مهرجان البحرين السينمائي الدولي.. هل تنجح المملكة في استقطاب صناعة الأفلام العربية والعالمية؟

تستضيف مملكة البحرين هذه الأيام فعاليات مهرجان البحرين السينمائي الذي شهد تفاعلًا كبيرًا من جانب رواد التواصل الاجتماعي، وسط حضور نخبة من ألمع نجوم الفن في العالم، حيث لم تعد مهرجانات السينما مجرد مناسبات لعرض الأفلام وتكريم النجوم، بل أصبحت منصات لاكتشاف المواهب وبناء الشراكات وتحريك الصناعات الإبداعية، وهو ما تسعى مملكة البحرين إلى ترسيخه من خلال الدورة السادسة من مهرجان البحرين السينمائي الدولي 2026، التي تحمل تطورًا لافتًا في مسيرة المهرجان مع انفتاح مسابقته الرسمية على المشاركات الدولية للمرة الأولى.

وتكشف أرقام الدورة الحالية عن اتساع واضح في نطاق المشاركة الفنية؛ حيث استقبل المهرجان 894 فيلمًا من 55 دولة، مقارنة بـ686 فيلمًا من 25 دولة في الدورة الخامسة عام 2025، بزيادة تقارب 30% في عدد الأفلام المتقدمة، وأكثر من ضعف عدد الدول المشاركة، ويعكس هذا التطور تنامي الاهتمام بالمهرجان، ويضع أمام المنظمين فرصة لتحويل هذا الحضور الدولي إلى تعاون سينمائي ومشروعات إنتاجية أكثر استدامة.

وتقام الدورة السادسة خلال الفترة من 5 إلى 10 نوفمبر 2026، وينظمها نادي البحرين للسينما بالشراكة مع وزارة الإعلام، في خطوة تستهدف تعزيز حضور البحرين على خريطة المهرجانات السينمائية، وتوسيع فرص التواصل بين صناع الأفلام المحليين والعرب ونظرائهم من مختلف أنحاء العالم.

من مهرجان محلي إلى مساحة دولية للتنافس

ويمثل التحول إلى المسابقة الدولية أبرز ملامح الدورة السادسة، بعدما كانت المشاركات في الدورات السابقة ذات نطاق إقليمي أضيق. ويمنح هذا التوسع المهرجان فرصة لاستقبال تجارب سينمائية متنوعة، ويفتح المجال أمام الجمهور البحريني للاطلاع على مدارس مختلفة في صناعة الأفلام، كما يتيح للمخرجين والمنتجين المحليين الاحتكاك بتجارب وأساليب جديدة.

كما توضح الأرقام مسار النمو الذي شهده المهرجان منذ انطلاقته؛ فقد استقبلت دورته الأولى عام 2021 نحو 450 فيلمًا، ثم 430 فيلمًا في الدورة الثانية عام 2022، و476 فيلمًا في الدورة الثالثة عام 2023، و481 فيلمًا في الدورة الرابعة عام 2024، قبل أن يرتفع العدد إلى 686 فيلمًا في الدورة الخامسة عام 2025، وصولًا إلى 894 فيلمًا في الدورة الحالية.

ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على حجم المشاركة، بل تمتد إلى تنوع مصادر الأفلام والفرص التي يمكن أن تتيحها لصناع السينما البحرينيين، خصوصًا إذا نجح المهرجان في تحويل اللقاءات والعروض إلى شراكات إنتاج وتبادل خبرات ومشروعات مشتركة.

90 فيلمًا وبرامج متنوعة.. ماذا تقدم الدورة السادسة؟

تتضمن فعاليات المهرجان عرض نحو 90 فيلمًا ضمن مسابقات ومسارات سينمائية متنوعة، تشمل الأفلام البحرينية والوثائقية وأفلام التحريك وأفلام الطلبة، إلى جانب الأفلام الروائية القصيرة، بما يمنح مساحة لمختلف أشكال التعبير السينمائي، ويتيح للمواهب الشابة فرصة عرض أعمالها أمام جمهور وخبراء من خارج البحرين.

كما يتجاوز البرنامج فكرة العروض السينمائية إلى الجانب المهني والتدريبي، من خلال ورش وجلسات متخصصة تتناول مراحل صناعة الفيلم، بداية من كتابة السيناريو وتطوير المشروعات، مرورًا باختيار الممثلين وتصميم الأزياء والإنتاج، وصولًا إلى مرحلة ما بعد الإنتاج.

وتناقش الجلسات كذلك موضوعات ترتبط بمستقبل الصناعة، من بينها حقوق الملكية الفكرية، وحضور المرأة في السينما، وفرص التصوير داخل البحرين، وهي ملفات تتصل مباشرة بقدرة القطاع السينمائي على النمو وتوفير بيئة مناسبة للإنتاج المحلي والأجنبي.

وتكتسب هذه البرامج أهمية خاصة؛ لأن بناء صناعة سينمائية لا يعتمد على إقامة المهرجانات وحدها، بل يحتاج إلى كوادر مدربة في الكتابة والإخراج والتصوير والإنتاج والتسويق والتوزيع، فضلًا عن توفير فرص عملية للمواهب الجديدة حتى تتمكن من الانتقال من مرحلة التدريب إلى تنفيذ مشروعات حقيقية.

يسرا وغسان مسعود ونادر المسقطي.. تكريم النجوم والرواد

شهد افتتاح الدورة السادسة تكريم مجموعة من الشخصيات التي تركت بصمة في السينما العربية والثقافة السينمائية البحرينية، وفي مقدمتها الفنانة المصرية يسرا، التي حصلت على جائزة الإنجاز مدى الحياة في السينما العربية، تقديرًا لمسيرتها الفنية الممتدة لنحو خمسة عقود.

كما كرم المهرجان الفنان السوري غسان مسعود بجائزة الإسهام العربي المتميز في السينما العالمية، تقديرًا لتجربته الفنية وحضوره في الأعمال السينمائية العربية والدولية، إلى جانب تكريم نادر المسقطي بجائزة الريادة في الثقافة السينمائية البحرينية، تقديرًا لدوره في تأسيس نادي البحرين للسينما عام 1980 وإسهاماته في نشر الثقافة السينمائية بالمملكة.

وتعكس هذه التكريمات توجهًا يجمع بين الاحتفاء بالأسماء التي أسهمت في تشكيل الذاكرة السينمائية، وتقديم نماذج ملهمة للأجيال الجديدة من صناع الأفلام، بما يربط تاريخ السينما بمستقبلها ويمنح المواهب الشابة فرصة التعرف إلى تجارب راسخة في المجال.

هل تمتلك البحرين مقومات صناعة سينمائية متكاملة؟

السؤال الأهم الذي تطرحه الدورة السادسة لا يتعلق فقط بقدرة البحرين على استضافة مهرجان دولي، وإنما بمدى إمكانية تحويل هذا الحدث إلى بوابة لتطوير صناعة سينمائية متكاملة داخل المملكة.

فارتفاع عدد الأفلام المتقدمة للمشاركة يعد مؤشرًا إيجابيًا على اتساع نطاق المهرجان، لكنه لا يكفي وحده للحكم على تحول البحرين إلى مركز إقليمي للإنتاج السينمائي، ويتطلب تحقيق ذلك وجود منظومة متكاملة تشمل تمويل المشروعات، وتسهيل إجراءات التصوير، وتوفير الاستوديوهات والخدمات الفنية، ودعم شركات الإنتاج، وتطوير مهارات العاملين في مختلف مراحل الصناعة.

كما تبرز أهمية بناء شراكات مع شركات الإنتاج والتوزيع والمنصات الرقمية والمهرجانات الدولية، بما يساعد الأفلام البحرينية على الوصول إلى أسواق أوسع، ويمنح المبدعين المحليين فرصًا حقيقية لتسويق أعمالهم خارج الحدود.

وفي هذا السياق، أكد المدير الفني للمهرجان عمار زينل أن التوجه الدولي للدورة السادسة يأتي ضمن رؤية تستهدف تطوير صناعة الفيلم البحريني وإيصال الصوت السينمائي المحلي إلى العالم، من خلال فتح مساحات للتعاون والتفاعل مع تجارب سينمائية من دول مختلفة.

وتنسجم هذه الرؤية مع توجه نادي البحرين للسينما، الذي تأسس عام 1980 بوصفه مؤسسة ثقافية غير ربحية معنية بنشر الثقافة السينمائية ودعم الحركة المحلية، وهو ما يمنح المهرجان امتدادًا مؤسسيًا وثقافيًا يتجاوز حدود دوراته السنوية.

من نجاح المهرجان إلى بناء صناعة مستدامة

وتمنح الدورة السادسة من مهرجان البحرين السينمائي الدولي المملكة فرصة مهمة لتعزيز حضورها الثقافي والسينمائي، خاصة مع استقبال مئات الأفلام من عشرات الدول، وتوسيع المسابقة لتصبح دولية، وإضافة برامج تدريبية ومهنية تستهدف صناع الأفلام.

غير أن الرهان الحقيقي يبدأ بعد انتهاء العروض والفعاليات، من خلال قدرة الجهات المعنية على استثمار شبكة العلاقات والخبرات التي يوفرها المهرجان، وتحويلها إلى مشروعات إنتاج وتعاون وتدريب وفرص عمل للمواهب البحرينية.

مهرجان البحرين السينمائي الدولي، فامتلاك مهرجان دولي ناجح  مثل هذا يعد خطوة مهمة، لكن التحول إلى محطة إقليمية لصناعة السينما يحتاج إلى استمرارية في الدعم والاستثمار، وبنية إنتاجية قادرة على استقطاب المشروعات، وسوق تتيح للأفلام الوصول إلى الجمهور، وبين اتساع المشاركة الدولية والطموح إلى تطوير الإنتاج المحلي، تبدو البحرين أمام فرصة حقيقية للانتقال من استضافة السينما العالمية إلى المشاركة الفاعلة في صناعتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى