جمال عبدالناصر.. حكاية زعيم بين الثورة والوطن

في 28 سبتمبر من كل عام تعود سيرة جمال عبدالناصر إلى الواجهة، لا باعتباره أحد رؤساء مصر السابقين فحسب، وإنما باعتباره شخصية سياسية وتاريخية ما زالت حاضرة في الذاكرة المصرية والعربية، بعد أكثر من نصف قرن على رحيله.
واللافت أن صورة عبدالناصر لا تكتمل بالخطابات والقرارات والمشروعات الكبرى وحدها، فهناك صورة أخرى خلف الزعيم والرئيس والقائد، حفظتها زوجته تحية كاظم في كتابها «ذكريات معه»، لتقدم شهادة إنسانية عن الرجل الذي عاش إلى جوارها قبل الثورة وبعدها، وشاهدت انتقاله من ضابط شاب إلى قائد للثورة ثم رئيس للجمهورية.
من الإسكندرية إلى الكلية الحربية
ولد جمال عبدالناصر حسين خليل في 15 يناير 1918، والتحق بالكلية الحربية في مارس 1937، وتخرج فيها عام 1938، ثم بدأ مسيرته العسكرية التي قادته لاحقًا إلى المشاركة في حرب فلسطين عام 1948. وبعد عودته إلى مصر اجتاز امتحان كلية أركان الحرب وعُيّن مدرسًا بها.
وفي سنوات ما بعد حرب فلسطين تشكلت ملامح التنظيم الذي سيعرف لاحقًا باسم «الضباط الأحرار»، وفي يوليو 1949 تشكلت لجنته التأسيسية في منزل عبدالناصر بكوبري القبة، وسط حالة من السرية التي سبقت التحرك الكبير في يوليو 1952.
تحية كاظم.. المرأة التي رأت عبدالناصر قبل أن يصبح زعيمًا
تزوج جمال عبدالناصر من تحية كاظم في 29 يونيو 1944، وعاشت إلى جواره 26 عامًا وثلاثة أشهر تقريبًا، منها ثماني سنوات قبل ثورة يوليو وثمانية عشر عامًا بعدها.
وفي كتابها «ذكريات معه» لم تقدم تحية نفسها باعتبارها «حرم الرئيس»، بل ظلت تنظر إلى عبدالناصر باعتباره زوجها وأب أولادها، وهي الزاوية التي تجعل الكتاب مختلفًا عن كتب التاريخ السياسي التقليدية.
وتشير المصادر التي تناولت الكتاب إلى أن تحية عاشت بعيدًا عن الأضواء، ولم تكن صاحبة حضور سياسي أو رسمي، بينما ركزت مذكراتها على الحياة اليومية والأسرة والمواقف التي عاشتها إلى جوار زوجها.
ليلة الثورة.. عبدالناصر في البيت والسر في قلبه
من أكثر فصول «ذكريات معه» إثارة للاهتمام، ما روته تحية عن الأيام الأخيرة قبل ثورة 23 يوليو.
تروي أنها رأت جمال صباح 22 يوليو 1952 بملابسه العادية، بعدما ظل مستيقظًا يعمل طوال الليل، ثم ارتدى ملابسه العسكرية وتناول الإفطار معها قبل خروجه.
لم يخبرها بما يجري، بل اقترح عليها أن تخرج مع الأبناء هدى ومنى وخالد، وأن تذهب بهم إلى السينما، بينما كان هو يستعد للساعات الحاسمة التي ستغير تاريخ مصر.
ومع اقتراب الليل بدأت تحية تشعر بالقلق. سمعت أصوات إطلاق النار، ورأت حركة العربات المصفحة والدبابات، وظلت تسأل عن جمال الذي لم يكن قد عاد إلى المنزل.
وفي صباح 23 يوليو جاء ثروت عكاشة إلى المنزل، وأخبرها بنجاح التحرك العسكري، وعندما سألته عن جمال، طمأنها بأنه موجود في القيادة العامة. هذه التفاصيل التي نقلتها تحية تمنح القارئ فرصة لرؤية الثورة من داخل منزل أحد قادتها، بعيدًا عن البيانات والخطب الرسمية.
من الثورة إلى رئاسة الجمهورية
نجحت ثورة 23 يوليو في إنهاء حكم أسرة محمد علي، وأُعلنت الجمهورية عام 1953. تولى عبدالناصر رئاسة مجلس الوزراء في أبريل 1954، ثم أصبح رئيسًا للجمهورية في يونيو 1956.
وخلال تلك السنوات ارتبط اسمه بمجموعة من القرارات والمشروعات التي تركت آثارًا عميقة في تاريخ مصر، من بينها الإصلاح الزراعي، والجلاء البريطاني، وتأميم قناة السويس عام 1956، ومشروع السد العالي.
وتشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن ثورة يوليو تبنت كذلك خططًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وشهدت تلك المرحلة توسعًا في الصناعة والتعليم والصحة والزراعة والتعمير، إلى جانب تبني سياسة الحياد الإيجابي وتشجيع حركات التحرر من الاستعمار.
تأميم قناة السويس.. القرار الذي غيّر المشهد
في 26 يوليو 1956 أعلن عبدالناصر قرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية وتحويلها إلى شركة مساهمة مصرية.
كان القرار نقطة فاصلة في تاريخ مصر والمنطقة، وأعقبه العدوان الثلاثي على مصر، قبل أن تنتهي الأزمة بانسحاب القوات المعتدية.
وبعيدًا عن اختلاف القراءات السياسية للتجربة الناصرية، فإن تأميم قناة السويس أصبح أحد أبرز الأحداث المرتبطة باسم عبدالناصر، وأحد أكثر قرارات عهده حضورًا في الذاكرة المصرية.
عبدالناصر الإنسان داخل البيت
تكشف «ذكريات معه» عن جانب آخر من حياة عبدالناصر، بعيدًا عن صورته الرسمية.
كان أبًا لخمسة أبناء: هدى، ومنى، وخالد، وعبدالحميد، وعبدالحكيم، وكانت تحية تصف في مذكراتها تفاصيل الحياة العائلية والمناسبات والرحلات واللحظات التي كان يحاول فيها الرجل الذي تلاحقه المسؤوليات أن يعيش حياة أسرية عادية.
وتشير مصادر تناولت الكتاب إلى أن عبدالناصر كان يحب التصوير والشطرنج ومشاهدة الأفلام وقراءة الأدب، كما كان حريصًا على قضاء جزء من وقته مع أبنائه رغم انشغاله السياسي الكبير.
عبدالناصر في عين زوجته
ربما تكمن أهمية كتاب «ذكريات معه» في أنه لا يحاول أن يقدم سيرة سياسية كاملة لعبدالناصر، وإنما يلتقط الرجل من تفاصيل حياته الخاصة.
تحية لم تكن مؤرخة ولا شاهدة على اجتماعات مجلس الوزراء، لكنها كانت شاهدة على عودته إلى المنزل، على قلقها عليه، على علاقته بأبنائه، وعلى اللحظات التي كانت فيها تعرف أن شيئًا كبيرًا يحدث دون أن تعرف تفاصيله.
ولهذا أصبحت مذكراتها مصدرًا مختلفًا لفهم شخصية عبدالناصر؛ فهي لا تقدم الزعيم من منصة الخطابة، وإنما من داخل البيت.
وقد بدأت تحية التفكير في كتابة مذكراتها أثناء فترة الوحدة المصرية السورية عام 1959، وكتبت بالفعل لفترة، ثم تخلصت مما كتبت. وبعد رحيل عبدالناصر عادت إلى فكرة الكتابة، وكان ابنها عبدالحكيم من الذين شجعوها على تسجيل ما تعرفه عن أبيه حتى يعرف الأبناء تفاصيل أكثر عن حياته.
عبد الناصر والرحيل
في 28 سبتمبر 1970 رحل جمال عبدالناصر عن عمر 52 عامًا، وبمجرد إعلان وفاته، خرجت جماهير ضخمة إلى الشوارع في مصر والعالم العربي، في مشهد عكس حجم الحضور الذي كان يتمتع به الرجل في وجدان قطاعات واسعة من المصريين والعرب آنذاك. وتصف الهيئة العامة للاستعلامات جنازته بأنها من أعظم الجنازات التي شهدها القرن العشرون.
وظلت بعده أسئلة كثيرة مفتوحة حول تجربته السياسية والاقتصادية، وحول إنجازاتها وإخفاقاتها، وحول طبيعة الدولة التي أسسها وأثرها في مصر والعالم العربي.
لكن المؤكد أن عبدالناصر ترك تجربة يصعب تجاوزها عند قراءة تاريخ مصر الحديث؛ فقد ارتبط اسمه بثورة يوليو، والإصلاح الزراعي، وتأميم قناة السويس، والسد العالي، والوحدة المصرية السورية، وحركات التحرر العربية والإفريقية، كما ارتبط في الوقت نفسه بمرحلة سياسية شديدة التعقيد لا تزال موضع نقاش ودراسة.
«ذكريات معه».. حين يتراجع الرئيس خطوة ويتقدم الإنسان
ربما لهذا تظل مذكرات تحية كاظم ذات قيمة خاصة؛ لأنها لا تنافس كتب التاريخ في سرد الأحداث، لكنها تضيف إليها شيئًا لا توفره البيانات الرسمية: الإنسان.
إنها تحكي عن جمال الذي كان يخرج من البيت بملابسه العسكرية ويترك خلفه زوجة لا تعرف إلى أين ذهب، وعن الأب الذي كان يلاعب أبناءه، والزوج الذي كان يحاول الاحتفاظ بمساحة من الحياة الخاصة وسط عالم سياسي لا يعرف الهدوء.
وبين صورة الزعيم التي حفظتها كتب التاريخ، وصورة الزوج والأب التي حفظتها تحية في «ذكريات معه»، تتشكل شخصية جمال عبدالناصر؛ رجل عاش زمنًا مضطربًا، صعد من صفوف الجيش إلى قمة السلطة، وظل بعد رحيله واحدًا من أكثر الشخصيات المصرية حضورًا في الذاكرة العربية.
رحل عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970، لكن الجدل حول تجربته لم يرحل معه؛ بقيت قراراته ومشروعاته وخطاباته وخصومه ومؤيدوه، وبقيت كذلك حكايات البيت التي روتها تحية كاظم، لتقول إن وراء كل صورة رسمية تاريخًا إنسانيًا آخر لا تراه الكاميرات.




