سبتمبر الحزين.. أسامة مهران يكتب وجع الذاكرة في قصيدة تتجاوز حدود المكان

شعر: أسامة مهران – سبتمبر 2026

ليس كل ما يمرّ من الزمن يمضي، فبعض الشهور تترك خلفها ندبة لا يملك الإنسان محوها، وبعض التواريخ تتحول من أرقام عابرة إلى ذاكرة كاملة تسكن القلب والعقل والجسد.

في قصيدة «سبتمبر الحزين»، يفتح الشاعر الكبير والكاتب أسامة مهران دفترًا مثقلًا بالأسئلة، ويمنح شهر سبتمبر وظيفة تتجاوز الزمن؛ فيجعله شاهدًا على الفقد، ورفيقًا للذاكرة، ومرايا لوجع شخصي يتسع تدريجيًا ليصبح وجعًا يخص الوطن والإنسان والأمة.

لا يكتب مهران الحزن باعتباره انكسارًا نهائيًا، وإنما باعتباره رحلة طويلة بين اليقين والشك، الذاكرة والنسيان، الوطن والغربة، الحب والفقد. ومن خلال لغة مشحونة بالإيحاء، تتحول التجربة الذاتية إلى مساحة مفتوحة لأسئلة أكبر عن الإنسان وماضيه وما يظل عالقًا في روحه مهما حاول أن يمضي.

نص قصيدة سبتمبر الحزين

سبتمبر يمضي في سنة

وكأن الشهر يواسيني

ما كان براقًا يخبرني

بأنه منقوشٌ في الجينِ

بذكاءٍ مصنوعٍ جاء

من قلب العدمِ المسكينِ

ذهبت معجزتي في حينٍ

«ويقيني بالله يقيني»

مالي وعينيها تشاغلني

مالي تقتلني لتحييني

من شامِ العمرِ تراودني

لجبال الأطلسِ .. ترميني

جربتُ الصبرَ على أمرٍ

ما كان الأمرُ يواتيني

قد ذقت العلقم في المهدِ

وفي المهدِ إماءٍ ترقيني

مزقت ثيابي من دنكي

ودفنت الحسرة في الطينِ

فلعل عطاؤكِ يرحمني

إن كان خليصًا يعطيني

لو كان كذوبًا يفرحني

أو كان صدوقًا يؤذيني

يا بلدي الأخرى .. كوني طوعًا

أو عرضًا أعصيه ويعصيني

فمرارة عصرٍ تمنحني

جرحًا من بدءِ التكوينِ

وجنوح الراحة لا يسلم

من قصدٍ لعتاة ِ التدوينِ

فبلادي أدمنت الحزن

ما بين الفينةِ والفينِ

والذكرى لا تنفع شيطانًا

إياك ألاعيبُ شياطيني

هل أنسى نسيانك من عشمي

قد أنسى ولكن .. «دليني»

يا أمة إنسانٍ لا ينسى

بالله عليكِ .. إنسيني

قراءة في «سبتمبر الحزين»

منذ العنوان، لا يبدو سبتمبر مجرد شهر في التقويم، وإنما يتحول إلى زمن نفسي؛ زمن يحمل ذاكرة خاصة بالشاعر، ويعود كل عام وكأنه يستدعي ما حاول الإنسان دفنه في داخله.

يفتتح أسامة مهران القصيدة بقوله:

«سبتمبر يمضي في سنة
وكأن الشهر يواسيني»

فيمنح الشهر صفة إنسانية؛ فسبتمبر يمضي، لكنه في الوقت نفسه «يواسي». إنها صورة تجمع بين حركة الزمن وثبات الوجع؛ فالوقت يتحرك، بينما تبقى الذاكرة في مكانها.

ثم تأتي الصورة اللافتة:

«بأنه منقوشٌ في الجينِ»

ليتجاوز الشاعر حدود الذاكرة إلى فكرة أكثر عمقًا؛ فالألم لم يعد مجرد تجربة عابرة، وإنما شيء يبدو وكأنه مكتوب في التكوين ذاته. وهنا يصبح الحزن جزءًا من هوية الإنسان، لا مجرد حالة نفسية طارئة.

وفي قوله:

«من قلب العدمِ المسكينِ»

يضع الشاعر العدم في صورة إنسانية، ويخلق مفارقة بين «العدم» وبين ما يولد منه من ذكاء ومعنى. وكأن القصيدة منذ بدايتها تتحرك بين ثنائيات متناقضة: الوجود والعدم، الحياة والموت، اليقين والفقد.

ويبلغ الصراع الداخلي ذروته في:

«ذهبت معجزتي في حينٍ
ويقيني بالله يقيني»

فهنا يظهر الفقد، لكن الإيمان يظل حاضرًا بوصفه آخر ما يمكن الاتكاء عليه. لا يقدم الشاعر اليقين باعتباره إلغاءً للألم، وإنما باعتباره قوة تمنع الألم من ابتلاع الإنسان بالكامل.

أما:

«مالي وعينيها تشاغلني
مالي تقتلني لتحييني»

فتكشف عن واحدة من أكثر مفارقات النص جمالًا؛ فالمصدر نفسه قادر على القتل والإحياء. وقد تكون «عينيها» امرأة، وقد تكون ذاكرة، أو وطنًا، أو صورة من الماضي؛ وهو ما يمنح الصورة اتساعًا تأويليًا دون أن يفرض الشاعر تفسيرًا واحدًا على القارئ.

ومن الخاص ينتقل النص إلى الجغرافيا العربية:

«من شامِ العمرِ تراودني
لجبال الأطلسِ .. ترميني»

فالمكان هنا ليس مجرد خلفية للأحداث، وإنما جزء من الذاكرة. الشام والأطلس يتحولان إلى علامات على امتداد جرح يتجاوز حدود الفرد، ويأخذ شكلًا عربيًا واسعًا.

ثم يستدعي الشاعر الألم القديم:

«قد ذقت العلقم في المهدِ
وفي المهدِ إماءٍ ترقيني»

لتصبح التجربة ممتدة منذ الطفولة، وكأن الشاعر لم يبدأ حياته من نقطة بيضاء، وإنما حمل معه منذ البدايات شيئًا من مرارة العالم.

وتتسع الدائرة أكثر حين يقول:

«يا بلدي الأخرى .. كوني طوعًا
أو عرضًا أعصيه ويعصيني»

فالبلد هنا ليست مكانًا فقط، وإنما علاقة شديدة التعقيد بين الإنسان وانتمائه. علاقة يمكن أن تحمل الحب والاختلاف، القرب والتمرد، الاحتياج والخذلان.

وفي:

«فمرارة عصرٍ تمنحني
جرحًا من بدءِ التكوينِ»

يتجاوز الشاعر تجربته الشخصية إلى زمن كامل. فالجراح ليست وليدة لحظة واحدة، وإنما نتيجة عصر يترك أثره في الإنسان منذ تكوينه.

ثم تأتي العبارة:

«فبلادي أدمنت الحزن
ما بين الفينةِ والفينِ»

لتنتقل القصيدة من «أنا» الشاعر إلى «بلادي». وهنا يصبح الألم شخصيًا وجماعيًا في الوقت نفسه. فالشاعر لا يعود يتحدث عن ذاته وحدها، وإنما يرى تجربته امتدادًا لوجع أكبر.

وفي النصف الأخير من القصيدة، تظهر الذاكرة بوصفها خصمًا لا يمكن هزيمته:

«هل أنسى نسيانك من عشمي
قد أنسى ولكن .. دليني»

ثم تأتي النهاية:

«يا أمة إنسانٍ لا ينسى
بالله عليكِ .. إنسيني»

وهي خاتمة شديدة الدلالة؛ لأن الشاعر يطلب النسيان من أمة يعرف أنها لا تنسى.

هنا تكمن المفارقة الكبرى في النص: يريد الشاعر أن ينسى، لكنه ينتمي إلى ذاكرة جماعية لا تسمح بالنسيان.

ولهذا فإن «سبتمبر الحزين» لا تنتهي بإجابة، وإنما تترك القارئ أمام سؤال مفتوح: هل يستطيع الإنسان أن يهرب من ذاكرته؟ وهل يمكن أن ينسى ما أصبح جزءًا من تكوينه؟

إن قوة القصيدة تكمن في هذا الاشتباك بين الخاص والعام، الفرد والوطن، الذاكرة والنسيان، الألم والإيمان. وهي لا تقدم الحزن بوصفه لحظة عابرة، بل بوصفه تاريخًا داخليًا يرافق الإنسان، وربما يصنع جزءًا من ملامحه.

وفي النهاية، يبدو سبتمبر في قصيدة أسامة مهران أكثر من شهر؛ إنه موعد سنوي مع الذاكرة، وكلما حاول الإنسان أن يغلق أبواب الماضي، جاء سبتمبر ليذكّره بأن بعض الأبواب لا تُغلق، وأن بعض الأحزان لا تحتاج إلى أن تُروى كي تعود؛ يكفي أن يأتي موعدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى