إبراهيم عبدالمجيد.. في حضرة المدينة والسرد
بقلم: عبدالله السلايمة
حين نتأمل تجربة إبراهيم عبد المجيد، يصعب أن نحدد نقطة واحدة يمكن أن نبدأ منها، هل نبدأ من الإسكندرية التي ظلت حاضرة في كثير من أعماله، أم من القاهرة التي احتضنت جانبًا مهمًا من تجربته؟ هل نبدأ من المكان، أم من الإنسان الذي يسكنه، أم من الذاكرة التي تعيد تشكيله بعد أن يغادره؟
ربما لا تبدأ الحكاية من واحد من هذه العناصر منفردًا؛ لأن تجربة عبد المجيد تقوم في جوهرها على تداخلها. المكان عنده ليس مجرد جغرافيا، والذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، والتاريخ ليس مجرد وقائع، وإنما تتحول جميعها إلى مادة لاكتشاف الإنسان.
وهنا، في تقديري، تكمن إحدى أهم خصوصيات تجربته: أنه لا يكتب المكان كما يبدو، وإنما كما يستقر في الوجدان بعد أن يمر به الزمن.
المكان الذي يتجاوز الجغرافيا.
منذ بداياته، ظل المكان عنصرًا أساسيًا في عالم إبراهيم عبد المجيد، لكن الإسكندرية تحديدًا تبدو في تجربته أكثر من مدينة؛ إنها ذاكرة.
مدينة البحر والميناء، والأحياء الشعبية، والمهاجرين، والطبقات الاجتماعية المختلفة، والحب والفقد، والحرب والسلام، مدينة تحمل طبقات من التاريخ، لكنها في الوقت نفسه تعيش حاضرها المتغير.
في ثلاثيته: «لا أحد ينام في الإسكندرية»، و«طيور العنبر»، و«الإسكندرية في غيمة»، لا تقف المدينة خلف الشخصيات لتكون مجرد خلفية للأحداث، وإنما تدخل في تكوينها، وتؤثر في مصائرها، وتتحول إلى شخصية تكاد تنافس الشخصيات البشرية حضورًا.
وهذه ليست مسألة جمالية فقط؛ فحين تصبح المدينة جزءًا من بنية الرواية، فإن اختفاء ملامحها أو تغيرها يصبح بدوره حدثًا إنسانيًا. وهنا يتحول الحنين عند عبد المجيد من مجرد شوق إلى الماضي إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث للإنسان حين يتغير المكان الذي كان يعرف نفسه من خلاله؟
أهمية المكان في تجربة إبراهيم عبد المجيد لا تعني أنه روائي الإسكندرية فقط. فالقاهرة وغيرها من الأمكنة تظهر في أعماله بوصفها فضاءات لاختبار الإنسان، وليس مجرد مواقع تتحرك فيها الشخصيات. إنه يتعامل مع المكان باعتباره حاملًا للذاكرة، ولذلك فإن الشارع والبيت والمقهى والميناء ليست تفاصيل محايدة، وإنما تحمل آثار الذين مروا بها.
وعندما يستعيد الكاتب هذه التفاصيل، فهو لا يقوم بعملية توثيق للمكان بالمعنى المباشر، وإنما يعيد بناءه سرديًا. ولهذا يمكن القول إن عبد المجيد لا يحفظ المدن في رواياته كما تحفظ الخرائط الأماكن؛ بل يحفظها كما تحفظ الذاكرة الوجوه والأصوات والروائح. وقد يكون هذا أحد أسباب بقاء الأمكنة التي يكتبها حاضرة في ذهن القارئ حتى بعد الانتهاء من الرواية.
لكن المكان، مهما بلغت أهميته، لا يكتسب قيمته في تجربة عبد المجيد إلا من خلال الإنسان. فشخصياته في الغالب ليست شخصيات بطولية بالمعنى التقليدي، وإنما بشر عاديون، يحملون نقاط ضعفهم وترددهم وخوفهم ورغباتهم: صياد، وموظف، وامرأة، وأشخاص يقفون على هامش التاريخ الرسمي، لكنهم يعيشون تاريخهم الخاص.
وهنا يبدو إبراهيم عبد المجيد قريبًا من الإنسان أكثر من قربه من الفكرة. لا يدخل إلى الشخصية لكي يثبت من خلالها موقفًا جاهزًا، وإنما يتركها تتحرك داخل ظروفها، وتختار، وتتردد، وتخطئ، وتدفع ثمن اختياراتها.
وهذا ما يمنح شخصياته شيئًا من الاستقلال عن الكاتب. إنها لا تبدو وكأنها جاءت إلى الرواية لتقول ما يريد المؤلف قوله، بل جاءت لتعيش. وهذه نقطة فنية مهمة؛ لأن الرواية تفقد جزءًا كبيرًا من حيويتها حين تتحول الشخصيات إلى أبواق لأفكار أصحابها.
تخرج دراسة إبراهيم عبد المجيد في الفلسفة عن كونها مجرد محطة في سيرته الشخصية؛ إذ يمكن ملاحظة أثرها في نوع الأسئلة التي تطرحها أعماله، لكن الفلسفة عنده لا تظهر في صورة تنظير، ولا تثقل الرواية بالمصطلحات. إنها تظهر في الأسئلة التي تظل معلقة خلف الحكاية: كيف يصنع الإنسان حياته؟ ما الذي يفعله الزمن بنا؟ هل نختار مصائرنا فعلًا، أم تختارها الظروف من حولنا؟ وماذا يبقى من الإنسان حين يفقد المكان الذي ينتمي إليه؟
وهنا تصبح الفلسفة طريقة في النظر، لا موضوعًا مستقلًا. فالروائي لا يقدم للقارئ إجابة جاهزة، وإنما يضع الشخصية في مواجهة سؤالها، ثم يترك للقارئ مساحة كي يشارك في البحث عن الإجابة.
ومن أهم ما يلفت في تجربة عبد المجيد علاقته بالتاريخ. فالتاريخ عنده لا يظهر بوصفه مجموعة من الأحداث الكبرى التي تقع بعيدًا عن الإنسان، وإنما يدخل البيوت والشوارع ويغير تفاصيل الحياة اليومية.
وهذا واضح بصورة خاصة في «لا أحد ينام في الإسكندرية»، حيث تصبح الحرب العالمية الثانية أكثر من خلفية زمنية؛ إنها قوة تضغط على حياة الناس، وتعيد تشكيل علاقاتهم وخياراتهم ومخاوفهم.
وهنا تتضح وظيفة الرواية في علاقتها بالتاريخ، فالمؤرخ يسجل الحدث، بينما يحاول الروائي أن يسأل: ماذا فعل الحدث بالإنسان؟ وهذا الفارق يمنح التاريخ في الرواية حياة أخرى. فالوقائع التي قد تختفي من الذاكرة العامة تظل حاضرة من خلال مصائر الأفراد، ومن خلال التفاصيل الصغيرة التي لا تسجلها كتب التاريخ عادة.
ولأن المكان والذاكرة حاضران بقوة في تجربة عبد المجيد، فإن الحنين يبدو من هواجسه المتكررة. لكن الحنين لديه ليس عودة رومانسية إلى زمن مثالي؛ إنه حنين يعرف أن الماضي نفسه لم يكن كاملًا، وأن الذاكرة قد تعيد ترتيب الأشياء، وتحذف ما يؤلمها، وتحتفظ بما تحتاج إليه.
ولهذا فإن استعادة المكان القديم لا تعني استعادة الحياة القديمة. قد يعود الإنسان إلى المكان نفسه، فلا يجد الأشخاص الذين عرفهم، ولا الشوارع التي حفظها، ولا الروح التي كانت تمنحه الإحساس بالانتماء. وهنا يصبح الحنين سؤالًا عن الزمن أكثر منه بكاءً على الماضي. هل تتغير الأمكنة، أم أننا نحن الذين نتغير ثم نعود إليها فلا نعرفها؟
في هذه المسافة بين المكان كما كان والمكان كما تتذكره الذاكرة، تتشكل مساحة واسعة من عالم إبراهيم عبد المجيد.
ومن هنا تأتي عنايته بالتفاصيل. فهو يعرف أن الحياة الكبرى تتكون من أشياء صغيرة: نظرة، وحوار عابر، ومقهى، وبيت، وصوت، ورائحة، ووجه يمر سريعًا ثم يظل في الذاكرة.
وفي أعمال مثل «البلدة الأخرى»، و«الصياد واليمام»، و«في كل أسبوع يوم جمعة»، و«أداجيو»، تتعدد العوالم والموضوعات، لكن يبقى ذلك الحس حاضرًا: البحث عن الإنسان داخل التفاصيل التي تبدو للوهلة الأولى عادية.
ولغته، رغم بساطتها الظاهرة، لا تتخلى عن العمق. إنها لغة لا تحاول أن تستعرض قدرتها، وإنما تخدم الحكاية وتترك للقارئ فرصة المشاركة في إنتاج معناها.
وهذه البساطة ليست سهولة مجانية؛ فاللغة البسيطة أصعب أحيانًا من اللغة المزدحمة بالزخارف، لأنها لا تستطيع أن تختبئ خلف البلاغة.
وإذا كان المكان والإنسان والذاكرة هي المواد الأساسية في عالم عبد المجيد، فإن قدرته الفنية تظهر كذلك في طريقة تنظيم هذه المواد. فهو يستخدم تعدد الشخصيات والأصوات، ويتنقل بين الأزمنة، ويمزج أحيانًا بين التجربة الفردية والذاكرة الجماعية، ويستفيد من التاريخ دون أن تتحول الرواية إلى كتاب تاريخ.
لكن قيمة هذه التقنيات لا تأتي من وجودها في حد ذاته؛ فالإفراط في التجريب الذي لا يخدم المعنى يتحول إلى استعراض، بينما يصبح الشكل الروائي ذا قيمة حين يكون ضروريًا للعالم الذي يريد الكاتب بناءه. وهذا ما يجعل تقنية السرد عند عبد المجيد في الغالب جزءًا من الرؤية، لا مجرد زينة فنية.
ولد إبراهيم عبد المجيد في الإسكندرية عام 1946، وتخرج في قسم الفلسفة ، بجامعة الإسكندرية عام 1973، ثم انتقل إلى القاهرة، حيث واصل مسيرته
الأدبية والثقافية. وخلال مسيرة طويلة، كتب الرواية والقصة وقدم أعمالًا أخرى، وحصل على عدد من الجوائز الكبرى، من بينها جائزة نجيب محفوظ عام 1996 عن «البلدة الأخرى»، وجائزة الدولة للتفوق في الآداب عام 2004، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2007، وجائزة الشيخ زايد للكتاب عن «ما وراء الكتابة: تجربتي مع الإبداع» في دورة 2015–2016، ثم جائزة النيل في الآداب عام 2022.
لكن قيمة التجربة لا تقاس بعدد الجوائز، وإنما بما تركته في الرواية المصرية والعربية من أثر. فالجوائز يمكن أن تشير إلى أهمية الكاتب، لكنها لا تصنعها؛ والذي يصنعها هو ذلك الامتداد الطويل بين كتاب وآخر، وقدرة الكاتب على أن يظل قادرًا على اكتشاف شيء جديد في الإنسان وفي العالم.
ما الذي يبقى؟ ربما يكون السؤال الأهم عند قراءة تجربة إبراهيم عبد المجيد هو: ما الذي يبقى من كل هذا؟
تبقى المدينة، ولكن ليس بوصفها شوارع ومباني. تبقى الذاكرة، ولكن ليس بوصفها ماضيًا مغلقًا.
ويبقى الإنسان، بما يحمله من خوف وحب ورغبة في الحرية، وبما يتركه من أثر في المكان الذي عاش فيه، وهنا أجد أن قيمة إبراهيم عبد المجيد لا تكمن فقط في أنه روائي يجيد الحكاية، وإنما في أنه استطاع أن يجعل الحكاية وسيلة لحفظ ما يوشك أن يضيع.
فالمدينة تتغير، والأشخاص يرحلون، والأزمنة تمضي، لكن الكتابة تستطيع أن تمنح كل ذلك حياة ثانية. ولهذا فإن إبراهيم عبد المجيد، حين يكتب عن مدينة، لا يكتب عنها وحدها؛ وحين يكتب عن زمن مضى، لا يكتب عن الماضي وحده. إنه يكتب عن الإنسان وهو يحاول أن يتشبث بشيء من ذاته وسط عالم لا يتوقف عن التغير.
وهنا، في المسافة بين المدينة والذاكرة، وبين التاريخ والإنسان، وبين الحكاية وما وراء الحكاية، يمكن أن نرى جوهر مشروع إبراهيم عبد المجيد: إنه كاتب لا يكتفي بأن يحكي لنا ما حدث، وإنما يجعلنا نتساءل: ماذا ترك ما حدث فينا؟
وربما هذه هي إحدى علامات السرد الحقيقي: أن يجعل ما مضى قادرًا على أن يعيش مرة أخرى.
—————-
من كتاب “مقامات الكتابة” قيد النشر



