اليوم العالمي للقهوة 2026.. أسرار الفنجان الذي رافق الأدباء والفنانين

ليس كل فنجان قهوة مجرد مشروب ساخن يبدأ به الإنسان يومه، فالقهوة حكاية طويلة تبدأ من حبة صغيرة تُزرع في أرض بعيدة، ثم تعبر مزارع وبلدانًا وموانئ ومصانع ومقاهي، حتى تستقر في فنجان يحمل مذاقًا وذاكرة وثقافة.

ومع حلول اليوم العالمي للقهوة 2026، يعود السؤال الذي يتكرر كل عام: متى موعد اليوم العالمي للقهوة؟ ولماذا اختير الأول من أكتوبر للاحتفال بها؟ وما أشهر أنواع القهوة؟ ومن أكثر الدول إنتاجًا لها؟ وكيف تحولت القهوة إلى رفيقة للأدباء والفنانين؟

اليوم العالمي للقهوة 2026.. موعد الاحتفال

يوافق اليوم العالمي للقهوة 1 أكتوبر من كل عام، وأصبح هذا التاريخ مناسبة عالمية للاحتفاء بالقهوة وبقطاعها والعاملين فيه، بداية من المزارعين وصولًا إلى المنتجين والمحمصين والمقاهي والمستهلكين.

وكان أعضاء المنظمة الدولية للقهوة قد اتفقوا في مارس 2014 على اعتماد الأول من أكتوبر موعدًا موحدًا للاحتفال باليوم الدولي للقهوة حول العالم، قبل أن تعتمد الجمعية العامة للأمم المتحدة رسميًا 1 أكتوبر يومًا دوليًا للقهوة بموجب القرار رقم 80/248 الذي صدر في مارس 2026. (International Coffee Organization⁠)

وتأتي المناسبة للتذكير بأن القهوة ليست صناعة تجارية فقط، وإنما مصدر رزق لملايين الأسر، خصوصًا في الدول النامية المنتجة للبن.

لماذا يحتفل العالم بالقهوة؟

تبدأ قصة القهوة بعيدًا عن المقاهي والمنازل؛ تبدأ من التربة والمزارع.

وتقدر الأمم المتحدة أن ما يصل إلى 25 مليون أسرة زراعية تنتج نحو 80% من البن في العالم، بينما تعد القهوة من أكثر المشروبات استهلاكًا وتداولًا على مستوى العالم.

ولهذا أصبح الاحتفال مناسبة للحديث عن أوضاع المزارعين، والاستدامة، وتغير المناخ، وسلاسل التوريد، وعدالة توزيع العائد الاقتصادي الناتج عن رحلة حبة البن من المزرعة إلى الفنجان.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن قطاع القهوة يدعم سبل عيش ملايين الأشخاص، وأن المزارع الصغيرة تمثل نسبة كبيرة من مزارع القهوة حول العالم. كما تجاوز الإنتاج العالمي للقهوة في 2024 حاجز 11 مليون طن. (⁠)

أنواع القهوة.. أرابيكا وروبوستا في المقدمة

عندما نتحدث عن أنواع القهوة، فإن أشهر نوعين على مستوى الإنتاج والتجارة العالمية هما أرابيكا Arabica وروبوستا Robusta.

وتشكل أرابيكا نحو 60% من الإنتاج العالمي وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة، بينما تتميز روبوستا عادة بمذاق أكثر قوة ومرارة وبنسبة كافيين أعلى.

ومن هذين النوعين تتفرع عشرات الاختيارات والخلطات وطرق التحضير، بحسب بلد المنشأ ودرجة التحميص وطريقة الطحن.

ومن أشهر أشكال القهوة التي يعرفها المستهلكون حول العالم:

  • القهوة العربية، وترتبط بثقافة الضيافة في عدد من البلدان العربية.
  • القهوة التركية، وتتميز بطحن البن بدرجة ناعمة جدًا وغليها مع الماء.
  • الإسبريسو، وهو أساس عدد كبير من مشروبات المقاهي الحديثة.
  • الكابتشينو، ويجمع بين الإسبريسو والحليب والرغوة.
  • اللاتيه، ويتميز بنسبة أكبر من الحليب مقارنة بالإسبريسو.
  • الأمريكانو، ويُحضّر بإضافة الماء إلى الإسبريسو.
  • القهوة المقطرة، وتعتمد على مرور الماء الساخن عبر البن المطحون.
  • القهوة سريعة التحضير، التي أصبحت من أكثر أشكال القهوة انتشارًا لسهولة إعدادها.

وهكذا لا توجد قهوة واحدة تصلح للجميع؛ فلكل مجتمع طريقته، ولكل شخص ذوقه الخاص في درجة التحميص والطحن والإضافات.

أكثر الدول إنتاجًا للقهوة

تتصدر البرازيل وفيتنام وكولومبيا قائمة أبرز الدول المنتجة للقهوة عالميًا، بينما يعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من أكبر أسواق الاستيراد والاستهلاك.

وتحتل البرازيل موقعًا بارزًا في صناعة القهوة العالمية، كما تمثل البرازيل وفيتنام معًا قرابة نصف الإنتاج العالمي وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة.

ولا تقتصر أهمية هذه الدول على حجم الإنتاج، فالقهوة بالنسبة لملايين الأسر هناك ترتبط بالزراعة والدخل وفرص العمل والتجارة المحلية والدولية.

نجيب محفوظ.. القهوة التي تحولت إلى ذاكرة أدبية

من الصعب الحديث عن علاقة الأدباء العرب بالقهوة دون التوقف طويلًا أمام نجيب محفوظ.

كان مقهى الفيشاوي في منطقة الحسين واحدًا من أشهر الأماكن المرتبطة بحياة الأديب المصري الحاصل على نوبل، حتى أصبح اسم محفوظ جزءًا من ذاكرة المكان.

وتشير مصادر رسمية وصحفية إلى أن محفوظ كان من رواد المقهى، وأنه كان يستلهم من المكان وشخصياته وأجوائه الكثير من تفاصيل عالمه الأدبي.

وفي حديث عن ذكرياته مع المقاهي، أوضح محفوظ أن القهوة كانت بالنسبة إليه مكانًا يلتقي فيه بالأصدقاء والمثقفين، ومكانًا يجلس فيه أحيانًا لمراقبة المارة والتأمل في الشخصيات من حوله، وقال إن كثيرًا من أفكار أعماله استلهمها من جلوسه في المقاهي، بينما كانت الكتابة نفسها تتم على مكتبه.

وتكشف ذكريات مقهى الفيشاوي أن محفوظ لم يكن مجرد زائر عابر؛ فقد ارتبط بالمكان لعقود، حتى أصبح أحد أركانه يحمل اسمه، وتحول المقهى لاحقًا إلى محطة يقصدها الزوار بحثًا عن أثر صاحب نوبل.

محمود درويش.. «القهوة أخت الوقت»

أما الشاعر الفلسطيني محمود درويش، فكانت علاقته بالقهوة أكثر من مجرد عادة يومية؛ فقد منحها مساحة واضحة في كتاباته وتأملاته.

وفي حديث أدبي شهير عن القهوة، وصف درويش خصوصية كل فنجان، وربط رائحة القهوة بالمكان والذاكرة، كما تحدث عنها باعتبارها مشروبًا يحتاج إلى التأني لا العجلة، وربطها بالوقت والتأمل والصحيفة والجلوس الهادئ.

ولذلك تحولت القهوة عند درويش إلى صورة شعرية تتجاوز مذاقها؛ صارت مرتبطة بالوطن والحنين والذاكرة والمكان.

وهنا يلتقي درويش مع محفوظ في نقطة مختلفة: القهوة ليست مجرد مشروب بالنسبة إلى الكاتب، وإنما مساحة للتأمل ومراقبة الحياة واستدعاء الذاكرة.

القهوة والفن.. مقاهٍ احتضنت المشاهير

لم تكن المقاهي في مصر مجرد أماكن لتناول المشروبات، بل لعبت دورًا ثقافيًا واجتماعيًا مهمًا، وجمعت على موائدها أدباء وفنانين ومثقفين وسياسيين.

ويضم تاريخ مقهى الفيشاوي أسماء عديدة من الأدباء والفنانين الذين ارتبطوا بالمكان، من بينهم أم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش، إلى جانب نجيب محفوظ وشخصيات ثقافية وسياسية أخرى.

وكانت المقاهي القديمة مساحة للقاء وتبادل الأفكار والاستماع إلى الغناء والنقاش حول الأدب والسياسة والفن، وهو ما جعلها جزءًا من الذاكرة الثقافية المصرية.

القهوة.. طقس اجتماعي قبل أن تكون مشروبًا

في مصر والعالم العربي، ارتبطت القهوة كذلك بفكرة الضيافة، فالفنجان الصغير يمكن أن يكون بداية حديث طويل، أو وسيلة للترحيب بضيف، أو لحظة صمت يحتاجها الإنسان بعد يوم طويل.

وفي المقاهي، تحولت القهوة إلى طقس اجتماعي؛ يجلس الناس حولها للحديث والقراءة ومتابعة الأخبار واللقاء بالأصدقاء، بينما ارتبطت عند الكتاب والفنانين بلحظات التفكير والكتابة ومراقبة الناس.

ولعل هذا أحد أسرار استمرار القهوة؛ فهي لا تقدم مذاقًا واحدًا فقط، وإنما تقدم تجربة تختلف باختلاف الشخص والمكان والذاكرة.

من حبة البن إلى الفنجان.. رحلة عالمية

وراء الفنجان الذي يصل إلى المستهلك سلسلة طويلة من العمل تبدأ بالزراعة والحصاد، ثم التجفيف والمعالجة والفرز والتجارة والتحميص والطحن، وصولًا إلى طريقة التحضير.

وتؤكد الأمم المتحدة أن كل مرحلة من هذه الرحلة تؤثر في جودة القهوة، وفي استخدام المياه والطاقة، وفي العائد الذي يصل إلى المنتجين، ولذلك أصبح مستقبل القهوة مرتبطًا كذلك بالاستدامة والقدرة على مواجهة تغير المناخ.

فارتفاع درجات الحرارة وتغير معدلات الأمطار والآفات وأمراض النباتات كلها عوامل يمكن أن تؤثر في المزارع والمحصول، وهو ما يجعل الحديث عن القهوة اليوم يتجاوز حدود الذوق إلى قضايا البيئة والاقتصاد وسبل العيش.

اليوم العالمي للقهوة.. فنجان يحمل ذاكرة العالم

في الأول من أكتوبر، لا يحتفل العالم بمشروب فحسب، وإنما يحتفي برحلة كاملة تبدأ من يد المزارع وتنتهي بين يدي المستهلك.

قهوة البرازيل، وقهوة فيتنام، وقهوة كولومبيا، والقهوة العربية والتركية والإسبريسو، كلها صور مختلفة لمنتج واحد استطاع أن يعبر الحدود والثقافات.

وبالنسبة إلى الأدباء والفنانين، كان للفنجان حكاية أخرى؛ نجيب محفوظ وجد في المقهى عالمًا من البشر والشخصيات، ومحمود درويش وجد في رائحة القهوة ذاكرة ومكانًا ووقتًا.

وهكذا تظل القهوة، في اليوم العالمي لها، أكثر من مجرد مشروب صباحي؛ إنها ذاكرة تُحتسى، وطقس اجتماعي، وصناعة عالمية، ورفيقة للكاتب والفنان، وحكاية تبدأ بحبة صغيرة ولا تنتهي عند آخر رشفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى