محمد عاشور: أم كلثوم كانت تستمع لمصطفى إسماعيل.. والسميعة حفظوا تاريخ دولة التلاوة (حوار)

حوار: نعمات مدحت

هناك تاريخٌ كامل لم يُكتب بالحبر وحده، وإنما حُفظ في الأسطوانات القديمة، وفي شرائط التسجيل، وفي ذاكرة رجال كانوا يجلسون بالساعات أمام أصوات القراء، يميزون مقامًا من مقام، ورواية من رواية، وتلاوة من أخرى. هؤلاء هم «السميعة»؛ شهود عصرٍ لم يكونوا مجرد جمهور، بل كانوا جزءًا من صناعة الذائقة وحفظ الذاكرة الصوتية المصرية.

ومن هذه الزاوية يفتح الكاتب والباحث محمد محمود عاشور أبواب كتابه «مائة عام من حكايات المشايخ والسميعة»، ليعيد رسم ملامح «دولة التلاوة» المصرية بعيدًا عن السير التقليدية والتواريخ الجافة، بدءًا من الشيخ أحمد ندا، مرورًا بمحمد رفعت وعلي محمود وعبد الباسط والحصري والمنشاوي ومصطفى إسماعيل، وصولًا إلى سؤال المستقبل: هل ما زالت دولة التلاوة قائمة؟ أم أننا أمام فصل جديد يحتاج إلى من يكتبه؟

وفي هذا الحوار، يكشف عاشور كيف كان كبار القراء يتفاعلون مع المناخ الفني المحيط بهم، وكيف استمع مصطفى إسماعيل إلى أم كلثوم وأسمهان وصالح عبد الحي، وما الذي تكشفه حكاية أم كلثوم مع آية «ما سلككم في سقر» عن العلاقة بين المقام والمعنى، كما يتوقف عند أسرار التسجيلات النادرة، وكيف كان «السميع» ناقدًا حقيقيًا يمتلك أذنًا وذاكرة ومعايير خاصة.

حوار لا يستعيد فقط حكايات المشايخ، بل يبحث في الإنسان الذي كان خلف الصوت، والسميع الذي حفظ الصوت، والذاكرة التي صنعت من التلاوة تاريخًا لا يزال حيًا حتى اليوم، وإلى نص الحوار..

في البداية.. لماذا اخترت عنوان «مائة عام من حكايات المشايخ والسميعة»؟ وماذا أردت أن تقول عن دور «السميعة» تحديدًا في صناعة دولة التلاوة؟

اخترتُ عنوان: “مائة عام من حكايات المشايخ والسميعة” لأنني لم أرد أن أكتب تاريخًا جافًا للتلاوة أو أن أقدم مجرد سير لأشهر المشايخ، وهي موضوعات قُتلت بحثا ودراسة، وإنما أردت أن أحكي قرنًا كاملًا من الذاكرة الشعبية التي ارتبطت بالقرآن وتلاوته وأصوات رجاله؛ فالمشايخ هم أبطال هذه الحكاية، لكن “السميعة” كانوا جزءًا أساسيًا منها؛ لأنهم لم يكونوا مجرد مستمعين يجلسون في مواجهة الشيخ، بل كانوا أصحاب ذائقة ووعي وقدرة على التمييز بين المقامات والأداء والأساليب.
والعنوان في جوهره يعبّر عن علاقة متبادلة بين الشيخ وجمهوره؛ فالشيخ يصنع التلاوة بصوته وأدائه، والسميعة يمنحونها الحياة والانتشار، ويحتفظون بها في الذاكرة ويتناقلونها من جيل إلى جيل؛ لذلك رأيت أن الحديث عن “دولة التلاوة” لا يكتمل من دون أن نستعيد بعضًا من حكايات هؤلاء السميعة، الذين كانوا شهودًا حقيقيين على هذا التاريخ وصانعين لجزء مهم من ذائقته.

تبدأ من أحمد ندا وتصل إلى أجيال من كبار القراء.. أين تضع نقطة البداية الحقيقية لدولة التلاوة المصرية؟ ولماذا؟
أضع نقطة البداية الحقيقية لدولة التلاوة المصرية عند الشيخ أحمد ندا، ليس لأنه أول من تلا القرآن بصوت مسموع أمام الناس، وإنما لأنه يمثل، في تقديري، مرحلة الانتقال من التلاوة بوصفها ممارسة دينية واجتماعية محلية إلى فن له ملامحه وجمهوره ونجومه. مع أحمد ندا بدأت تتبلور شخصية القارئ الذي ينتظره الناس ويحرصون على الاستماع إليه، ثم جاءت أجيال متعاقبة طورت هذا التراث، من علي محمود ومحمد رفعت إلى عبد الباسط والحصري والمنشاوي ومصطفى إسماعيل وغيرهم. لذلك فـ”دولة التلاوة” لم تولد مكتملة، وإنما تشكلت تدريجيًّا، وكان أحمد ندا أحد أهم أحجار أساسها، قبل أن يتسع بنيانها وتترسخ مع الإذاعة وتطور وسائل التسجيل والانتشار الجماهيري.

الشيخ محمد رفعت كان أستاذًا ومُلهمًا لمصطفى إسماعيل، ومصطفى إسماعيل نفسه كان يستمع لأم كلثوم وأسمهان وصالح عبد الحي.. ماذا تكشف هذه العلاقات عن تكوين شخصية القارئ في ذلك الزمن؟
تكشف هذه العلاقات أن شخصية القارئ المصري في ذلك الزمن لم تكن تتشكل داخل المحراب وحده، وإنما في فضاء ثقافي وفني أوسع بكثير. فالشيخ كان يتعلم من شيخ سبقه، لكنه كان يستمع أيضًا إلى المطربين وأصحاب المدارس الغنائية، فيلتقط منهم أسرار الأداء والتعبير والسيطرة على المقام والإحساس بالجملة الموسيقية. ومحمد رفعت يمثل نموذجًا مهمًا في هذا السياق، ثم جاء مصطفى إسماعيل، الذي امتلك أذنًا موسيقية واسعة جعلته يستفيد من أم كلثوم وأسمهان وصالح عبد الحي، دون أن يفقد خصوصية التلاوة وروحها. وهذا يؤكد أن كبار القراء لم يكونوا بمعزل عن الحركة الفنية في عصرهم؛ بل كانوا جزءًا من مناخ ثقافي متكامل، وأن عبقرية القارئ كانت تتكون من تفاعل الموهبة مع التراث القرآني والبيئة الموسيقية والذائقة الشعبية.

في حكاية أم كلثوم ومصطفى إسماعيل وآية «ما سلككم في سَقَر»، تبدو أم كلثوم وكأنها تستمع إلى التلاوة بأذن موسيقية شديدة الحساسية.. هل كان بين كبار المطربين والقراء تواصل فني وثقافي أكبر مما نتصور؟
بالتأكيد، كان التواصل بين كبار المطربين والقراء أوسع مما نتصور، لأنهم عاشوا في بيئة فنية وثقافية واحدة، وكان لكل طرف أذن حساسة تجاه المقام والتعبير. وتكشف حكاية أم كلثوم مع مصطفى إسماعيل هذا التداخل بوضوح؛ فعندما سمعت آية «ما سلككم في سقر» تُتلى بمقام النهاوند البهيج، قالت: «ما سقر حلوة أهي!»، ثم لما سمعتها من مصطفى إسماعيل بمقام الصبا الحزين قالت: «هي دي سقر المقصودة»، بغض النظر عن تفاصيل الرواية، فهي تعبر عن معنى مهم: النغم عند القارئ ليس زينة صوتية، بل وسيلة لخدمة المعنى وإيصال الحالة الشعورية للآية، وهو ما كان يدركه كبار المطربين والقراء معًا.

توقفت عند حكايات إنسانية شديدة الخصوصية، مثل علي حزين وحبه للقهوة بالسمن البلدي.. لماذا حرصت على هذه التفاصيل الصغيرة؟ وهل ترى أنها تجعل القارئ أقرب إلى شخصية الشيخ؟
حرصت على هذه التفاصيل الصغيرة لأنها، في رأيي، هي التي تنقل الشيخ من صورته التقليدية بوصفه «صوتًا من السماء» إلى إنسان له عاداته وطباعه وذاكرته وحكاياته الخاصة، حكاية علي حزين وحبه للقهوة بالسمن البلدي قد تبدو تفصيلًا عابرًا، لكنها تكشف جانبًا من شخصيته لا يمكن أن نعرفه من خلال تلاوته أو سيرته الرسمية.

وأنا أرى أن هذه التفاصيل الإنسانية تجعل القارئ أقرب إلى الشيخ، وتمنحه فرصة لأن يراه في حياته اليومية، قبل أن يراه خلف الميكروفون أو في المحراب. كما أنني أردت أن أقول إن وراء الأصوات التي صنعت تاريخ التلاوة بشرًا لهم أفراحهم وعاداتهم وطرائفهم، وهذه الحكايات الصغيرة هي التي تجعل الذاكرة أكثر دفئًا، والتاريخ أكثر حياة.

في الكتاب حكايات عن السميعة الذين كانوا يحفظون التسجيلات النادرة ويميزون «النسخة الأصلية».. هل كان السميع في ذلك الزمن ناقدًا حقيقيًا له أدواته ومعاييره؟
نعم، إلى حد كبير، كان “السميع” في ذلك الزمن أشبه بناقد متخصص، حتى لو لم يحمل هذا الوصف رسميًا، كان يستمع إلى عشرات التسجيلات، ويقارن بين الروايات والنسخ، ويميز الفروق في الأداء والمقامات والوقف والابتداء، بل ويحفظ تفاصيل قد يغفل عنها غيره. ومع انتشار الأسطوانات ثم التسجيلات الإذاعية، أصبح لدى بعض السميعة أرشيف شخصي وذاكرة صوتية نادرة، تجعلهم قادرين على التعرف إلى النسخة الأصلية وتمييزها من التسجيلات اللاحقة أو الأقل جودة، والأهم أنهم كانوا يمتلكون معايير تشكلت من كثرة الاستماع والمعايشة المباشرة لكبار القراء، لذلك لم يكن السميع مجرد متلقٍ؛ كان جزءًا من صناعة الذائقة، ومن عملية حفظ تاريخ التلاوة وتوثيقه شفهيًا ووجدانيًا.

هناك روايات مؤثرة جدًا حول علاقة الناس بأصوات القراء، ومنها حكاية المريض الذي أصر على سماع الشيخ عبد الباسط.. كيف تعاملت مع الحد الفاصل بين الحكاية الشعبية والواقعة التي يمكن توثيقها؟
تعاملت مع هذه الحكايات بحذر، لأنني أدرك أن الذاكرة الشعبية تحتفظ أحيانًا بتفاصيل يصعب التحقق منها، لكنها في الوقت نفسه تكشف شيئًا حقيقيًا عن مكانة القارئ في وجدان الناس، لذلك حاولت قدر الإمكان التمييز بين ما له مصدر أو شاهد يمكن الرجوع إليه، وبين ما يُروى بوصفه حكاية متداولة، ولم أتعامل مع الرواية الشعبية باعتبارها وثيقة تاريخية مكتملة.

وفي حكاية المريض الذي أصر على سماع الشيخ عبد الباسط، مثلًا، قد يكون من الصعب إثبات كل تفاصيل الواقعة، لكن أهمية الحكاية تتجاوز إثباتها الحرفي؛ فهي تعبر عن علاقة وجدانية عميقة بين الناس وأصوات القراء، ولهذا حرصت على تقديم الحكايات بأمانة، مع الحفاظ على الفرق بين ما نعرفه ونستطيع توثيقه، وما بقي في الذاكرة بوصفه جزءًا من الوجدان الشعبي.

أثناء بحثك، ما الحكاية التي فاجأتك أنت شخصيًا أكثر من غيرها؟ حكاية جعلتك تعيد النظر في شخصية أحد كبار القراء؟
من أكثر الحكايات التي فاجأتني تلك التي كشفت لي جانبًا مختلفًا عن شخصية الشيخ مصطفى إسماعيل. كنت أعرفه قبل الكتاب باعتباره واحدًا من أعظم أصحاب المدارس الصوتية والموسيقية في التلاوة، لكن تتبع علاقته بالسميعة وبالفن وبأصوات المطربين جعلني أراه بصورة أكثر إنسانية واتساعًا، أكثر ما لفتني أن هذا الرجل، الذي امتلك شخصية شديدة الخصوصية في التلاوة، كان في الوقت نفسه شديد الانفتاح على ما يدور حوله من فن وثقافة، ويستمع ويتأثر ويعيد صياغة ما يسمعه بلغته الخاصة.

هذه التفاصيل جعلتني أعيد التفكير في مفهوم “القارئ الكبير”؛ فالعظمة لم تكن في قوة الصوت وحدها، وإنما في اتساع الأذن والوعي والقدرة على تحويل كل ما يمر به القارئ إلى تجربة فنية وروحية خاصة، دون أن يفقد هوية التلاوة.

تحدثت عن التسجيلات النادرة وطرق التحقق من نسبتها إلى أصحابها، خاصة من خلال البصمة الصوتية والمقامات وأسلوب الأداء.. إلى أي مدى أصبحت مهمة الحفاظ على التراث الصوتي المصري أكثر صعوبة في عصر التسجيلات الرقمية؟
أصبحت المهمة أكثر تعقيدًا؛ لأن التكنولوجيا الرقمية سهلت حفظ التسجيلات وإتاحتها، لكنها في الوقت نفسه جعلت نسخها وتعديلها وإعادة تداولها أمرًا بالغ السهولة.

في الماضي كان التسجيل النادر مرتبطًا بأسطوانة أو شريط له مصدر ومسار معروف، أما اليوم فقد تنتقل التلاوة بين عشرات النسخ، وتُقص أو تُنقّى أو تُدمج دون أن نعرف دائمًا أصلها.

لذلك لم تعد البصمة الصوتية وحدها كافية، بل نحتاج إلى مقارنة المقامات، وأسلوب الأداء، والوقف والابتداء، وجودة التسجيل، وتاريخ النسخة ومصدرها، وأعتقد أن التحدي الأكبر الآن هو بناء أرشيف موثوق يحفظ الأصل كما هو، ويوثق مصدر كل تسجيل وتاريخه، حتى لا تتحول وفرة التسجيلات الرقمية إلى سبب في ضياع النسخ الأصلية أو اختلاط نسبتها.

بعد كل هذا البحث في مائة عام من تاريخ التلاوة، هل تعتقد أن دولة التلاوة المصرية ما زالت قائمة؟ أم أننا أمام عصر جديد يحتاج إلى أن يكتب حكايته من البداية؟
أعتقد أن دولة التلاوة المصرية ما زالت قائمة، لكن صورتها تغيرت، ولم تعد أدواتها هي الأدوات نفسها التي عرفناها في زمن الإذاعة والأسطوانات.

فالأصوات الكبيرة التي صنعت هذه الدولة ما زالت حاضرة في وجدان الناس، وتُسمع يوميًا عبر التسجيلات والمنصات الرقمية، وأجيال جديدة من القراء تواصل هذا الطريق بأساليبها الخاصة، لذلك لا أرى أننا أمام حكاية تبدأ من الصفر، وإنما أمام فصل جديد من حكاية ممتدة منذ أحمد ندا ومن جاء بعده، وربما يكون التحدي الحقيقي اليوم هو كيف نحافظ على هذا التراث ونفهمه وننقله إلى الأجيال الجديدة، من دون أن يتحول الحفاظ عليه إلى تجميد للماضي، فدولة التلاوة تتغير، لكنها لم تفقد جذورها ولا حضورها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى