مخرجة «الطبقة السابعة»: أردت كشف الجانب المسكوت عنه في تجربة الأمومة

  •  الطبقة السابعة : تصوير يومياتي بعد الولادة كان بداية اكتشاف الاكتئاب
  • أردت كشف الجانب المسكوت عنه في تجربة الأمومة
  • الفيلم وُلد من العزلة النفسية وليس من فكرة سينمائية مسبقة
  • الكاميرا تحولت إلى وسيلتي لفهم نفسي ومشاعري
  • الصحة النفسية للأمهات تحتاج إلى مساحة أكبر من النقاش
  •  السينما التسجيلية منحتني فرصة رواية التجربة كما عشتها
  •  أتمنى أن يرى ابني في الفيلم درسًا عن القوة والاحتواء

سلطت المخرجة أسماء الجعفري الضوء على تجربتها الشخصية مع اكتئاب ما بعد الولادة من خلال فيلمها التسجيلي «الطبقة السابعة»، مؤكدة أن العمل جاء نتيجة رحلة طويلة من التأمل والمواجهة والبحث عن الفهم، وليس مجرد توثيق لتجربة أمومة عابرة.

وفي حوارها مع جريدة الشروق، أوضحت الجعفري أن فكرة الفيلم بدأت بعد خروجها من فترة عزلة نفسية صاحبت مرحلة ما بعد الولادة، حيث كانت تلجأ إلى التصوير بشكل مستمر دون أن تدرك في البداية السبب الحقيقي وراء ذلك.

وقالت إن علاقتها بالكاميرا كانت دائمًا علاقة خاصة، موضحة أنها كانت تشعر بتحسن نفسي كلما أمسكت بالكاميرا، وكأنها وسيلة للتأمل والتعبير عن مشاعر يصعب صياغتها بالكلمات.

وأضافت أنها بعد انتهاء تلك المرحلة أدركت أن ما مرت به كان اكتئابًا حقيقيًا لما بعد الولادة، وأنها رغم خروجها من العزلة لم تكن قد تعافت بالكامل، الأمر الذي دفعها إلى إعادة النظر في المادة المصورة وتحويلها إلى مشروع سينمائي يحاول فهم الألم بدلًا من الهروب منه.

مواجهة الصورة النمطية للأمومة في الطبقة السابعة

أكدت الجعفري أن أحد أهم دوافعها لصناعة الفيلم كان مواجهة الصورة التقليدية التي تقدمها الأعمال الفنية لفترة ما بعد الولادة، والتي غالبًا ما تركز على مشاهد الاحتفال والفرح واستعادة الحياة الطبيعية بسرعة.

وأشارت إلى أن الواقع مختلف تمامًا بالنسبة لكثير من النساء، حيث تمر بعض الأمهات بتجارب معقدة ومؤلمة نفسيًا وجسديًا، لكنها تبقى غالبًا بعيدة عن النقاش العام بسبب الخوف من الأحكام المجتمعية أو الرغبة في الحفاظ على صورة الأم المثالية.

وقالت إن الفيلم جاء من منطلق المقاومة، معتبرة أن الأمهات يقمن بأدوار استثنائية ويتحملن أعباء هائلة، ومن الظلم أن تظل مشاعر الألم والإنهاك والصراع النفسي محاصرة داخل دائرة الصمت.

«الفيلم هدية لابني»

وكشفت المخرجة أن الفيلم يحمل بعدًا شخصيًا عميقًا يتعلق بابنها «ثائر»، مؤكدة أنها تعتبر العمل هدية له في المقام الأول.

وأوضحت أنها تتمنى عندما يكبر ويشاهد الفيلم أن يدرك أن والدته لم تكن ضعيفة، بل كانت تحاول فهم نفسها واستعادة قوتها من خلال الحكي والصورة والبحث.

وأضافت أن وجوده في حياتها كان سببًا في طرح أسئلة جديدة حول الأمومة والهوية والعلاقات الإنسانية، وأن الفيلم في جوهره ليس عن الألم فقط، بل عن الحب الذي يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار.

محاولة للفهم والمواجهة في آن واحد

وحول ما إذا كان الفيلم يمثل محاولة للفهم أم للتعافي، أوضحت الجعفري أن الأمر يجمع بين الاثنين، وقالت: إن السينما التسجيلية تسمح لصانعها بالاقتراب من المناطق الأكثر حساسية داخل النفس البشرية، وهو ما جعلها تواجه مشاعر كانت تخشى الاعتراف بها أو الحديث عنها.

وأضافت أنها لا تعتقد أن الفن يحقق تعافيًا كاملًا، لكنه يساعد الإنسان على الشعور بخفة أكبر تجاه جراحه، ويمنحه فرصة للتصالح مع نفسه ومع تجاربه السابقة، كما أشارت إلى أن مشاركة هذه المشاعر قد تمنح الآخرين إحساسًا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الأزمات النفسية.

كشف الذات أمام الجمهور

واعترفت الجعفري بأن تقديم تجربة شخصية بهذا القدر من الصراحة كان أمرًا مقلقًا للغاية، وأوضحت أن الخوف لم يكن مرتبطًا بكشف الذات فقط، بل بكشف العلاقات الإنسانية مع أفراد العائلة والأشخاص المقربين، وما قد يترتب على ذلك من سوء فهم أو شعور باللوم.

وقالت إن الفنان أحيانًا يتساءل ما إذا كان من حقه أن يفتح هذه المساحات الخاصة أمام الجمهور، أو إذا كان يستخدم تجارب الآخرين للحديث عن ألمه الشخصي.

ورغم هذه المخاوف، أكدت أنها توصلت مع الوقت إلى أن الصدق يمكن أن يكون شكلًا من أشكال التسامح، وأن الاعتراف بالمشاعر الحقيقية يساعد على فهم الذات بصورة أعمق.

العائلة والكاميرا

تحدثت الجعفري أيضًا عن ردود فعل المحيطين بها تجاه المشروع، مشيرة إلى أن وجود الكاميرا داخل المنزل خلال فترة الاكتئاب لم يكن مفهومًا دائمًا بالنسبة للجميع.

وقالت إن زوجها لم يكن يدرك في البداية سبب إصرارها على التصوير، وهو ما خلق نوعًا من الإحباط لديها في بعض اللحظات، أما ابنها، فقد تطورت علاقته بالكاميرا تدريجيًا حتى أصبحت جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، وهو ما انعكس على طبيعة المادة الفيلمية.

وأضافت أن عائلتها تعاملت مع المشروع بدرجات متفاوتة من الفهم والتقبل، لكن اللحظة الأهم كانت عندما شاهدت شقيقتها الفيلم وأبدت قراءة مختلفة لبعض الشخصيات العائلية التي تناولها العمل، الأمر الذي منحها شعورًا بالدعم والتفهم.

لماذا اختارت السينما التسجيلية؟

أكدت الجعفري أن اختيار الشكل التسجيلي لم يكن قرارًا فنيًا فقط، بل ضرورة فرضتها طبيعة التجربة نفسها.

وقالت إنها كانت شاهدة على الأحداث وليست مجرد راوية لها، لذلك شعرت أن السينما التسجيلية الإبداعية هي الوسيلة الأكثر صدقًا لنقل المشاعر والتجارب كما عاشتْها بالفعل.

وأوضحت أن هذا الشكل السينمائي أتاح لها استخدام الأرشيف الشخصي والعائلي والذاكرة والمشاهد اليومية، بما يعكس التجربة الإنسانية بكل تعقيداتها بعيدًا عن التجميل أو التصنع.

الصحة النفسية والوعي المجتمعي

واعتبرت الجعفري أن تجربتها مع اكتئاب ما بعد الولادة جعلتها أكثر وعيًا بأهمية الصحة النفسية وضرورة طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.

وأكدت أن اللجوء إلى الطبيب النفسي لا يجب أن يكون مصدرًا للخجل، بل خطوة طبيعية لفهم النفس والتعامل مع الضغوط قبل تفاقمها.

كما أشارت إلى أن التجربة ساعدتها على تقبل تقلبات المشاعر بوصفها جزءًا طبيعيًا من التجربة الإنسانية، لا سيما بالنسبة للنساء وما يمررن به من تغيرات جسدية ونفسية معقدة.

رسالة إلى الأمهات

واختتمت المخرجة حديثها بالتأكيد على أن «الطبقة السابعة» ليس مجرد فيلم عن اكتئاب ما بعد الولادة، بل محاولة لفتح حوار أوسع حول الصحة النفسية والأمومة والعلاقات الإنسانية.

وأكدت أن هدفها الأساسي كان كسر دائرة الصمت المحيطة بمعاناة كثير من النساء، وإيصال رسالة مفادها أن القوة لا تعني إخفاء الألم، بل الاعتراف به ومواجهته وتحويله إلى تجربة إنسانية قادرة على منح الآخرين الأمل والفهم.

اقرأ ايضا:

في ذكرى رحيله.. عبدالعزيز الحماد «رائد التشكيل والدراما السعودية» الذي كتب «سواليف الناس» ورحل تاركًا أثرًا لا يُنسى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى