إسكندرية للشاعرة سلوى محمود صرخة شعرية في وجه الألم والخذلان
تأخذنا الشاعرة سلوى محمود في قصيدة إسكندرية إلى عالم مشحون بالمشاعر المتناقضة، حيث يمتزج الحنين بالغضب، والحب بالخذلان. ترسم الكلمات صورة مدينة ليست فقط مكانًا، بل رمزًا للصراع الإنساني بين الأمل والانكسار. ومن خلال لغة قوية وصور شعرية عميقة، تكشف الشاعرة عن وجع داخلي يتجاوز حدود المكان ليعبر عن واقع مضطرب تتصارع فيه القيم، وتضيع فيه البراءة وسط قسوة الحياة.
نص القصيدة
اسْكِنْدِرِيَّةُ يَا بِِلادَ قَيَاصِرَة
البَحْرُ أضْيَقُ مِنْ هِمُومِ الشَّاعِرَة
والمَوْجُ يَعْلُو ثُمَّ يَهْبِطُ حَوْلَهَا
أتُرَاهُ يَشْعُرُ بِالدِّمُوعِ الثَّائِرَة
سَالَتْ ومَا زَالَتْ تُحَلِّقُ فَوْقَنَا
سُحُبٌ وَمَلْأَى بِالجِرَاحِ الغَائِرَة
المَوْتُ أَصْدَقُ مِنْ ضَجِيجِ ثُغَائِكُم
والشَّطُّ عَزَّ فَلَسْتُ أُبْصِرُ آخِرَه
لا كَنْزَ تَحْتَ جِدَارِكُمْ لا تَبْحَثُوا
لا خِضْرَ يَخْرِقُ فِي أَسَاسِ البَاخِرَة
الخُبْثُ يَلْهُو فِي الضَّمَائِرِ ضَاحِكًا
والشَّرُّ يُنْضِجُ فِي الظَّلَامِ عَشَائِرَه
والنَّفْسُ تَأْنَفُ مِنْ جَنِينِ سِفَاحِكُمْ
والعُهْرُ يَزْهُو فِي العُيُونِ المَاكِرَة
كَيْفَ اصْطَفَيْتُمْ كُلَّ شَرٍّ حَوْلَنَا
خَلْفَ الحَوَائِطِ وَالخَنَاجِرُ سَافِرَة
لا يَفْتَدِينَا فِي الظَّلَامِ عَلِيُّنَا
وفِرَاشُهُ لَا تَلْمَحُونَ سَتَائِرَه
يَا شَاطِئَ الأَحْزَانِ قَدْ بُنِيَتْ لَنَا
بَيْنَ القِلَاعِ حَفَائِرٌ لِجَبَابِرَة
خَلْفَ الحِصَارِ حُصُونُ قَلْبٍ مَدَّهُ
رِزْقٌ مِنَ الرَّحْمَنِ لَسْتُ بِنَاكِرَة
طَابَتْ لَهُ الأَحْلَامُ حَتَّى جَاءَكُمْ
وَتَبَدَّلَتْ أَسْرَارُكُمْ لِمُجَاهَرَة
وَبَدَتْ لِتَبْرُزَ فِي الظَّلَامِ نُيُوبُكُمْ
وَالغَدْرُ يَلْمَعُ وَالخُطُوبُ مُحَاصِرَة
لا بَيْتَ أَرْقَمَ قَدْ يَضُمُّ نُبُوَّتِي
لا سَيْفَ حَيْدَرَةٍ يَرُدُّ أَبَاطِرَة
وَالرِّيحُ تَعْتَصِرُ الرِّمَالَ أَمَامَنَا
وَعَدُوُّنَا فِي الخَلْفِ سَنَّ خَنَاجِرَه
لا قَلْبَ يَزْهُو بِالنَّجَاحِ مُفَاخِرًا
لا صَحْبَ فِي تِلْكَ الدُّنَى لِتُشَاطِرَه
فِي الأُفْقِ نَارٌ وَالغُبَارُ قَطِيعُهُمْ
زَرْقَاؤُنَا لَا تَسْتَبِينُ حَوَافِرَه
يَا نَفْسُ ذُوبِي فِي جَلِيدِ قُلُوبِهِمْ
أَهُنَاكَ قَدْ نَلْقَى قُلُوبًا طَاهِرَة
لَمْ يَنْطِقِ العُمْرَانُ حُكْمَ قَضِيَّتِي
هَذَا أَبُو جَهْلٍ أَعَدَّ فَوَاجِرَه
هَارُونُ مُوسَى يَفْتَدِيهِ بِرُوحِهِ
هَارُونُنَا لَمْ يَسْتَجِبْ لِمُشَاوَرَة
فِي هِجْرَتِي تَاهَتْ قِفَارُ أُرَيْقِطٍ
أَسْمَاءُ لَمْ تَخْلَعْ نِطَاقَ الخَاصِرَة
لا أَيْكَةً أَشْكُو لِرَبِّي طَائِفًا
لا غَارَ أَمْلَؤُهُ دُمُوعًا غَامِرَة
اسْكِنْدِرِيَّةُ قَدْ هَجَرْتُكِ مُرْغَمًا
فَالْبَحْرُ يَشْهَدُ وَالرِّمَالُ الحَاضِرَة
اسْكِنْدِرِيَّةُ قَدْ فَقَدْتُكِ لَمْ أَجِدْ
فِي البَحْرِ رُبَّانًا يُدَاعِبُ طَائِرَه
لا مَوْجَ يَأْلَفُ صَوْتَنَا فَلتَرْفِقِي
لا رِيحَ تَصْفُو لِلصَّوَارِي الخَائِرَة
لَوْلَا المَكَائِدُ لَمْ أَطَأْ بِمَدِينَةٍ
لَوْلَا الخِيَانَةُ مَا خَرَجْتُ مُهَاجِرَة
يَا رِيحُ هُبِّي صَرْصَرًا لِتُدَمِّرِي
مَنْ قَدْ تَذَمَّرَ إِذْ رَآنِي صَابِرَة
اسْكِنْدِرِيَّةُ حَسْبُ نَفْسِي قَدْ سَمَتْ
كَالنَّجْمِ يَلْمَعُ لِلْعُيُونِ النَّاظِرَة
حِيتَانُنَا فِي يَوْمِ سَبْتٍ شُرَّعٌ
عَمْدًا وَحَسْرَتْكُمْ جِفَانٌ فَاغِرَة
مَا أَحْزَنَ الأَعْدَاءَ إِلَّا ظِلُّنَا
إِذْ لَمْ يَرَوْا بَعْدُ المَنَائِرَ عَامِرَة
بُشْرَايَ نَصْرٌ زَيَّنَتْهُ مَنَابِرٌ
وَالشِّعْرُ يَزْهُو إِذْ عَلَوْتُ مَنَابِرَه
تَرْسُو السَّفِينُ الآنَ فِي جُودِيِّهَا
وَالأَرْضُ تَبْتَلِعُ النُّفُوسَ الجَائِرَة
تختتم القصيدة بنبرة تحمل مزيجًا من الألم والتحدي، حيث تظل الروح متمسكة بالأمل رغم الخذلان. وتؤكد الشاعرة أن الانكسار ليس نهاية، بل بداية لرحلة صمود جديدة، وأن النور يمكن أن يولد من قلب الظلام. وتترك هذه الكلمات أثرًا عميقًا في نفس القارئ، لتفتح باب التأمل في معنى الانتماء، والصراع بين القوة والضعف داخل الإنسان.




