في ذكرى ميلاده.. عبدالعزيز الحماد الفنان الذي رسم ملامح الثقافة السعودية بريشته وصوته وكاميرته
لا يمكن الحديث عن بدايات الحركة الفنية الحديثة في المملكة العربية السعودية دون التوقف أمام اسم عبدالعزيز الحماد، ذلك الفنان الذي لم يكتفِ بأن يكون رسامًا أو ممثلًا أو مخرجًا إذاعيًا، بل جمع بين هذه العوالم جميعًا، ليصبح أحد أبرز الوجوه التي أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والفني السعودي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
وتحل اليوم 7 يوليو ذكرى ميلاد الفنان التشكيلي والممثل السعودي الراحل عبدالعزيز الحماد (1946-2010)، الذي يعده النقاد أحد رواد الفن التشكيلي والدراما والإذاعة في المملكة، بعدما ترك إرثًا متنوعًا ما زال حاضرًا في ذاكرة الأجيال، رغم مرور سنوات على رحيله.
من الزلفي إلى ريادة المشهد الثقافي
ولد عبدالعزيز الحماد عام 1946 في محافظة الزلفي بمنطقة الرياض، في فترة كانت الحركة الفنية السعودية لا تزال تخطو خطواتها الأولى، إلا أن شغفه المبكر بالرسم والأدب والفنون دفعه إلى تطوير موهبته ذاتيًا، قبل أن يصبح لاحقًا أحد المؤسسين الحقيقيين للمشهد التشكيلي السعودي.
وتشير وثائق جمعية الثقافة والفنون إلى أن الحماد كان أول مسؤول عن الفنون التشكيلية في الجمعية عند تأسيسها، وهو المنصب الذي لعب من خلاله دورًا بارزًا في دعم الفنانين الشباب وتنظيم المعارض الفنية وإبراز التجارب التشكيلية السعودية.
ريشة سبقت عصرها
لم يكن عبدالعزيز الحماد يرسم لمجرد إنتاج لوحات فنية، بل كان يوظف اللون والخط لتوثيق البيئة السعودية وتحولاتها الاجتماعية والثقافية.
وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي، أقام أول معرض تشكيلي له في مدينة الرياض، ليصبح واحدًا من أوائل الفنانين الذين قدموا أعمالًا احترافية في وقت كانت فيه الحركة التشكيلية السعودية لا تزال في بداياتها.
ويرى نقاد الفن أن أعماله اتسمت بالجمع بين الهوية المحلية والأسلوب الحديث، وهو ما جعله من أبرز رواد المدرسة التشكيلية السعودية في تلك المرحلة.
“سواليف الناس”.. برنامج عاش في ذاكرة السعوديين
ورغم نجاحه في الفن التشكيلي، فإن شهرته الجماهيرية ارتبطت ببرنامج “سواليف الناس”، الذي كتبه وأخرجه بنفسه للإذاعة السعودية.
واستطاع البرنامج أن يحجز مكانة خاصة في وجدان المستمعين، من خلال تناوله قضايا المجتمع السعودي بلغة بسيطة قريبة من الناس، مع الاعتماد على الحوار والدراما الإذاعية بأسلوب يجمع بين الترفيه والرسائل الاجتماعية.
ويؤكد باحثون في تاريخ الإعلام السعودي أن البرنامج يعد من أنجح البرامج الإذاعية التي عرفتها المملكة، وأسهم في ترسيخ مكانة الإذاعة كوسيلة مؤثرة في تشكيل الوعي المجتمعي.
من المسرح إلى الشاشة الصغيرة
انتقل الحماد بعد ذلك إلى المسرح، ثم التلفزيون، حيث شارك في عدد من الأعمال الدرامية التي عكست التحولات التي شهدها المجتمع السعودي.
ورغم أن رصيده التمثيلي لم يكن الأكبر مقارنة ببعض أبناء جيله، فإن حضوره اتسم بالهدوء والصدق، وهو ما جعله يحظى باحترام الجمهور وزملائه في الوسط الفني.
كما عُرف بدعمه للمواهب الجديدة، وإيمانه بأن الفن رسالة تتجاوز حدود الشهرة والنجومية.
شهادات في حقه
عقب وفاته في يونيو 2010، نعت جمعية الثقافة والفنون الفنان الراحل، مؤكدة أنه كان أحد أبرز المؤسسين للحركة التشكيلية السعودية، وأن إسهاماته تجاوزت حدود الفن لتشمل العمل الثقافي والإداري.
كما أشادت صحيفتا الرياض والجزيرة بدوره في تأسيس المشهد التشكيلي والإذاعي، معتبرتين أن رحيله شكّل خسارة كبيرة للساحة الثقافية السعودية.
ويرى عدد من الفنانين السعوديين أن عبدالعزيز الحماد يمثل نموذجًا للمثقف الشامل، الذي جمع بين الإبداع والعمل المؤسسي، وساهم في ترسيخ البنية الثقافية والفنية في المملكة.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
في 17 يونيو 2010، رحل عبدالعزيز الحماد بعد صراع مع مرض السرطان، إلا أن رحيله لم ينه حضوره في المشهد الثقافي، فلا تزال أعماله التشكيلية تُستحضر في المعارض والدراسات، كما يبقى برنامج “سواليف الناس” واحدًا من أبرز المحطات في تاريخ الإذاعة السعودية.
وفي ذكرى ميلاده، يبدو الحديث عن عبدالعزيز الحماد حديثًا عن جيل كامل حمل على عاتقه مهمة بناء المؤسسات الثقافية والفنية في المملكة، قبل أن تصبح الثقافة السعودية اليوم واحدة من أكثر التجارب حضورًا في المشهد العربي.
لقد آمن الفنان التشكيلي عبدالعزيز الحماد بأن الريادة لا تُقاس بعدد الأعمال، وإنما بالأثر الذي يتركه المبدع في وطنه، وهو أثر لا يزال حاضرًا في ذاكرة الفن السعودي حتى اليوم.
اقرأ ايضا:




