الناقد أحمد فرحات يكتب: المدللة
شخصية ليلي بارت في رواية (بيت البهجة) لإديث وارتون. هي امرأة جميلة نشأت في عالم اجتماعي أرستقراطي، وأصبحت قيمة الجمال والأناقة والمكانة جزءًا من تكوينها النفسي. الرواية تقدمها باعتبارها (امرأة مدللة).
تعيش ليلي في مجتمع تحكمه قواعد صارمة غير معلنة؛ فالزواج ليس علاقة عاطفية فحسب، بل وسيلة للحصول على المال والمكانة والأمان الاجتماعي. ولهذا تبحث ليلي عن الزوج المناسب، لكنها في الوقت نفسه ترفض بعض الزيجات التي تراها غير ملائمة لرغباتها أو لمعاييرها.
وهنا تنشأ المفارقة المركزية في الرواية: ليلي تريد أن تحافظ على حريتها وكرامتها، لكنها محاصرة داخل مجتمع لا يمنح المرأة الاستقلال إلا إذا امتلكت المال.
هناك من الشخصيات من يتعامل مع العلاقات الاجتماعية بمنطق المصلحة، حيث يصبح الإنسان أداة لتحقيق النفوذ أو المال أو المكانة.
ليلي تريد المال والترف والمكانة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تتحول بالكامل إلى سلعة زواج. وهنا تظهر المفارقة النفسية.
وهذا يجعلها نموذجًا للتمييز بين الأنثى المدللة والأنثى النرجسية؛ فليلي ليست مجرد شخصية نرجسية، وإنما شخصية تشكلت رغباتها داخل مجتمع يربط قيمة المرأة بالجمال والزواج والطبقة والمظهر.
المدللة لا تفهم العلاقات كما يفهمها الرجل. بل تنظر إليها كمساحة للاستحواذ والتمكين الناعم. كما يقول د. إسلام سالم.
أحيانًا حيث تلعب بك بوعي وقصد، وأحيانًا تمارس ألاعيبها بدافعٍ لا واعٍ تشكّل عبر سنوات من التفاعل المبكر مع نظرات الإعجاب وعبارات المديح في ملاحة الوجه، والجمال المصطنع.
ويعتبر الرجل المحترم منبطحا لاهثاخلف الأدبار هو أول من يقع في فخها حيث تسيطر عليه من خلال الخطاب الناعم الذي تشعره فيه أنه أفضل الرجال. مما يدفعهإلى الاستسلام العاطفي، وضياع هويته، باسم “الحب والتفاهم“. ولكنه لا يعلم ماذا يدور في ذهنها حين تمسك بخيوط ضعفه..
فلسان حالها يقول “يا إلهي، كم هو ساذج… لقد صدّق كذبتي! ..وهذا ليس خيالًا، ولا وهما، بل آلية لعب متقنة تشكّلت من تراكم تجاربها في سوق العلاقات.
فالأنثى تولد بقيمة فطرية معروفة: جمالها، شبابها، جاذبيتها، وهذا يجعلها منذ المراهقة هدفًا لتجارب اجتماعية وعاطفية غنية ومبكرة.
أما الرجل يظل يكافح لبناء ذاته في عالم لا يعترف برجولته ما لم يدفع الثمن من عمره وجهده وقوته. لذلك حين تواعدك امرأة ذاقت من الحياة ما لم تذقه، فهي غالبًا لا تبحث عن حب بل عن ضحية جديدة تمارس عليه لعبتها القديمة.
قد تختار رجلًا بسيطا وهادئًا، لا لأنه الأفضل، بل لأنه أسهل في الانقياد، وأكثر طواعية لعاطفتها المسيطرة.
وهنا يكمن خطر اللعبة..
إن لم تكن مدركًا لأدواتها وأساليبها، ستتحول من رجل له قرار إلى تابع يرضى بالفتات، يطلب رضاها، ويبرر خضوعه باسم الحب!
ففي عالم الأنوثة المدللة .. الحب ليس حبًا؛ بل وسيلة للسيطرة. ابتسامتها أداة..مدحها فخ.. وحنانها تكتيك..إنها لا تحبك، بل تؤدي دور العاشقة لأنها تعلم أن العاطفة تُخدّر وعيك أسرع من أي سلاح.
هذه ليست أنوثة فطرية بل أنوثة تسعى لتحقيق أهدافها بأي وسيلة حتى لو كانت غير أخلاقية أو وسيلة رخيصة.
لهذا أقول لك:
لا تكن ضحية في مسرح تجهل قواعده، وعليك بتعلم اللعبة، أو ستتلاعب بك.
الأنثى المدللة لا تحب الرجل الطيب؛ لأنها لا تحب أن ترى صورتها العارية من الأوهام، الطيب لا يقارب.. لا يتلاعب.. لا يهينها.. ليشتري كرامتها؛ لذلك هي تشعر أمامه بالفراغ؛ فهي اعتادت أن تعيش حياتها بكمية الألم لا بعمق السلام . أينما وجدتْ كائنا حيا وجدتْ الإرادة إلى القوة .
والأنثى المدللة لا تحب الرجل الذي لا يثير فيها صراع الهيمنة والسيطرة؛ لأنها لا تعيش إلا على طاعة الشد والجذب، وبالتالي فإن الطيب بصفائه وبساطته يكشف خواء روحها وعجزها عن أن تحب دون أن تعاني.
لذلك لا يعد النفور من الرجل الطيب المحترم دليلا على رقي ذوقها بل على ابتذاله، وكأنها تقول للعالم لا أبحث عن شريك حياة بل عن حلبة صراع أمارس فيها غروري الطفولي.
نحن لا نحب لأن الآخر يستحق الحب؛ بل لأننا نحن نحتاج إلى أن نحب. لكن الأنثى المدللة تحتاج إلى أن تُعَذب وتُستفز أكثر من أن تحب؛ ولهذا تنصرف عن الرجل الطيب الذي يمنحها الحب قبل الألم.
وهكذا تمضي الأنثى المدللة عمرها تهرب من الرجال المحترمين نحو من يؤذونها، ثم تبكي على حظها العاثر،غير مدركة أنها هي من خانت نفسها أولا. وفي النهاية حين تكتشف قيمة الرجل الطيب تكون قد دفعت ثمنا باهظا: شبابها.. براءتها.. وربما روحها. المشكلة أن الأنوثة المدللة قد أفسدها زمن السهولة والوفرة حتى أصبحت لا ترى الجمال إلا في القسوة ولا تشتهي الرجولة إلا إذا كانت مشوبة بالهمجية. باختصار هيلاعبة بالفطرة، وممثلة محترفة في مسرح العلاقات.



