من الحفظ إلى التتويج.. «أكاديمية الفارس» تحتفي بأبطال القرآن وأوائل الأزهر في احتفالية كبرى بفاقوس

الشرقية – تقرير خاص

في مشهد امتزجت فيه فرحة النجاح بعظمة القرآن الكريم، ووسط حضور كبير من الطلاب وأولياء الأمور وقيادات الأزهر وعلماء التجويد والقراءات وكبار أهالي المنطقة، احتفلت أكاديمية الفارس لتحفيظ القرآن الكريم بتكريم 25 طالبًا وطالبة من حفظة كتاب الله، إلى جانب تكريم أوائل الثانوية الأزهرية المتفوقين، في احتفالية كبرى أقيمت يوم السبت 22 أغسطس 2026 بأرض ملاعب أم عجرم في فاقوس بمحافظة الشرقية.

ولم يكن الحفل مجرد مناسبة لتوزيع شهادات التقدير أو الاحتفاء بأسماء المتفوقين، وإنما بدا وكأنه تتويج لرحلة طويلة من الحفظ والمراجعة والمثابرة، ورسالة واضحة بأن القرآن الكريم يمكن أن يكون طريقًا لصناعة جيل يجمع بين الحفظ والإتقان والعلم والخلق والتميز الدراسي.

وجاءت الاحتفالية بالتعاون مع الجمعية الخيرية بأم عجرم، وتحت الرعاية الكريمة لـ شركة بدوي جروب، وبحضور نخبة من القيادات والشخصيات التعليمية والدينية، في مشهد يعكس اهتمام المجتمع المحلي بتكريم أبنائه وتشجيعهم على الاستمرار في طريق العلم والقرآن.

25 حافظًا.. لحظة تتويج لرحلة من التعب والصبر

كان المشهد الأبرز في الحفل هو تكريم 25 طالبًا وطالبة من حفظة كتاب الله، ممن خاضوا تجربة مكثفة في حفظ القرآن الكريم وتجويده وبيان معانيه.

وبالنسبة إلى هؤلاء الطلاب، لم تكن لحظة التكريم وليدة أيام قليلة؛ فخلف كل اسم من الأسماء المكرمة ساعات طويلة من التسميع والمراجعة، ومحاولات متكررة لتثبيت الحفظ، ووقوف أمام المحفظ لاختبار ما تم إنجازه، فضلًا عن الدعم المتواصل من الأسر.

وهنا تتجاوز قيمة الجائزة شكلها المادي أو المعنوي، لتصبح شهادة على رحلة كاملة خاضها الطالب مع كتاب الله.

فالطفل الذي يقف اليوم أمام الحاضرين حاملًا شهادة تكريمه، كانت وراءه أسرة تتابع وتحفز، ومحفظ يصحح ويراجع، وطالب قاوم الملل والتعب واستمر حتى وصل إلى هذه اللحظة.

من القرآن إلى منصة التفوق.. تكريم أوائل الثانوية الأزهرية

ولم تتوقف الاحتفالية عند حفظة القرآن الكريم، بل امتدت إلى أوائل الثانوية الأزهرية المتفوقين، الذين حققوا نتائج متميزة ورفعوا رؤوس أسرهم، ليصبح الحفل مساحة تجمع بين نموذجين من النجاح: النجاح في حفظ كتاب الله، والنجاح في التعليم الأزهري.

وهذه الرسالة كانت واحدة من أهم ملامح الاحتفالية؛ فالتفوق الديني والعلمي ليسا طريقين متعارضين، وإنما يمكن للطالب أن يجمع بين حفظ القرآن، والتفقه في الدين، والتفوق في دراسته، إذا وجد البيئة المناسبة التي تشجعه وتدفعه إلى الأمام.

حضور أزهري وعلمي كبير

وشهدت الاحتفالية حضور عدد من قيادات الأزهر والشخصيات التعليمية والعلمية، من بينهم فضيلة الشيخ شحاته أحمد علي، مدير إدارة العاشر من رمضان الأزهرية، والشيخ السيد أبو زيد، عميد معهد فتيات أم عجرم الإعدادي الثانوي الأسبق، إلى جانب الأستاذ علاء الباجوري، والأستاذ عبدالعاطي السيد السنجهاوي، والأستاذ محمد بدوي، فضلًا عن عدد من أساتذة التجويد والقراءات وكوكبة من كبار أهالي البلد.

وكان الحضور الطلابي لافتًا، حيث امتلأت أجواء الاحتفالية بالطلاب وأولياء الأمور الذين جاءوا لمشاركة أبنائهم فرحة التكريم والنجاح، وفي مثل هذه المناسبات، لا تكون فرحة النجاح فردية؛ فكل شهادة يحملها طالب تحمل معها فرحة أسرة كاملة، وكل إنجاز يحققه حافظ للقرآن هو في الحقيقة ثمرة تعاون بين الطالب وأسرته ومحفظه.

ماذا قال العلماء في احتفالية أكاديمية الفارس ؟

ركز العلماء خلال الاحتفالية على المكانة الرفيعة لأهل القرآن، وعلى أن تكريم الحافظ لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تكريمًا لإنجاز دراسي فقط، وإنما احتفاء بقيمة دينية وتربوية كبيرة.

وأكدت كلمات العلماء في مضمونها أن حفظ القرآن الكريم يحتاج إلى صبر ومداومة ومراجعة مستمرة، وأن الوصول إلى مرحلة الإتقان لا يتحقق بمجرد حفظ الآيات مرة واحدة، وإنما يحتاج إلى تعاهد دائم للقرآن.

كما سلطوا الضوء على الدور الكبير الذي تقوم به الأسرة، مؤكدين أن رحلة الطفل مع القرآن تبدأ غالبًا من البيت، حيث التشجيع الأول، والمتابعة اليومية، وتنظيم الوقت، وتحمل مشقة المراجعة.

وتطرقت الكلمات كذلك إلى المعاناة التي يتحملها أولياء الأمور في سبيل تحفيظ أبنائهم؛ بداية من تنظيم أوقاتهم، مرورًا بمتابعة الحفظ والتسميع، ووصولًا إلى التعامل مع فترات الفتور التي قد يمر بها الطفل.

وكانت الرسالة الأهم أن تكريم حافظ القرآن هو تكريم لكل من ساهم في وصوله إلى هذه المكانة؛ للأب والأم، وللمحفظ، وللمؤسسة التي وفرت له بيئة مناسبة للتعلم.

وتتسق هذه الرسالة مع الحديث النبوي الشريف: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، بما يؤكد أن تعليم كتاب الله وتعلمه من أجلّ أبواب الخير.

الطلاب المكرمون.. إنجاز آخر في «مسابقة أهل القرآن الكبرى»

وللمكرمين في احتفالية أكاديمية الفارس إنجاز آخر يستحق التوقف عنده؛ إذ شارك الطلاب أنفسهم في مسابقة أهل القرآن الكبرى بالديدامون، التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية، وحققوا المركز العاشر في المسابقة.

أما الطالبة بسمة عبدالعاطي السيد السنجهاوي، فحققت المركز الخامس عشر، في إنجاز يعكس حجم الجهد الذي بذله الطلاب في الحفظ والمراجعة والاستعداد للمنافسة.

وهذا النجاح لا يأتي من فراغ، خصوصًا أن مسابقة أهل القرآن الكبرى تعتمد على مستويات متعددة للحفظ والتجويد، وتضم مشاركين من أعمار ومستويات مختلفة، وهو ما يجعل الوصول إلى مراكز متقدمة ثمرة حقيقية للاستعداد والإتقان.

وهكذا أصبح تكريم أكاديمية الفارس امتدادًا لتكريم آخر، وكأن الطلاب الذين وقفوا على منصة أم عجرم كانوا يحملون معهم شهادة ثانية تؤكد أنهم لا يحفظون القرآن فقط، وإنما يستطيعون المنافسة به وإثبات تميزهم.

أكاديمية الفارس.. مشروع بدأ في 2025

وراء هذا المشهد مؤسسة حديثة نسبيًا في عمرها، لكنها تحمل فكرة واضحة منذ البداية، فقد تأسست أكاديمية الفارس لتحفيظ القرآن الكريم عام 2025 على يد الشيخ محمود عبدالعاطي السيد السنجهاوي، وانطلقت فكرتها من هدف يتجاوز مجرد تعليم الأطفال الحفظ، إلى محاولة إنشاء جيل من الحفاظ المتقنين لأحكام التجويد وعلوم القراءات، والفاهمين لمعاني القرآن الكريم، والملمين بأحكام الفقه والعقيدة.

وهذه الرؤية تضع الحفظ في مكانه الصحيح باعتباره بداية الطريق وليس نهايته، فالطالب لا يُراد له أن يحفظ الآيات ثم ينتهي دوره، وإنما أن يتعلم كيف يقرأها قراءة صحيحة، ويفهم معانيها، ويتعرف إلى أحكامها، ويزداد ارتباطًا بها في حياته اليومية.

طريقة مختلفة في الحفظ.. المراجعة هي كلمة السر

وتعتمد الأكاديمية في طريقة الحفظ على الوسائل الحديثة، وكثرة المراجعة والاستذكار، مع وضع نظام يجعل الطالب مطالبًا بإثبات ما حفظه بصورة مستمرة.

وفي نهاية كل أسبوع، يقوم الطالب بسرد ما حفظه طوال الأسبوع، وهو نظام يهدف إلى التأكد من أن الحفظ الجديد لا يأتي على حساب تثبيت ما سبقه، وهذه النقطة تحديدًا من أهم أسرار إتقان القرآن؛ لأن الحفظ الجديد مهما كان قويًا يمكن أن يضعف إذا لم يصاحبه نظام ثابت للمراجعة.

ولهذا تقوم فلسفة الأكاديمية على فكرة بسيطة لكنها عميقة: ليس المهم كم حفظ الطالب، وإنما كم أتقن مما حفظ.

70 يومًا من الحفظ المكثف.. والقرآن حاضر 7 ساعات يوميًا

وفي نهاية كل عام، تنظم أكاديمية الفارس بقرية أم عجرم، بفاقوس،  دورة مكثفة لا تقل عن 70 يومًا، يخضع خلالها الطالب لبرنامج يومي يمتد إلى نحو سبع ساعات.

وخلال هذه الساعات، يتحرك الطالب بين أكثر من مرحلة؛ ما بين تسميع الماضي، وحفظ الجديد، والمراجعة والتثبيت، في برنامج يحتاج إلى قدر كبير من الالتزام والانضباط، وهنا يتحول حفظ القرآن من نشاط جانبي إلى مشروع يومي له وقته وأهدافه ومراحل قياسه.

فالطالب يعرف ماذا سيحفظ، ومتى سيُسمّع، وما الذي سيُراجع، وفي نهاية الأسبوع يعرف مقدار ما أنجزه، بينما تتيح الدورة المكثفة فرصة لرفع معدلات الإنجاز خلال فترة زمنية محددة.

«أسبوع الهمة».. الاختبار الأصعب والأجمل

لكن ربما تكون أكثر مراحل الدورة إثارة هو ما يعرف باسم «أسبوع الهمة»، وفي هذه المرحلة يخوض الطالب تحديًا خاصًا، إذ يقوم بتسميع كل ما حفظه وراجعه في جلسة واحدة، وهذا الاختبار لا يقيس كمية الحفظ فقط، وإنما يقيس قدرة الطالب على الاستدعاء المتواصل، وقوة المراجعة، ومدى ثبات القرآن في ذاكرته.

ومن هنا يصبح «أسبوع الهمة» أشبه بمحطة نهائية تختبر ثمرة أسابيع طويلة من العمل، فالطالب الذي يستطيع استحضار ما حفظه ومراجعته في جلسة واحدة يكون قد وصل إلى مستوى مختلف من الثبات والإتقان.

خلف كل حافظ.. أم تصبر وأب يساند ومحفظ لا يتوقف

ومن أجمل الرسائل التي حملتها الاحتفالية أنها لم تنظر إلى الطالب باعتباره البطل الوحيد، فخلف كل حافظ للقرآن أسرة.، هناك أم ربما استمعت إلى عشرات التسميعات، وأب وفر الوقت والظروف المناسبة، وأسرة كاملة تحملت أن يكون للقرآن مكان ثابت في يوم الطفل.

وهناك المحفظ الذي يكرر الآية مع الطالب مرة واثنتين وعشرًا، ويصحح الخطأ، ويعيد الطالب إلى الموضع الذي نسيه، ويشجعه عندما يشعر بالتعب.

ولهذا فإن مشهد تكريم الـ25 طالبًا وطالبة كان في حقيقته تكريمًا لعشرات وربما مئات الأشخاص الذين ساهموا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في وصول هؤلاء الطلاب إلى منصة التتويج.

بدوي جروب والجمعية الخيرية بأم عجرم.. شراكة صنعت يومًا مختلفًا

ولم يكن تنظيم الاحتفالية ليخرج بهذه الصورة دون تعاون الجهات الداعمة، فقد أقيم الحفل بالتعاون مع الجمعية الخيرية بأم عجرم، وتحت الرعاية الكريمة لـ شركة بدوي جروب، بما يعكس أهمية الشراكة المجتمعية في دعم المبادرات التعليمية والدينية التي تستهدف النشء.

ومثل هذه الرعاية لا تعني فقط توفير الدعم لإقامة حفل، وإنما تمنح الطلاب إحساسًا بأن المجتمع يرى جهودهم ويقدرها، وأن التفوق وحفظ القرآن يمكن أن يكونا محل احتفاء عام.

احتفالية لم تكن عن الجوائز فقط

ربما تنتهي ساعات الحفل، وتعود الشهادات إلى البيوت، وتوضع الدروع في أماكنها، لكن الرسالة التي حملتها الاحتفالية تبقى أكبر من ذلك.

لقد وقف 25 حافظًا وحافظة أمام أسرهم ومعلميهم وضيوف الحفل، بينما وقف أوائل الثانوية الأزهرية في المشهد نفسه ليقولوا إن التفوق له أكثر من صورة، وإن طريق النجاح يبدأ من الإرادة وينمو بالاستمرار، وفي أم عجرم، لم تكن المناسبة مجرد حفل توزيع جوائز، وإنما كانت لحظة احتفاء بجيل يضع القرآن والعلم في مقدمة اهتماماته.

جيل يتعلم أن النجاح لا يأتي سريعًا، وأن الحفظ يحتاج إلى مراجعة، وأن التفوق يحتاج إلى صبر، وأن وراء كل إنجاز كبير أناسًا آمنوا بصاحبه وساندوه حتى وصل.

من «أكاديمية الفارس» إلى منصة التتويج.. الحكاية لم تنتهِ

وإذا كان عام 2025 قد شهد تأسيس أكاديمية الفارس، فإن ما تحقق خلال فترة قصيرة يمنح التجربة مساحة للنمو والتوسع خلال السنوات المقبلة.

فالمشروع الذي بدأ بهدف إعداد جيل من الحفاظ المتقنين يمكن أن يتحول مع الاستمرار إلى مدرسة قرآنية متكاملة، خصوصًا مع وجود نظام واضح للحفظ والمراجعة والدورات المكثفة، وربط الطلاب بالتجويد والقراءات وفهم المعاني.

أما الطلاب الذين تم تكريمهم في حفل 22 أغسطس، فقد حصلوا على أكثر من شهادة؛ حصلوا على دفعة جديدة للاستمرار، فالقرآن الذي حفظوه لا ينبغي أن يكون نهاية الرحلة، وإنما بدايتها.

وفي النهاية، تظل أجمل صورة من احتفالية أم عجرم هي تلك اللحظة التي يقف فيها الطالب أمام الناس، وتعلو ابتسامة أسرته، بينما يرى ثمرة أيام طويلة من الحفظ والمراجعة وقد تحولت إلى تكريم وفخر.

اقرأ يضا:

في نسختها الـ25.. «أهل القرآن الكبرى» بالديدامون تكرّم حفظة كتاب الله في مشهد إيماني مهيب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى