نعمات مدحت تكتب: الرجل الذي بكى عند قبره التجار

لم يكن أبي رجلًا عاديًا في حياتنا، وربما لم أدرك حجم ذلك إلا بعد أن رحل، بعض الآباء نعرف قيمتهم ونحن نعيش بينهم، لكننا لا نعرف أبدًا كم كانوا يحملون عنّا من أعباء، وكم مرة أخفوا تعبهم حتى نظل نحن مطمئنين، وحين يرحلون، نكتشف أن البيت لم يفقد شخصًا فقط، وإنما فقد جزءًا من توازنه، وفقدنا نحن ذلك الشعور الخفي بأن هناك رجلًا في مكان ما، يحمل همّنا حتى لو لم نطلب منه.

كان أبي موظفًا حكوميًا، لكنه لم يعرف أن تكون الوظيفة هي نهاية يومه أو حدود رزقه، كان يحب العمل، ويحب التجارة، وكان يستطيع أن يتاجر في كل شيء تقريبًا، يعرف السوق، ويعرف الناس، ويعرف كيف يبدأ من القليل ليصنع منه الكثير.

يخرج للعمل، ويعود، ثم يبدأ مشوارًا آخر من مشاوير الحياة والتجارة والسعي، لم يكن يعرف طريقًا للراحة الطويلة، وكأن بداخله يقينًا بأن الرجل مسؤول عن بيته، وأن عليه أن يفعل كل ما يستطيع حتى يظل أولاده مستورين.

كانت أمي، وهي أكثر من عرفه وعاش معه تفاصيل أيامه، تسميه «صاحب اليد اللي بتنزل فلوس»، ولم تكن تقصد المال وحده.

كانت تقصد ذلك الرجل الذي لا تتوقف يده عن العطاء، ولا يتوقف عقله عن التفكير في احتياجات بيته، ولا يهدأ قلبه طالما هناك شيء يستطيع أن يفعله من أجل أولاده.

لم يكن نجاحنا بالنسبة له رفاهية، ولا مجرد أمنية جميلة، كان نجاحنا قضية عمره، كان يريد أن يرانا أفضل حالًا، وأن يطمئن علينا، وأن يضع كل واحد منا على الطريق الذي يليق به.

وكان يكافح من أجل ذلك حتى آخر لحظة، حتى وهو يتعب، كان يفكر فينا، حتى وهو يكبر، كان لا يزال يرى أن لديه أشياء يجب أن يفعلها قبل أن يطمئن تمامًا.

ومن أكثر الأشياء التي ما زالت عالقة في قلبي، جلسة جمعتني به، وكان يتحدث عن أخي الأصغر يوسف، قال لي وقتها: «يا ترى هعيش لما تجوزي يوسف؟»

فقلت له دون تردد: «أيوة يا بابا، هتجوزه.. ربنا يديم عليك الصحة والعافية ويطول في عمرك»، قلت له ذلك بيقين كامل، لم يخطر ببالي لحظة أنني قد أعيش يومًا لا يكون فيه أبي موجودًا ليشهد زواج يوسف.

كنت أقولها وأنا مؤمنة أن الله سيطيل في عمر أبي، وأنه سيظل بيننا حتى يرى أخي الأصغر عريسًا، كما ظل يحلم، لكن الإنسان لا يعرف موعد النهاية.

والآن، كلما تذكرت تلك الجملة، أشعر أن بين «يا ترى هعيش؟» و«أيوة يا بابا هتعيش» حكاية عمر كاملة، كنت أجيب أبي بثقة ابنة تطمئن أباها، ولم أكن أعرف أنني بعد وقت قصير سأحتاج أنا إلى من يطمئنني على أبي.

لم أره يومًا يقلل من شأن زوجات إخوتي ولا أزواج شقيقاتي، ولم يكن يدخل بيت أحد منهم بعقلية الرجل الذي يرى أن بناته أو أبنائه ملك له حتى بعد أن يكبروا ويتزوجوا.

وكانت أمي هي الحكاية الأخرى في حياته، كان يدخل من الباب وينادي: «فين الحاجة؟» وكأن «الحاجة» لم تكن مجرد زوجته، وإنما كانت عنوان البيت، وموضع الأمان، والإنسانة التي يعرف أن وجودها يعني أن كل شيء بخير.

وأمي كانت كذلك، كنت أحيانًا أقول لها: «تعالي نروح مكان كذا»، أو «تعالي باتي معايا الليلة»، فتجيبني تلقائيًا: «وأبوكي يروح فين؟»

كانت تعرف أن أبي يحتاج إليها كما تحتاج هي إليه، كانا سندًا لبعضهما، حتى أصبحت تلك التفاصيل الصغيرة جزءًا من شكل الحياة الذي لم نكن نتصور يومًا أنه يمكن أن يتغير.

وكان أبي يحب إخوته أيضًا، كانت له أخت كبيرة لها مكانة خاصة جدًا في قلبه، كان يحبها ويحترمها، وكانت لها معزة لا تشبه غيرها.

ذلك الرجل الذي قضى عمره في السعي والعمل، كان يحمل في داخله قلبًا يعرف معنى العائلة جيدًا، ربما لهذا أحبه الناس.

أبي كان معروفًا بين التجار، كان يعرفهم ويعرفونه، وكانت بينه وبينهم سنوات طويلة من التعامل والمعرفة والمواقف، وحين رحل، رأيت شيئًا لن أنساه ما حييت.

رأيت رجالًا من التجار يبكون على قبره، رجالًا لم يكونوا من أفراد أسرته، ولم تجمعهم به صلة دم، لكنهم وقفوا أمام قبره ودموعهم تنزل.

وقتها فهمت أن الإنسان لا يُقاس فقط بما يتركه في بيته، وإنما بما يتركه في الناس.

عند رحيله، بكى طوب الأرض على أبي، بكاه من عرفه، ومن تعامل معه، ومن جلس معه، ومن رأى فيه رجلًا يكافح ويعمل ويجتهد ويبحث عن رزقه بالحلال.

لم يكن أبي رجلًا ثريًا بالمعنى الذي تقيس به الدنيا الثراء، لكنه كان غنيًا بعزيمته، كان يعمل ويكافح، ويجري وراء رزقه، ويعود إلى بيته بما استطاع، ثم يبدأ من جديد، لم يكن يحب أن يرى يده عاجزة.

كان يحب الشغل، وكان يؤمن، بطريقته البسيطة، أن الإنسان لا ينتظر الحياة حتى تعطيه، وإنما يسعى إليها، وربما كان هذا أكثر ما تركه فينا دون أن يقصده: أن نكافح، أن نحاول، أن نعمل، أن نقف على أقدامنا مهما كانت الظروف.

رحل أبي، لكنني كلما نظرت إلى حياتنا فهمت كم كان حاضرًا في تفاصيلها، نجاحاتنا التي كان يفرح بها، قلقنا الذي كان يحمله قبلنا، احتياجاتنا التي كان يسعى إليها قبل أن نطلبها، وأحلامنا الصغيرة التي كان يراها كبيرة جدًا.

كان يتمنى أن يطمئن علينا جميعًا، وكان يتمنى، في آخر أحلامه، أن يزوج يوسف، لم يكن يعلم أن بعض الأحلام يؤجلها الموت، ولم أكن أعلم أن جملتي له: «هتعيش يا بابا» ستصبح يومًا واحدة من أكثر الجمل التي أشتاق إلى تصديقها.

رحل أبي قبل أن يطمئن تمامًا، رحل وهو لا يزال في داخله أب يريد أن يفعل المزيد لأبنائه، لكن ربما هناك شيء لم يكن يعرفه: أن ما فعله كان كثيرًا.

واليوم، بعد رحيله، أعرف أن أعظم ما تركه أبي لنا ليس المال، ولا الأشياء، ولا ما استطاع أن يشتريه لنا.

أعظم ما تركه هو السيرة، سيرة رجل عاش شريفًا، وعمل، وكافح، وأحب بيته، وحفظ إخوته، واحترم زوجات أبنائه، وأحب زوجته، وتعلق بأولاده، وظل حتى آخر أيامه يحمل همّهم.

سيرة رجل استطاع أن يجعل تجارًا يبكون عند قبره، وأبناءً يشعرون أن جزءًا من ظهرهم قد رحل معه، رحم الله أبي، الرجل الذي كانت أمي تسميه «صاحب اليد اللي بتنزل فلوس»..

وأنا اليوم أراه صاحب يدٍ لم تكن تنزل المال فقط، وإنما كانت تنزل علينا الأمان، والستر، والحب، والسند.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى