منوعات

ما أول وآخر وقت ذبح الأضحية؟.. تعرف على آراء الفقهاء وحكم الذبح بعد أيام التشريق

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك يزداد التساؤل بين المسلمين حول الوقت الصحيح لذبح الأضحية، خاصة في ظل الزحام الشديد على الجزارين خلال أيام العيد، وهو ما يدفع البعض إلى التفكير في الذبح قبل صلاة العيد أو تأخير الذبح إلى ما بعد أيام التشريق، وقد تناول الفقهاء هذه المسألة بالتفصيل، موضحين بداية وقت الأضحية ونهايته، مع بيان اختلاف المذاهب الفقهية في تحديد المدة المسموح فيها بذبح الأضاحي وفقًا للأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية.

ما أول وآخر وقت ذبح الأضحية؟.. تعرف على آراء الفقهاء وحكم الذبح بعد أيام التشريق

سائل يقول: في قريتنا يزدحم الناس في الأضحى على الجزارين من أجل ذبح الأضاحي، فيلجأ البعض إلى ذبح أضحيته ليلة العيد لأجل ذلك، وربَّما أخَّر بعضنا ذبحها عن ثالث أيام التشريق؛ فأفيدونا -بارك الله فيكم- ما أول وآخر وقت الأضحية؟

الجـــــــــــــــــــــــــــــواب:

الأضحية: هي اسمٌ لما يذبح أيام النَّحر بنية القربة لله تعالى.

والأضحية شعيرة من شعائر الدِّين، وسنة من سنن المرسلين؛ قال تعالى: ﴿وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ﴾ [الحج: 36]، وهي من العبادات التي وقَّت لها الشرع الشريف وقتًا معلومًا مختصًّا بها؛ فقال تعالى: ﴿لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٍ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]، وقال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ﴾ [الكوثر: 2].

وقد اتفق الفقهاء على أنَّه لا يجزئ ذبحها قبل طلوع فجر يوم النحر؛ قال الإمام ابن المنذر في “الإجماع” (ص: 60، ط. دار المسلم): [وأجمعوا على أنَّ الضحايا لا يجوز ذبحها قبل طلوع الفجر مِن يوم النحر] اهـ.

والفقهاء مختلفون في تحديد وقت ابتداء ذبحها وانتهائه؛ فاختلفوا في وقت ابتدائها: فذهب الحنفية إلى التفريق بين أهل الأمصار وأهل البادية، فأهل الأمصار -حيث تشرع صلاة العيد- يدخل وقتها في حقِّهم بصلاة العيد؛ فمَن ذبح قبله لم يجزئه، أمَّا أهل البادية فيدخل وقتها في حقِّهم بطلوع الفجر الثاني مِن يوم النحر.

وذهب المالكية إلى أنَّ أوَّل وقتها بعد فراغ الإمام مِن ذبح أضحيته ويدخل وقتها في حقِّه بعد الصلاة والخطبة، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد.

وذهب الشافعية في المذهب إلى أنَّ وقتها يدخل بطلوع شمس يوم النحر ومضي قدر صلاة العيد وخطبتين خفيفتين، وهو رواية عن الإمام أحمد وظاهر كلام الخِرَقِي من الحنابلة.

وذهب الحنابلة في الصحيح إلى أنَّ وقتها في حقِّ أهل الأمصار يدخل بعد الصلاة -ولو قبل الخطبة-، أمَّا غير أهل الأمصار فيدخل وقتها في حقِّهم بمرور قدر الصلاة والخطبة.

وأمَّا آخر وقتها: فذهب جمهور الفقهاء؛ من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنَّ آخر وقت التضحية هو غروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق.

واستدلوا على ذلك بما رواه ابن عمر رضي الله عنهما «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث» أخرجه مسلم.

قال الإمام أبو الوليد الباجي في “المنتقى” (3/ 99، ط. السعادة): [ودليلنا من جهة السُّنَّة الحديث المتقدم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ» ومعلوم أنَّه أباح الأكل منها في أيام الذبح، فلو كان اليوم الرابع منها لكان قد حَرُم على من ذبح في ذلك اليوم أن يأكل من أضحيته] اهـ.

ويجاب عنه: بأنَّ النهي عن أكلها فوق ثلاث كان لئلَّا يدَّخرها الأغنياء، فيطعم منها الفقراء، وقد نُسخ هذا الحكم بحديث عبد الرحمن بن عابس، عن أبيه، قال: قلت لعائشة: أَنَهَى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت: «ما فعله إلَّا في عام جاع الناس فيه، فأراد أن يطعم الغني الفقير، وإن كنَّا لنرفع الكراع، فنأكله بعد خمس عشرة» قيل: ما اضطَرَّكم إليه؟ فضحكت، قالت: «ما شبع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خبز بُرٍّ مأدوم ثلاثة أيَّام حتَّى لَحِق بالله» أخرجه البخاري.

قال الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” (9/ 553، ط. دار المعرفة): [في هذا الحديث: أنَّ النهي عن ادِّخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث نُسِخَ، وأنَّ سبب النهي كان خاصًّا بذلك العام للعلَّة التي ذَكَرَتْها] اهـ.

وذهب الشافعية إلى أنَّ آخر وقت التضحية غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، وقد اختاره عددٌ من محققي المذهب.

قال الإمام النووي في “المجموع” (8/ 387- 388، ط. دار الفكر): [(وأمَّا) آخر وقتها فاتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنَّه يخرج وقتها بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق] اهـ.

وقال الشيخ ابن تيمية في “الفتاوى الكبرى” (5/ 385، ط. دار الكتب العلمية): [وآخر وقت ذبح الأضحية آخر أيام التشريق، وهو مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد] اهـ.

وقال المَرْدَاوِي في “الإنصاف” (4/ 87): [قال في “الإيضاح”: آخره آخر يوم من أيام التشريق، واختار ابن عبدوس في “تذكرته”: أن آخره آخر اليوم الثالث من أيام التشريق، واختاره الشيخ تقي الدين قاله في “الاختيارات”، وجزم به ابن رزين في “نهايته”، والظاهر: أنه مراد صاحب “الإيضاح” فإن كلامه محتمل] اهـ.

واستدلوا على ذلك بما روي عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى”.

وهذان القولان هما المشهوران في انتهاء وقت الأضحية، وهناك أقوال أخرى نُقِلت في المسألة؛ حيث قال ابن سيرين: إن الذبح مختصٌّ بيوم النحر وحْدَه؛ وقال قتادة: إن وقت التضحية يمتد إلى ستة أيام بعد يوم النحر، أو عشرة كما نقله ابن التين، وقال أبو أمامة بن سهل، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والحسن: إنه يمتد إلى آخر ذي الحجة، ويروى عن النخعي وعمر بن عبد العزيز، وبه أخذ ابن حزم.

واستدلوا على ذلك بما روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنه قال: «كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحية، فيسمنها فيذبحها بعد الأضحى آخر ذي الحجة» أخرجه البيهقي في “معرفة السنن والآثار”.

وبناءً على ذلك: فيبدأ وقت ذبح الأضحية من انتهاء الصلاة في موضع التضحية، ولو قبل الخطبة، ولو قبل انتهاء الصلاة في مواضع أخرى، والأفضل التأخير إلى ما بعد الخطبتين، والانتظار بقدر ما يسع انتهاء الصلاة؛ خروجًا مِن خلاف مَن اشترطه، والعبرة بمكان الذبح لا بمكان الموكِّل، وإذا اقتضت حاجة أو مصلحة البدء قبل ذلك جاز تقليد قول مَن يبدأ التضحية من الفجر لمن لا تُشرع لهم الصلاة.

أما آخر وقت التضحية فلا مانع من الأخذ بقول من رخَّص في استمرار الذبح إلى آخر شهر ذي الحجة ما دعت مصلحة أو حاجة إلى ذلك كأن يكون الذبح متتابعًا ولا يمكن استيعاب تمام الذبائح في الوقت الأصلي؛ بناء على أن الملحق بالشيء يأخذ حكمه، وأن التابع تابع؛ وذلك عند ظهور الحاجة الجماعية والمجتمعية من ازدياد عددها الذي يؤدي إلى صعوبة استيعاب ذبحها أو عدم الإحسان إلى الذبيحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى