ما وراء قاعات المحاضرات.. حكايات المعرفة داخل مكتبة الجامعة الأهلية بالبحرين

صوت الأهلية – البحرين

في هدوء المكتبة، وبين رفوف الكتب وشاشات الحواسيب، تبدأ حكايات جامعية لا ترويها جداول المحاضرات وحدها، يجلس طالب أمام حاسوبه، يراجع الملاحظات التي دوّنها خلال محاضرته الأخيرة، ثم يفتح نافذة جديدة بحثًا عن مرجع يساعده على فهم فكرة استعصت عليه.

وعلى مقربة منه، قد تنشغل طالبة بمراجعة مصادر مشروع تخرجها، تقارن بين دراسة وأخرى، وتعيد ترتيب أفكارها استعدادًا لكتابة فصل جديد، وفي زاوية أخرى، يبحث أحد الطلاب عن مقالة علمية حديثة تدعم فرضيته البحثية، بينما يواصل آخر قراءة مرجع إلكتروني قبل موعد تسليم تكليفه الأكاديمي.

إنها صورة يومية مألوفة في الحياة الجامعية، لكنها تكشف جانبًا مهمًا من رحلة التعليم؛ فالمعرفة لا تنتهي عند خروج الطالب من قاعة المحاضرات، بل تبدأ مرحلة أخرى من السؤال والبحث والمراجعة والتفكير.

وفي الجامعة الأهلية بمملكة البحرين، تمثل المكتبة إحدى المساحات التي يمكن أن تتواصل فيها هذه الرحلة، من خلال مصادر المعرفة التقليدية والرقمية والخدمات التي تدعم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس في دراستهم وأبحاثهم.

11 ألف كتاب إلكتروني تفتح أبواب المعرفة

وراء الهدوء الذي يميز المكتبة الجامعية، تتحرك رحلة أخرى عبر الشاشات وقواعد البيانات؛ رحلة لا تتقيد بكتاب واحد أو رف محدد، بل تتيح للطالب الوصول إلى مصادر متنوعة تساعده على استكشاف موضوعه من زوايا متعددة.

وبحسب البيانات المنشورة على صفحة المكتبة الرقمية في الموقع الرسمي للجامعة الأهلية، توفر المكتبة الوصول إلى أكثر من 11 ألف كتاب إلكتروني، إلى جانب أكثر من 2.5 مليون مقالة في الدوريات الإلكترونية والمواد المرجعية، من خلال مجموعة من قواعد البيانات والمصادر الأكاديمية المتخصصة.

وتمنح هذه الموارد الطالب فرصة لتجاوز حدود البحث العام عبر الإنترنت، والوصول إلى محتوى أكاديمي أكثر تخصصًا، يمكن الاستفادة منه في إعداد الأوراق البحثية ومشروعات التخرج ومراجعة الدراسات السابقة، كما تتيح لأعضاء هيئة التدريس والباحثين الوصول إلى مصادر تدعم إعداد الأبحاث ومتابعة المستجدات العلمية في مجالات تخصصهم.

ولعل ما يميز المكتبة الرقمية أنها تختصر المسافة بين السؤال والمصدر؛ فبدلًا من الاكتفاء بنتائج البحث العامة، يستطيع الطالب استخدام قواعد البيانات الأكاديمية للوصول إلى دراسات ومقالات وكتب ترتبط مباشرة بموضوعه، مع الاستفادة من أدوات البحث المتقدم التي تساعده على تضييق النتائج واختيار المواد الأكثر صلة.

ولا يتعلق الأمر بعدد الكتب والمقالات فحسب، بل بقدرة الطالب على تحويل هذه المصادر إلى معرفة حقيقية؛ أن يقرأ، ويقارن، ويحلل، ويميز بين المعلومات، ثم يوظف ما توصل إليه في بناء فكرة أو الإجابة عن سؤال بحثي.

من شاشة الحاسوب إلى مشروع تخرج متكامل

لنتخيل طالبًا يستعد لإعداد مشروع تخرجه، وقد بدأ بالفعل في تحديد موضوعه، لكنه اكتشف أن كتابة البحث ليست مجرد جمع للمعلومات المتناثرة، عليه أن يعرف ما الذي كُتب من قبل، وما الجوانب التي تناولتها الدراسات السابقة، وأين يمكن أن يجد معلومات موثوقة تساعده على تطوير فكرته.

في هذه اللحظة، تتحول المكتبة الرقمية من خدمة إلكترونية إلى أداة أساسية في رحلته الأكاديمية، حيث يبدأ الطالب باختيار الكلمات المفتاحية المناسبة، ثم يجرّب أكثر من صيغة للبحث، ويستبعد النتائج البعيدة عن موضوعه، قبل أن ينتقل إلى قراءة المصادر الأكثر ارتباطًا بسؤاله.

وقد يحتاج إلى العودة إلى دراسة سابقة للتحقق من نتيجة، أو مقارنة استنتاجات باحثين، أو العثور على مرجع يفسر ظاهرة يعمل على دراستها. ومع كل خطوة، يتعلم أن البحث العلمي لا يقوم على العثور على إجابة سريعة، بل على بناء فهم متماسك يستند إلى مصادر يمكن الرجوع إليها والتحقق منها.

وتكتسب هذه المهارات أهمية خاصة في ظل تنوع التخصصات الجامعية وتسارع التطورات العلمية والتكنولوجية؛ فالوصول إلى المعلومة لم يعد التحدي الوحيد، وإنما أصبح التحدي الحقيقي هو معرفة كيفية تقييمها، وتحديد مدى موثوقيتها، واستخدامها بطريقة صحيحة مع الالتزام بقواعد التوثيق والأمانة العلمية.

يوم البحث العلمي 2026.. المعرفة تحتاج إلى مهارة

لم يقتصر اهتمام الجامعة الأهلية على إتاحة الموارد الأكاديمية، بل امتد إلى تدريب المستفيدين على استخدامها والاستفادة منها في أعمالهم الدراسية والبحثية.

وفي 10 مارس 2026، نظمت الجامعة فعالية «يوم البحث العلمي 2026» عبر منصة Microsoft Teams، ونشرت تقريرًا عنها في 22 أبريل من العام نفسه، وجاءت الفعالية بقيادة مديرة المكتبة السيدة مناير نصيب، وقدمت أمينة المكتبة تشونا ماري نيمياغا جلسات تدريبية تفاعلية حول الاستخدام الأمثل لقواعد البيانات الأكاديمية التي تشترك بها .

تضمنت الفعالية خمس جلسات تدريبية تناولت مهارات البحث الأساسية، والتصفح داخل قواعد البيانات، والوصول إلى المقالات المحكمة والدوريات العلمية، والاطلاع على النصوص الكاملة، وتحسين استراتيجيات البحث المستخدمة في المشروعات الدراسية ومشروعات التخرج.

وشملت الموارد التي تناولها التدريب قواعد EBSCOhost، والمكتبة الرقمية لجمعية الحاسوب التابعة لمعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات IEEE Computer Society Digital Library، ومنصة المنهل الأكاديمية Al Manhal Academic Complete.

وتوضح هذه المبادرة أن المكتبة لا تؤدي دورًا يقتصر على توفير الكتب والمراجع، بل تسهم أيضًا في تعريف الطلاب بالأدوات التي تساعدهم على الاستفادة من مصادر المعرفة، فامتلاك إمكانية الوصول إلى ملايين المقالات لا يحقق الفائدة المرجوة وحده، ما لم يمتلك الطالب المهارات التي تمكنه من الوصول إلى المادة المناسبة وتقييمها وتوظيفها.

ومن هنا تبرز أهمية التدريب المستمر على استخدام الموارد الرقمية، خصوصًا للطلاب الذين يخوضون تجاربهم البحثية الأولى، ويحتاجون إلى الانتقال من جمع المعلومات إلى تنظيمها وتحليلها وتقديمها في صورة علمية واضحة.

المكتبة مساحة أخرى للتعلم

قد تبدو المكتبة للزائر مكانًا هادئًا تحكمه الكتب والمراجع، لكن ما يحدث داخلها يتجاوز القراءة الفردية؛ فهي مساحة يراجع فيها الطالب أفكاره، ويستعد للامتحانات، ويعمل على مشروع جماعي، ويكتشف موضوعات جديدة لم يتناولها المقرر الدراسي بالتفصيل.

وفي مثل هذه البيئة، تصبح القدرة على التركيز وتنظيم الوقت واختيار المصدر المناسب جزءًا من التجربة الجامعية نفسها، وقد يبدأ الطالب زيارته بحثًا عن مرجع واحد، ثم يقوده ذلك المرجع إلى دراسة أخرى، ومنها إلى سؤال جديد يفتح أمامه مسارًا مختلفًا للتفكير.

وتساعد الموارد الرقمية على توسيع هذه التجربة، لأنها تمنح المستفيدين فرصًا للوصول إلى المواد الأكاديمية وفق الخدمات والصلاحيات التي توفرها المكتبة. كما يتيح الفهرس الإلكتروني التعرف إلى المقتنيات والخدمات المتاحة، بدلًا من الاعتماد على البحث اليدوي وحده.

وتزداد أهمية هذا الدور عندما تتكامل خدمات المكتبة مع جهود أعضاء هيئة التدريس؛ فإرشاد الطالب إلى المصادر المناسبة، وتوضيح طرق توثيقها، ومساعدته على تطوير أسئلته البحثية، كلها عوامل يمكن أن تعزز الصلة بين ما يتعلمه في المحاضرة وما يكتشفه بنفسه خارجها.

المعرفة الرقمية ومسؤولية التحقق

في عصر تتدفق فيه المعلومات عبر المواقع والمنصات الرقمية، لم تعد المشكلة في العثور على إجابة بقدر ما أصبحت في معرفة ما إذا كانت الإجابة صحيحة، وما المصدر الذي تستند إليه، وهل تتفق مع الأدلة المتاحة أم تتعارض معها.

وهنا تكتسب المكتبات الجامعية أهمية تتجاوز توفير الكتب والمقالات، إذ يمكن أن تسهم في تنمية الثقافة المعلوماتية لدى الطلاب، وتعريفهم بالفارق بين المحتوى العام والمصادر الأكاديمية المحكمة، وكيفية التحقق من بيانات النشر، والرجوع إلى النصوص الأصلية، وتوثيق الاقتباسات.

كما يحتاج الطالب إلى إدراك أن وجود دراسة في قاعدة بيانات أكاديمية لا يعفيه من قراءتها قراءة نقدية، وفهم منهجيتها ونتائجها وحدودها، قبل الاعتماد عليها في بحثه، فالمعرفة العلمية لا تقوم على تكديس المراجع، وإنما على حسن اختيارها وفهمها وربطها بالسؤال الذي يسعى الباحث إلى الإجابة عنه.

ومن هذا المنطلق، يمكن للتدريب على استخدام قواعد البيانات أن يمثل خطوة مهمة في بناء طالب أكثر استقلالية في التعلم، وأكثر قدرة على التعامل مع المعلومات بمسؤولية، سواء خلال دراسته الجامعية أو في حياته المهنية لاحقًا.

ما وراء قاعات المحاضرات.. استثمار في الإنسان

تكشف تجربة المكتبة الرقمية في الجامعة الأهلية عن جانب من التحول الذي يشهده التعليم العالي، حيث تتكامل قاعات الدراسة مع الموارد الإلكترونية والتدريب البحثي، لتوفير فرص أوسع أمام الطلاب وأعضاء هيئة التدريس للوصول إلى المعرفة والاستفادة منها.

فالأرقام المنشورة، التي تشير إلى أكثر من 11 ألف كتاب إلكتروني وأكثر من 2.5 مليون مقالة في الدوريات الإلكترونية والمواد المرجعية، تعكس اتساع الموارد المتاحة عبر المكتبة الرقمية، لكن القيمة الأعمق لهذه الإمكانات تتجسد في كيفية استخدامها، ومدى قدرتها على مساعدة الطلاب في تطوير مهارات البحث والتفكير النقدي وإعداد مشروعات علمية أكثر جودة.

وتبقى المكتبة، في نهاية المطاف، أكثر من مكان للقراءة أو منصة للوصول إلى الكتب والمقالات؛ إنها مساحة يتعلم فيها الطالب كيف يسأل قبل أن يجيب، وكيف يتحقق قبل أن يقتنع، وكيف يحول المعلومة إلى فهم، والفهم إلى معرفة قابلة للتطوير.

وبين كتاب إلكتروني يفتح نافذة على فكرة جديدة، ومقالة علمية تساعد على حل إشكالية بحثية، وجلسة تدريبية تكشف طريقة أكثر دقة للوصول إلى المصادر، تتشكل ملامح تجربة جامعية لا تتوقف عند حدود المحاضرة، بل تمتد إلى رحلة مستمرة من الاكتشاف والتعلم.

فما وراء قاعات المحاضرات، لا توجد كتب ومراجع فحسب، بل توجد الخطوات الأولى لباحث جديد، وفكرة تنتظر من يختبرها، ومعرفة تبدأ بسؤال وقد تنتهي بإضافة حقيقية إلى المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى