الناقد أحمد فرحات يكتب: فائت الأمثال
تحت عنوان فائت الأمثال ينسج فواز اللعبون مقاماته الاجتماعية الساخرة، وهو لم يسم الكتاب مقامات، ولم يشر إلى فن المقامة في الشكل الخارجي للكتاب، غير أن المضمون يشي بأنها اجتهادات في مقاربة المقامة المتعارف عليها عند العرب، القدامى والمحدثين، واكتفى بعبارة (مقاربة أدبية ساخرة) أسفل العنوان الأم(فائت الأمثال) مما يوحي من حيث الشكل الفني باقترابها من الأمثال العربية في كتب القدماء كمجمع الأمثال للميداني، أو جمهرة أمثال العرب للعسكري، أو المستقصي في الأمثال للزمخشري..
يقتفي اللعبون شكل الأمثال القديمة، فيصوغ أمثاله من واقعه، بنبرة ساخرة تارة، ونبرة هزلية تارة أخرى، وتحاكي مضمون الأمثال العربية، ونزعتها التوجيهية الإرشادية، ولعل هذا هو الهدف الأسمى للكاتب من وراء طريقة الكتابة الطريفة، فهو يرمي إلى توجيه انتقادات شديدة للمجتمع الذي أخذ في الانفلات من القيم الثابتة، والمبادئ الراسخة، فأثار ذلك حفيظته، وألهب مشاعره، فراح ينتقي من المآخذ أشدها سخرية في لغة ساخرة مسجوعة، مقنفيا أثر المقامة القديمة، ناسجا على منوالها، متخذا من المثل معادلا موضوعيا لبيان محاسن ومساوئ نواقص المجتمع ومزاياه عامة، وليس خاصة، فهو لا يقصد المجتمع القريب من محيطه بقدر ما يرمي ذلك لأغراض عامة تشغله. وفي ذلك يقول اللعبون: “والأمثال في مجموعها مستخلصة من مناحي حياتنا المعاصرة، التي وجدت فيها ما هو جدير بالالتفات، وأنوه إلى أن هذه الأمثال ليست إلا مجرد انعكاس عن الواقع العام، بحسسنه وسيئه… “.
نموذج تطبيقي: أَجور من أنثى على أنثى
عمد اللعبون إلى جَوْر الأنثى على الأنثى، فتخيل زوجة تشكو إلى زوجها جورا يقع عليها من تسلط أنثى أخرى عليها بالجامعة، حتى شاءت الأقدار وعملت الزوجة في الجامعة نفسها، ففوجئ الزوج بجور زوجته على الأخريات، وسمع عنها الكثير من الجور والغبن الواقع عليهن من زوجته، فأنشأ يقول:”وهو مثل يقال في كثير الظلم عظيمه، وفي كاره قريبه وحميمه، .. وأصل المثل أن رجلا تزوج زيجة رابعة، من فتاة تدرس في الجامعة، فكانت تشكو إليه طيش العاملات، من موظفات ومعلمات.. ثم ختم القصة بشعر له يحكي فيه القصة كاملة، ويختمه بالمثل المذكور.. فيقول:
تقول:
لو المولى اصطفاني معيدة لحرمت هذا الجور والكيد والخبثا
وكنت أسليها بعقبى اصطبراها وأبعث فيها الفأل –من طيبتي –بعثا
فلما مضت أيامها وتخرجت أفاض عظيم الجود فضلا على الغرثى
فأخفت شكاواها وأبدت شرورها وراحت تبث اللؤم من حولها بثا
وقد صدقوا .. لا شيء أطيش من فتى وأجور من أنثى لجوج على أنثى
فالمثل ومضربه وأصله حُكِي مرتين: الأولى نثرا على طريقة المقامة، في صيغ متوازية، مسجوعة، بسيطة التناول، فيها بطل رئيس هو الفتاة أو الزوجة، وفيه راو هو الزوج نفسه، وفيه سخرية هزلية، وانتقاد لبعض العادات السيئة في المجتمع، في محاولة منه لتوجيه النصح إلى السيدات اللائي يجُرنَ على أخريات لسبب أو لآخر. ومرة أخرى تمت صياغة المثل شعرا، جمع فيه الراوي كل أسلحته الفنية لتصوير العالم الساخر للفتاة، فاختار اللعبون نغم الطويل ليضمنه فحوى القصة، وقافية مطلقة (انثى-بثا-غرثى-إرثا ..) كما وظف الحوار (وقالت وقلت) ليمنح الأبيات بعد دراميا، موظفا أيضا خصائص الشعر الكلاسيكي المتعارف عليها كرد العجز على الصدر في البيت الأول:
رثيت لها إذ طال بوح شكاتها من الغبن، والمغبون لابد أن يرثى
وينبغي أن نقدر أسلوب المراوغة المتبع في أمثال/مقامات اللعبون، فهو مراوغ ومخاتل إلى درجة بعيدة، فاختار عنوانا غير دال على مصطلح مقامة، ووضع أمثاله في عنوان فرعي، وسط الصفحة، وهو مَثَل مستنتج من تجاربه الحياتيه وواقعه المعاصر، مع كثافة المظهر اللغوي اللفظي التعليمي؛ فالمقامات تحمل مضمونا إنسانيا اجتماعيا، مع الحفاظ على الزركشات البلاغية واللفظية، مما يعني بجلاء إعادة تصنيع المقامة من جديد بعدما شعر المتلقون لهذا اللون بامحائه أو ندرته. يبقى أن نشير إلى اعتراف اللعبون نفسه باقتفاء أثر الحريري في مقاماته، فقال: “لن تفوتني الإشادة الطولى بصاحب البذرة الأولى الذي أفدت منه ما لا أحصي منافعه في هذه الأمثال وغيرها، وهو فارس المقامات أبو محمد القاسم بن علي الحريري ت: 516هـ-1122م”.
يثير اللعبون بأمثاله/ مقاماته قضية تلقي النص الإبداعي، مما يجدر بنا أن نؤكد على أن اللعبون هو القارئ الأول لنصه، ويدرك ماهيته وجنسه، فلماذا لجأ إلى عنوان مخاتل؟ فالأمثال فن قائم برأسه في التاريخ الأدبي للعرب، وكذا الخطابة والوصايا، والمقامة، فما الذي دعا اللعبون للمراوغة؟ هل لأن العرب المعاصرين لم يكن يهتمون بهذا الفن القديم الجديد؟ أعني المقامة، فراح يعنون كتابه بفن متأصل في وجدان العرب؟ أما متلقو هذا الفن القديم الجديد من معاصريه فأكدوا أنهم بصدد مقامات جديدة عصرية، مما حدا بالدكتور عبد الله الحيدري أن يعد فائت الأمثال كتابافي فن المقامة.



