في ذكرى رحيله.. عبدالعزيز الحماد «رائد التشكيل والدراما السعودية» الذي كتب «سواليف الناس» ورحل تاركًا أثرًا لا يُنسى
تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان التشكيلي والممثل السعودي الراحل عبدالعزيز الحماد، أحد الأسماء التي ارتبطت ببدايات النهضة الفنية والثقافية في المملكة العربية السعودية، وأحد الرواد الذين جمعوا بين الإبداع التشكيلي والدرامي والإذاعي في تجربة استثنائية تركت أثرًا ممتدًا في الذاكرة السعودية والخليجية.
ورغم مرور سنوات على رحيله في 17 يونيو 2010، فإن اسم عبدالعزيز الحماد ما يزال حاضرًا بوصفه واحدًا من المؤسسين الحقيقيين للحركة الفنية السعودية الحديثة، سواء من خلال لوحاته التشكيلية أو أعماله التلفزيونية والإذاعية التي أسهمت في تشكيل وجدان أجيال كاملة.
من الزلفي إلى الريادة الفنية
وُلد عبدالعزيز محمد عبدالله الحماد في محافظة الزلفي بالمملكة العربية السعودية يوم 7 يوليو 1946، وعاش طفولة صعبة بعد وفاة والده وهو في الخامسة من عمره، الأمر الذي جعله يعتمد على نفسه مبكرًا في مواجهة الحياة. وانتقلت أسرته بين عدد من المدن السعودية قبل أن تستقر في العاصمة الرياض، حيث بدأت ملامح موهبته الفنية في الظهور.
التحق بمعهد إعداد المعلمين الابتدائي بالرياض وتخرج فيه عام 1962، ثم واصل دراسته بمعهد التربية الفنية وتخرج عام 1967، قبل أن يبتعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراسته في مجالي المسرح والفنون التشكيلية، وهو ما أتاح له الاطلاع على تجارب فنية عالمية انعكست لاحقًا على أعماله.
رائد من رواد الحركة التشكيلية السعودية
لا يعرف كثيرون أن عبدالعزيز الحماد كان من أوائل الفنانين التشكيليين الذين أسهموا في تأسيس الحركة التشكيلية السعودية الحديثة.
فقد أقام أول معارضه الفنية في منتصف سبعينيات القرن الماضي بمدينة الرياض، كما تولى مسؤولية الفنون التشكيلية في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون عند تأسيسها، وكان من أبرز الداعمين للحراك التشكيلي في المملكة.
وكان يؤمن بأن الفن التشكيلي لغة حضارية قادرة على التعبير عن هوية المجتمع السعودي وتاريخه، لذلك ظل حاضرًا في مختلف الأنشطة والمعارض الفنية لعقود طويلة.
«سواليف الناس».. البرنامج الذي دخل كل بيت سعودي
إذا كان الفن التشكيلي قد صنع مكانة عبدالعزيز الحماد بين الفنانين، فإن برنامجه الإذاعي الشهير «سواليف الناس» هو الذي جعله قريبًا من الجمهور.
بدأ البرنامج عام 1970، وكان الحماد يكتبه ويخرجه بنفسه، واستمر لسنوات طويلة محققًا نجاحًا استثنائيًا، حتى أصبح من أشهر البرامج الإذاعية في المملكة.
ووفق شهادات صحفية سعودية، وصل عدد حلقات البرنامج إلى نحو 1500 حلقة، ناقش خلالها قضايا المجتمع بأسلوب بسيط وذكي وقريب من الناس، وهو ما جعل البرنامج يتحول إلى جزء من الذاكرة الشعبية السعودية.
من المسرح إلى شاشة التلفزيون
بدأ عبدالعزيز الحماد مشواره الفني من خشبة المسرح أثناء فترة دراسته، قبل أن ينتقل إلى التلفزيون في أواخر ستينيات القرن الماضي.
وكان مسلسل «الوجه الآخر» أول عمل تلفزيوني يقدمه عام 1968، وهو عمل من تأليفه، ليكشف منذ بدايته عن موهبة متعددة الجوانب تجمع بين الكتابة والتمثيل.
كما شارك في المسلسل التونسي «عمارة العجائب» عام 1969، ثم توالت أعماله التي رسخت اسمه في الدراما الخليجية.
أعمال صنعت حضوره الفني
على مدار أكثر من أربعة عقود، شارك عبدالعزيز الحماد في عشرات الأعمال التلفزيونية والإذاعية التي تركت بصمة واضحة لدى المشاهد الخليجي.
ومن أبرز أعماله: الوجه الآخر، الوهم، شقة الحرية، أساطير شعبية، أيام لا تنسى، خلك معي، شؤون عائلية، طاش ما طاش، أبجد هوز، نوادر العرب، كما عمل مؤلفًا ومخرجًا في عدد من الأعمال، ما جعله من الفنانين القلائل الذين جمعوا بين التمثيل والتأليف والإخراج.
حياة أسرية مستقرة
بعيدًا عن الأضواء، عاش عبدالعزيز الحماد حياة أسرية مستقرة، وتزوج من الإعلامية السعودية المعروفة سلوى شاكر عام 1970، وأنجب منها أربعة أبناء وابنتين. وعُرف عنه حرصه الشديد على أسرته وتمسكه بالقيم الاجتماعية التي انعكست بوضوح في أعماله الفنية والإذاعية.
معركة طويلة مع المرض
في السنوات الأخيرة من حياته، خاض الفنان السعودي الراحل معركة صعبة مع المرض، وأشارت تقارير صحفية إلى أنه كان يعاني من ورم لمفاوي في اللثة امتد لاحقًا إلى الرئة، وظل يتلقى العلاج لفترة طويلة داخل المملكة وخارجها.
وفي يونيو 2010 تدهورت حالته الصحية بصورة كبيرة أثناء تلقيه العلاج في مستشفى UPMC الجامعي بمدينة بيتسبرغ الأمريكية، حيث مكث في العناية المركزة أيامًا عدة وسط دعوات جمهوره ومحبيه بالشفاء.
الرحيل الذي أحزن الوسط الفني السعودي
في فجر 17 يونيو 2010 رحل عبدالعزيز الحماد عن عمر ناهز 63 عامًا داخل أحد المستشفيات الجامعية في ولاية بنسلفانيا الأمريكية بعد صراع طويل مع المرض.
وأثار خبر وفاته حالة واسعة من الحزن في الأوساط الفنية والثقافية السعودية، حيث نعاه الفنانون والمثقفون والإعلاميون باعتباره أحد رموز جيل الرواد الذين أسهموا في تأسيس البنية الثقافية والفنية للمملكة.
شهادات في حقه
بعد رحيله، وصفت الكاتبة السعودية حليمة مظفر عبدالعزيز الحماد بأنه “كائن صادق سبق عصره”، مؤكدة أنه ظل متمسكًا بالحياة والإبداع رغم المرض، وأن تجربته الإنسانية والفنية كانت أكبر من مجرد مسيرة ممثل أو فنان تشكيلي.
كما اعتبره كثير من الفنانين السعوديين أحد المعلمين الأوائل الذين ساهموا في فتح الطريق أمام الأجيال الجديدة من المبدعين في المسرح والتلفزيون والفنون التشكيلية.
إرث باقٍ بعد الرحيل
بعد مرور أكثر من 16 عامًا على رحيله، لا يزال عبدالعزيز الحماد حاضرًا في الذاكرة الثقافية السعودية بوصفه واحدًا من أبرز الرواد الذين جمعوا بين الفن التشكيلي والدراما والإذاعة، فقد ترك خلفه عشرات الأعمال الفنية، وآلاف الساعات الإذاعية، وتجربة إنسانية ملهمة تؤكد أن الموهبة الحقيقية لا تقف عند مجال واحد، بل تصنع أثرها أينما وجدت.
وبين لوحات الفن التشكيلي، وأضواء المسرح، وميكروفون الإذاعة، وشاشة التلفزيون، كتب عبدالعزيز الحماد اسمه بحروف بارزة في تاريخ الثقافة السعودية، ليبقى واحدًا من الوجوه التي لا تغيب عن ذاكرة الفن الخليجي.
اقرأ ايضا:




