في ذكرى رحيله.. رؤوف عباس حامد.. المؤرخ الذي أعاد كتابة التاريخ من قلب الناس لا من قصور السلاطين

في تاريخ الأمم أسماء تكتب الوقائع، وأسماء أخرى تصنع طريقة جديدة لفهمها. وبين الفئتين وقف المؤرخ المصري الكبير رؤوف عباس حامد باعتباره واحدًا من أبرز من أعادوا النظر في مفهوم كتابة التاريخ في مصر الحديثة.

لم يكن مجرد أكاديمي يجلس خلف الوثائق والأرشيفات، بل كان صاحب مشروع فكري متكامل نقل بوصلة البحث التاريخي من قصور الحكام والساسة إلى حياة الناس العاديين، ومن أخبار الملوك إلى قصص العمال والفلاحين والطبقات الاجتماعية التي صنعت تاريخ مصر الحقيقي.

وفي الـ 26 من يونيو من كل عام، تتجدد ذكرى رحيله، لكن حضوره الفكري يبقى حاضرًا بقوة في الجامعات وقاعات البحث العلمي وبين أجيال من المؤرخين الذين تتلمذوا على يديه.

رؤوف عباس من مساكن السكة الحديد إلى قاعات التاريخ

ولد رؤوف عباس حامد في مدينة بورسعيد يوم 24 أغسطس 1939 لأسرة مصرية بسيطة، حيث كان والده يعمل في هيئة السكك الحديدية، وهي البيئة التي شكلت مبكرًا وعيه الاجتماعي وجعلته قريبًا من هموم الطبقات الشعبية.

تنقل مع أسرته بين أكثر من مدينة وقرية مصرية، وحفظ القرآن الكريم في الكُتاب وهو طفل صغير، قبل أن يواصل رحلته التعليمية في مدارس القاهرة والمنوفية. وقد انعكست تلك التجارب المبكرة لاحقًا على اهتمامه بتاريخ المجتمع المصري لا بتاريخ النخب فقط.

عشق التاريخ منذ سنوات الدراسة

التحق بكلية الآداب بجامعة عين شمس وتخرج في قسم التاريخ عام 1961، ثم حصل على درجة الماجستير في التاريخ الحديث عام 1966 بتقدير ممتاز، قبل أن ينال درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف عن دراسته الشهيرة حول الملكيات الزراعية الكبيرة في مصر.

ومنذ سنواته الأولى كباحث، بدا واضحًا أنه يسير في طريق مختلف عن السائد؛ فقد كان يرى أن التاريخ الحقيقي لا يُكتب من خلال القرارات السياسية وحدها، بل من خلال دراسة المجتمع وتحولاته الاقتصادية والاجتماعية.

مؤسس مدرسة التاريخ الاجتماعي في مصر

يُعد رؤوف عباس الأب الروحي لمدرسة التاريخ الاجتماعي المصرية الحديثة، وهي المدرسة التي اهتمت بدراسة حياة الناس العاديين، وعلاقات الطبقات الاجتماعية، والحركة العمالية، وتطور الريف المصري، وتحولات المجتمع عبر الزمن.

وبفضل جهوده العلمية، تخرج على يديه عشرات الباحثين الذين أصبحوا فيما بعد أساتذة ومؤرخين بارزين داخل مصر وخارجها.

ولم يتوقف تأثيره عند حدود الجامعات المصرية، بل امتد إلى جامعات ومراكز بحثية في اليابان وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

المؤرخ الذي رفض تزييف التاريخ

عرف عن رؤوف عباس استقلاليته الفكرية وصلابته الأكاديمية، لم يكن من الباحثين الذين يكتبون ما يرضي السلطة أو المؤسسات، بل كان منحازًا للحقيقة التاريخية مهما كانت النتائج.

وقد وصفه كثيرون بأنه “المؤرخ النبيل”، نظرًا لمواقفه المبدئية ورفضه المجاملة على حساب العلم والمعرفة.

وكان يرى أن وظيفة المؤرخ ليست تبرير الماضي، وإنما فهمه وتحليله وكشف تناقضاته حتى تتمكن الأجيال الجديدة من بناء مستقبل أفضل.

“مشيناها خطى”.. السيرة التي كشفت المستور

من أهم ما تركه رؤوف عباس كتابه الشهير “مشيناها خطى”، وهو سيرة ذاتية استثنائية لا تروي حياة صاحبها فقط، بل تقدم شهادة مهمة على أوضاع المجتمع المصري والجامعة المصرية خلال عقود طويلة.

وفي هذا الكتاب تحدث بصراحة نادرة عن مظاهر الفساد الإداري والأكاديمي، وعن الصراعات الفكرية داخل المؤسسات التعليمية، وعن التحولات الاجتماعية التي شهدتها مصر منذ منتصف القرن العشرين.

ولذلك لم يُنظر إلى الكتاب باعتباره مجرد مذكرات شخصية، بل وثيقة تاريخية واجتماعية بالغة الأهمية.

أبرز مؤلفاته.. مشروع علمي متكامل

ترك رؤوف عباس عشرات الدراسات والأبحاث والكتب التي أصبحت مراجع أساسية للباحثين في التاريخ الحديث، ومن أشهر أعماله: الحركة العمالية في مصر، النظام الاجتماعي في مصر في ظل الملكيات الكبيرة، شخصيات مصرية في عيون أمريكية، مشيناها خطى، دراسات متعددة حول تاريخ مصر الاجتماعي والاقتصادي، وقد تميزت كتاباته بالجمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السلس، ما جعلها قريبة من القارئ العادي والمتخصص في الوقت نفسه.

معاركه الفكرية والأكاديمية

لم تكن حياة رؤوف عباس هادئة دائمًا، فالرجل الذي تمسك بالمعايير العلمية الصارمة دخل في معارك فكرية وإدارية عديدة دفاعًا عن استقلال الجامعة وحرية البحث العلمي، وكان من أشد المنتقدين لتحول بعض المؤسسات الأكاديمية إلى ساحات للمجاملات والمحسوبيات، كما دافع باستمرار عن حق الباحثين الشباب في فرص عادلة بعيدًا عن النفوذ والعلاقات الشخصية.

أستاذ في القاهرة.. ومحاضر في العالم

عمل أستاذًا للتاريخ الحديث بجامعة القاهرة، لكنه تجاوز حدود الجامعة المصرية ليصبح أستاذًا زائرًا في عدد من الجامعات العالمية، وشملت مسيرته الأكاديمية جامعات في اليابان وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وقطر والإمارات، حيث قدم محاضرات وأبحاثًا حول التاريخ المصري والعربي، وكان يؤمن بأن الحوار العلمي الدولي ضرورة لفهم التاريخ في سياقه العالمي لا المحلي فقط.

جوائز وتكريمات

حصل رؤوف عباس على عدد من الجوائز والتكريمات المهمة، من أبرزها:جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية، وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، رئاسة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، رئاسة اللجنة العلمية لدار الوثائق القومية، وقد جاءت هذه التكريمات تقديرًا لمسيرته الطويلة في خدمة التاريخ والبحث العلمي.

الإنسان خلف المؤرخ

بعيدًا عن الألقاب الأكاديمية، عرف تلاميذه وزملاؤه رؤوف عباس باعتباره إنسانًا بسيطًا ومتواضعًا، كان قريبًا من طلابه، حريصًا على تشجيع الباحثين الشباب، ومؤمنًا بأن المعرفة رسالة وليست وسيلة للوجاهة الاجتماعية، ولهذا بقي تأثيره الإنساني في نفوس من عرفوه لا يقل عن تأثيره العلمي.

الرحيل.. وبقاء الأثر

في 26 يونيو 2008 رحل رؤوف عباس بعد صراع مع المرض، تاركًا خلفه مكتبة علمية ضخمة ومدرسة فكرية لا تزال حية حتى اليوم، ورغم مرور سنوات على رحيله، فإن كثيرًا من القضايا التي ناقشها لا تزال مطروحة بقوة: علاقة التاريخ بالمجتمع، استقلال الجامعة، دور المثقف، وأهمية كتابة تاريخ الناس لا تاريخ السلطة فقط.

ويبقى رؤوف عباس حاضرًا، لأن المؤرخين الكبار لا يعيشون في كتبهم فقط، ويبقى رؤوف عباس حاضرًا لأنه علّم أجيالًا كاملة أن التاريخ ليس مجرد سرد للماضي، بل وسيلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وبين آلاف الصفحات التي كتبها، ظل منحازًا للإنسان المصري العادي، باحثًا عن صوته وسط ضجيج السياسة وصخب الأحداث.

لذلك لم يكن مجرد مؤرخ كبير، بل كان ضميرًا علميًا نادرًا، وأحد أهم العقول التي أسهمت في إعادة تشكيل الوعي التاريخي المصري خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

اقرأ ايضا:

في ذكرى رحيله.. صالح جودت شاعر الحب والكبرياء الذي حوّل وجع القلب إلى قصائد خالدة وغنّى بكلماته عمالقة الطرب العربي

غازي الحداد.. شاعر البحرين الذي حوّل القصيدة إلى ذاكرة وطنية وحسينية خالدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى