حياة سريالية.. حين يتحول الحلم إلى واقع أكثر غرابة

بقلم: حسين عبد العزيز

كتبت هذا النص في منتصف تسعينيات القرن الماضي، في زمن كانت فيه الكتابة بالنسبة لي محاولة لاكتشاف ما وراء الأشياء، والبحث عن المعنى في تفاصيل تبدو للوهلة الأولى عبثية أو غير منطقية.

«حياة سريالية» ليست حكاية تقليدية لها بداية ونهاية، وإنما مشاهد متتابعة تتداخل فيها الحقيقة بالحلم، والنجاة بالهلاك، والعبث بالانتصار، حتى يصبح القارئ أمام عالم لا يعرف فيه أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الوهم.

وربما تكمن قوة النص في هذه المساحة المربكة تحديدًا؛ فكل صورة فيه تقود إلى أخرى، وكل مشهد يبدو وكأنه يحمل مفتاحًا لمعنى أعمق، قبل أن تأتي النهاية لتترك السؤال مفتوحًا أمام القارئ.

حياة سريالية

قام من نومه،
بعد أن انتهى حلمه.

فتح الصنبور،
فأتت مياه النار،
فحرقت عيناه.

فخرجت من بين شفتيه:
«إله…»

وهنا ظهرت أدوات القوة والنجاة.

خرج إلى السلم،
فترته الجارة،
فتبسمت ودعته.

وبعد برهة،
قالت:
ـ من أين لك بهذا؟

فقال:
ـ انظري إلى النهر.

وعاد إلى الدار،
فيقولون له:

اليوم يوم الانتصار،
لا هزيمة ولا عار،
فكل شيء تقوله انبهار،
واليوم أنت البطل،
فهيا احتل المضمار.

خرج من الدار،
بعد أن أشعل النار،
وأخذ يتحرك بين المارة.

وهي تصرخ وتهتف:

هذا هو الأستاذ،
صاحب الإنجاز!

فصرخ.

فقالوا:

تلك هي العبقرية!

عاد إلى بيته،
واحتضن كلبه.

وفي الشرفة لاعب طيره.

نظر إلى الشارع،
فانهار.

وإليه عاد،
واحتضن الشجرة،
وهو يقول:

هذه شجرتي،
وعليها نقشت ماهيتي،
وفي داخلها نامت محبوبتي،
وبين أوراقها أقضي وقتي.

وكل يوم أقدم لها الماء،
وأقص قصتي.

فتبكي معي،
وتقدم لي بعض ثمارها،
ثم تأخذني في أحضانها.

إذن…

اذبحوني معها،
فربما تجدون تحت جذعها شيئًا من البقايا.

وهنا…

سوف تعلمون
أنها كانت النهاية.

قراءة في النص

تتحرك «حياة سريالية» في منطقة ضبابية بين الحلم والواقع، حيث لا تسير الأحداث وفق المنطق المعتاد، وإنما وفق منطق الحلم نفسه؛ صنبور يخرج منه النار، ومشهد يتحول فيه الحريق إلى بطولة، والفوضى إلى عبقرية، ثم تنتهي الرحلة بشجرة تصبح وطنًا وذاكرة ومحبوبة وملاذًا أخيرًا.

ويبدو أن الشجرة هي أكثر رموز النص كثافة؛ فهي ليست مجرد شجرة، وإنما كيان يحمل ذاكرة البطل وهويته وحبه، حتى يصبح الانفصال عنها أشبه بانفصال الإنسان عن جزء من ذاته.

أما النهاية، فتأتي حادة ومفتوحة في الوقت نفسه، لتعيد ترتيب كل ما سبق. فبعد الانتصار المزعوم، والبطولة المصطنعة، والعبقرية التي يصفق لها الآخرون، لا يبقى سوى سؤال البقايا: ماذا يتبقى من الإنسان حين تنتهي الحكاية؟

وربما لهذا تبدو «حياة سريالية» نصًا صالحًا للقراءة بعد عقود من كتابته؛ لأن السريالية فيه ليست مجرد غرابة في الصور، وإنما طريقة للنظر إلى عالم تختلط فيه الحقيقة بالوهم، ويصبح العبث أحيانًا هو اللغة الوحيدة القادرة على وصف الواقع.

نص كتبه حسين عبد العزيز في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وما زال يحتفظ بقدرته على إثارة الدهشة والأسئلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى