الكاتب والمفكر الهولندي روبرت بريدجمان في حوار خاص: مصر ليست مجرد حضارة.. إنها تجربة تعيشها بكل حواسك
حوار: أمل هلال
هناك أشخاص يزورون مصر لعدة أيام ثم يغادرون حاملين صورًا تذكارية، وهناك آخرون يغادرونها وقد أصبحت جزءًا من وجدانهم. الكاتب والمفكر الهولندي روبرت بريدجمان ينتمي إلى الفئة الثانية؛ فقد جاء إلى أرض الكنانة باحثًا عن الحضارات القديمة، لكنه عاد إلى بلاده محملًا بإلهام جديد، وتجربة إنسانية انعكست على مشروعه الأدبي المقبل.
يمزج بريدجمان في أعماله بين التاريخ، وعلم الآثار، والروحانيات، والغموض، ويعد من أبرز الكتاب الهولنديين الذين اهتموا بالحضارات القديمة، وقد أصدر حتى الآن أربعة عشر كتابًا بين الرواية والكتب الفكرية.
في هذا الحوار الذي أجرته مجلة “صوت الأهلية “، يتحدث عن رحلته مع الكتابة، وشغفه بمصر، وتأثير الحضارة المصرية في أعماله، ورسالته إلى القراء حول العالم.
في البداية.. من هو روبرت بريدجمان؟
أنا مؤلف وكاتب مقالات ومتحدث هولندي، كما أعمل في مجال التدريب والإرشاد إلى جانب عملي الأدبي. لطالما كنت شغوفًا بالتاريخ وعلم النفس والروحانيات، وبالقصص الخفية التي تقف وراء الحضارات الإنسانية.
هذا الشغف دفعني إلى أن أجعل من الرواية وسيلة لطرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان والوعي والتاريخ، لذلك تجمع كتبي بين المغامرة، والأحداث التاريخية، والألغاز القديمة، والبحث عن الحقيقة.
أعتبر أن أعظم ما يمكن أن يقدمه الكاتب هو أن يدفع القارئ إلى التفكير، وأن يجعله ينظر إلى العالم بعيون أكثر فضولًا وانفتاحًا.
كيف بدأت رحلتك مع الكتابة؟
بدأت الكتابة عام 2011، لكن علاقتي بالكتب والقصص بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة، كنت دائمًا أبحث عن الأعمال التي تجعل القارئ يفكر، وليس فقط يقرأ. كنت مؤمنًا بأن الرواية يمكن أن تكون وسيلة للتسلية، وفي الوقت نفسه بابًا لاكتشاف التاريخ والحضارات والإنسان.
لكن كتابة كتاب ليست مهمة سهلة كما يظن البعض، فهي ليست مجرد فكرة جيدة، وإنما رحلة طويلة من البحث والمراجعة وإعادة الكتابة، أؤمن أن الإلهام يمنح الكاتب الشرارة الأولى، لكن البحث العلمي والانضباط والمثابرة هم الذين يصنعون الكتاب الحقيقين، فالكتابة بالنسبة لي تشبه سباق الماراثون، وليست سباقًا قصيرًا.
هل كان هناك كتاب بعينه ألهمك لتصبح كاتبًا؟
لا أستطيع أن أحدد كتابًا واحدًا فقط، لقد تأثرت بعدد من كبار الكتاب العالميين، وفي مقدمتهم غابرييل غارسيا ماركيز وجورج أورويل ودان براون، وما أعجبني في أعمالهم أنهم استطاعوا الجمع بين التاريخ والغموض والتشويق بطريقة تجعل القارئ يستمتع بالأحداث، وفي الوقت نفسه تدفعه للبحث بنفسه عن الحقائق التاريخية.
لقد تعلمت منهم أن الرواية ليست مجرد قصة، بل يمكن أن تكون رحلة معرفية أيضًا.
من أكثر شخص دعمك في رحلتك الأدبية؟
بلا شك أسرتي، زوجتي مونيك وأبنائي الثلاثة كانوا دائمًا أكبر داعم لي، الكتابة تتطلب ساعات طويلة من العزلة والعمل المتواصل، وأحيانًا يقضي الكاتب شهورًا وربما سنوات مع كتاب واحد، وجود عائلة تؤمن بحلمك وتساندك في هذه الرحلة يمنحك القوة للاستمرار.
هل توقعت أن تحقق ما وصلت إليه اليوم؟
كنت أحلم دائمًا بأن أصبح كاتبًا معروفًا، لكنني لم أتعامل مع هذا الحلم باعتباره أمرًا مضمونًا، كل خطوة في حياتي المهنية كانت بالنسبة لي هدية يجب أن أستحقها، أنا لا أقيس النجاح بعدد الكتب أو الجوائز، وإنما بعدد القراء الذين استطعت أن أترك لديهم أثرًا حقيقيًا، فالنجاح، في رأيي، يتحقق قارئًا بعد قارئ.
كيف يبدو يومك ككاتب؟
لا يوجد يوم يشبه الآخر، في بعض الأيام أخصص وقتي بالكامل للبحث التاريخي، وفي أيام أخرى أكتب آلاف الكلمات دون توقف، أقضي جزءًا كبيرًا من وقتي في دراسة التاريخ، وعلم الآثار، والروحانيات، وعلم النفس، والعلوم، لأنني أؤمن أن الرواية الجيدة يجب أن تكون قائمة على معرفة حقيقية.
إلى جانب الكتابة، أعمل أيضًا في إنتاج الأفلام الوثائقية، وأدير أعمالًا خاصة، وأقدم جلسات تدريب وإرشاد، لذلك أقسم وقتي بين هذه المجالات المختلفة.
ما أكثر تعليق أثر فيك من أحد القراء؟
أجمل ما يمكن أن يسمعه الكاتب ليس أن روايته كانت ممتعة فقط، أكثر عبارة أثرت فيّ عندما قال لي أحد القراء:”كتابك جعلني أنظر إلى العالم بطريقة مختلفة.”، بالنسبة لي، هذه الجملة أهم من أي جائزة، لأنها تعني أن الكتاب نجح في تغيير طريقة تفكير إنسان، ولو بدرجة بسيطة.
ما الرسالة التي تحاول إيصالها من خلال كتبك؟
رسالتي بسيطة جدًا، لا تفقد فضولك أبدًا، اسأل، ابحث، فكر بنفسك، ولا تتوقف عن التعلم، العالم ما زال مليئًا بالأسرار التي لم تُكتشف بعد، وكل إنسان قادر على أن يخوض رحلة معرفية خاصة به إذا احتفظ بفضوله.
هل توقعت أن تصل إلى المكانة التي أنت عليها اليوم؟
لطالما حلمت بأن أصبح كاتبًا معروفًا، لكنني لم أعتبر النجاح أمرًا مضمونًا أبدًا، كل خطوة أحققها في مسيرتي الأدبية أراها امتيازًا جديدًا، لأن النجاح الحقيقي لا يأتي دفعة واحدة، بل يُبنى قارئًا بعد قارئ، وثقة بعد أخرى.
صف لنا يومًا عاديًا في حياة روبرت بريدجمان.
لا يوجد يوم يشبه الآخر، أحيانًا أبدأ صباحي بالبحث في المراجع التاريخية، وأحيانًا أقضي ساعات طويلة في كتابة آلاف الكلمات. أخصص جزءًا كبيرًا من وقتي لدراسة التاريخ، وعلم الآثار، والروحانيات، والعلوم، وعلم النفس، لأنني أؤمن أن الرواية الجيدة يجب أن تقوم على معلومات دقيقة وبحث عميق.
إلى جانب الكتابة، أعمل أيضًا في صناعة الأفلام الوثائقية، وأدير أعمالًا خاصة، وأقدم برامج تدريب وإرشاد، لذلك أقسم يومي بين الكتابة، والتصوير، والبحث، وإدارة مشروعاتي المختلفة.
ما أكثر تعليق من قارئ ترك أثرًا في نفسك؟
أجمل ما يمكن أن يسمعه أي كاتب هو أن يقول له أحد القراء: “كتابك جعلني أنظر إلى العالم بطريقة مختلفة.” هذا النوع من التعليقات يعني بالنسبة لي أكثر بكثير من الإشادة بأسلوب الكتابة أو إثارة الأحداث، لأنه يؤكد أن الكتاب نجح في تغيير طريقة التفكير وإثارة الفضول لدى القارئ.
ما الرسالة التي تحرص على إيصالها من خلال مؤلفاتك؟
رسالتي بسيطة لكنها عميقة: لا تفقد فضولك أبدًا… اطرح الأسئلة باستمرار، وفكر بصورة مستقلة، ولا تتوقف عن التعلم، لأن العالم ما زال يخفي الكثير من الأسرار التي تنتظر من يكتشفها.
هل تعمل حاليًا على مشروع أدبي جديد؟
نعم، أعمل حاليًا على رواية تشويق دولية جديدة تجمع بين الحضارات القديمة، وعلم الآثار، والألغاز التاريخية التي ما زالت بلا تفسير حتى اليوم.
وقد قادني البحث العلمي الخاص بهذه الرواية إلى مصر، لأن جزءًا مهمًا من أحداثها يدور على أرضها، وهو ما جعل زيارتي لهذا البلد عنصرًا أساسيًا في بناء الرواية.
ما الحلم الذي لم تحققه حتى الآن؟
أتمنى أن تُترجم جميع رواياتي إلى أكبر عدد ممكن من لغات العالم، وأن تتحول يومًا ما إلى فيلم سينمائي عالمي أو مسلسل تلفزيوني دولي، حتى تصل هذه القصص إلى جمهور أوسع، خاصة أنها تمزج بين التاريخ والغموض والمغامرة.
كيف أثرت الثقافة الهولندية في كتاباتك؟
نشأت في هولندا، وهي دولة تمتلك تاريخًا طويلًا في الاستكشاف والتجارة والانفتاح على الشعوب الأخرى، وهذا جعلني أؤمن بأهمية النظر إلى العالم دون حدود.
كما أن تاريخ هولندا يحمل أيضًا صفحات من الاستعمار والعبودية، وهو ما جعلني أؤمن بأن التاريخ يحمل دائمًا جانبين؛ الضوء والظلام، وهذا التوازن حاضر بقوة في أعمالي الأدبية.
ما أبرز القضايا التي تشغلك وتنعكس في رواياتك؟
أكثر ما يشغلني هو العلاقة بين التاريخ والعلوم والروحانيات والوعي الإنساني، أحب أن أطرح سؤالًا دائمًا في رواياتي:
هل ما زالت المعرفة القديمة قادرة على التأثير في مستقبل البشر؟
كما أحرص دائمًا على إبراز قيمة التعاون بين الثقافات المختلفة، لأن الحضارات لا تُبنى بالعزلة، وإنما بالحوار والانفتاح وتبادل المعرفة.





