التعبير الحقيقي يخرج من نظرة العين ونبرة الصوت وتفاصيل الأداء الصغيرة، ولذلك اعتبره كثير من النقاد نموذجًا للممثل الذي يخدم الشخصية ولا يسعى إلى سرقة الأضواء.
هذه المدرسة جعلت حضوره مستمرًا حتى اليوم، وأصبح مرجعًا للممثلين الشباب الذين يبحثون عن الأداء الطبيعي بعيدًا عن المبالغة.
رحيل مبكر… وإرث لا يرحل
وقدم الفنان حسن عابدين خلال مشواره الفني عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرح والسينما والإذاعة والتليفزيون، إلا أن حضوره الأكبر كان في الدراما التلفزيونية، حيث استطاع أن يترك بصمة خاصة بأدائه الصادق وشخصياته القريبة من الأسرة المصرية. ومن أبرز أعماله مسلسل “أهلاً بالسكان” الذي يعد من أشهر محطاته الفنية، إلى جانب مشاركته في مسلسلات “محمد رسول الله” و”الشهد والدموع” “رحلة السيد أبو العلا البشري، والمال والبنون الذي كان من آخر أعماله قبل رحيله.
وعلى خشبة المسرح، تألق في عروض بارزة مثل “عش المجانين” و”على الرصيف” مع الفنانة سهير البابلي، كما شارك في عدد من الأفلام السينمائية التي جسد فيها شخصيات الأب والموظف والرجل البسيط. ولم يقتصر عطاؤه على التمثيل المرئي، بل حقق نجاحًا كبيرًا في الإذاعة من خلال برامج شهيرة مثل “مش معقول” و”عجبي” من تأليف الكاتب يوسف عوف، ليؤكد موهبته في مختلف أشكال الأداء الفني، ويظل واحدًا من أبرز نجوم جيله الذين تركوا إرثًا فنيًا ما زال حاضرًا في ذاكرة المشاهدين.
وفي الخامس من نوفمبر عام 1989، رحل حسن عابدين عن عمر ناهز 58 عامًا، لكن حضوره الفني لم يتوقف. فما زالت أعماله تُعرض، وما زال الجمهور يتعامل معها باعتبارها جزءًا من الزمن الجميل.
وربما تبقى الزاوية الأكثر إنصافًا في قراءة سيرته، أنه لم يكن مجرد ممثل ناجح، بل كان رجلًا عاش تجربة الحرب، وذاق مرارة الأسر، ونجا من الإعدام، ثم عاد ليقدم للفن المصري واحدًا من أنقى وأصدق النماذج الإنسانية على الشاشة، لتصبح حياته نفسها قصة تستحق أن تُروى بقدر ما تستحق أعماله أن تُشاهد.




