الناقد أحمد فرحات يكتب: طرطوف
مسرحية طرطوف لموليير من أكثر المسرحيات التي أثارت جدلًا نقديًا ودينيًا في القرن السابع عشر. وقد تعرضت، منذ عرضها الأول سنة 1664، إلى اعتراضات شديدة أدت إلى منعها، ولم يُسمح بعرض نسختها النهائية إلا سنة 1669.
كان أشد نقد وُجّه إلى المسرحية هو اتهامها بالإساءة إلى الدين والتدين. فقد رأى خصوم موليير أن تصوير طرطوف بوصفه رجلًا متدينًا في الظاهر، بينما هو منافق شهواني انتهازي، قد يجعل الجمهور يخلط بين التدين الحقيقي والتدين الزائف. بل ذهب بعض رجال الدين إلى أن المسرحية تعرض أهل التقوى جميعًا للسخرية والاتهام.
وهنا تكمن المفارقة: موليير كان يقول إنه لا يهاجم الدين، وإنما يهاجم النفاق الذي يتخذ الدين قناعًا. وقد دافع عن المسرحية على أساس أن وظيفة الكوميديا هي كشف الرذائل وإصلاح المجتمع من خلال السخرية منها.
اتهم بعض خصوم موليير المسرحية بأنها تعكس فكرًا متحررًا من القيود الدينية، بل وُصم موليير نفسه بالإلحاد والزندقة. وتكشف الوثائق التاريخية أن الهجوم لم يكن أدبيًا فحسب، وإنما كان دينيًا وسياسيًا أيضًا.
لكن الدراسات الحديثة ترى أن القضية أكثر تعقيدًا؛ فالمسرحية لم تكن مجرد هجوم على الدين، بل طرحت سؤالًا أعمق: هل يمكن أن تكون الأخلاق مستقلة عن المؤسسة الدينية؟ وهذه إحدى القراءات الحديثة المهمة لجدل طرطوف.
من منظور اجتماعي، وُجّه إلى المسرحية نقد يتعلق بكونها تسخر من الطبقة المتدينة والمحافظة وتكشف آليات النفوذ الاجتماعي التي يستطيع بها المنافق أن يدخل الأسرة ويستولي على ثقتها.
يرى علماء الاجتماع أننا قد نرى إنسانا تقيا، قد بُح صوته في الدعوة الى العدل والصلاح،فنحسبه صالحا في صميم طبيعته، وهذا أمر مشكوك فيه. إنه يدعو الى الحق والعدل والصلاح لأنه مظلوم، ولو كان ظالما لصار يدعو الى الصبر والصلاة والصوم. فلا ينبغي أن نُخدع بمن يرفع شعارات الفضل والعدل ونظنها أخلاقه الدائمة ودفاعه عن المظلوم فيه ازدواجية للمعايير . فالمبادئ غالبا تستخدم كأداة ضغط لا كقيمة مطلقة يؤمن بها الجميع لذواتهم .
فطرطوف لا يملك سلطة حقيقية في البداية، وإنما يصنع سلطته من خلالالمظهر الديني. وهكذا تصبح شخصية طرطوف نموذجًا للإنسان الذي يحول الفضيلة الظاهرة إلى وسيلة للهيمنة.
يمكن قراءة المسرحية بوصفها تحمل بعدًا سياسيًا غير مباشر؛ لأن الصراع حولها لم يكن صراعًا دينيًا خالصًا، بل ارتبط أيضًا بمسألة النفوذ والسلطة في عهد لويس الرابع عشر. وقد بينت الدراسات أن قضية طرطوف كانت جزءًا من صراع أوسع بين جماعات دينية وسياسية مختلفة على التأثير في السلطة الملكية.
ولهذا يرى بعض النقاد أن المسرحية لا تكتفي بفضح نفاق الفرد، وإنما تكشف كيف يمكن للسلطة الاجتماعية والدينية أن تتحول إلى أداة للسيطرة.
هناك ملاحظات نقدية فنية يمكن مناقشتها أيضًا، أهمها أن طرطوف شخصية نمطية إلى حد كبير؛ فهو يمثل (المنافق) أكثر مما يمثل شخصية نفسية مركبة ذات تطور داخلي كبير.
وهذا مرتبط بطبيعة الكوميديا عند موليير؛ فالشخصية غالبًا ما تُبنى حول عيب أو رذيلة مركزية، ثم تُضخَّم هذه الرذيلة حتى تصبح مصدرًا للضحك والسخرية.
ومن هنا يمكن القول إن طرطوف ليس شخصية فردية فحسب، وإنما هو قناع اجتماعي قناع التقوى الذي يخفي الطمع والشهوة وحب السلطة.
أُخذ على المسرحية في بعض القراءات أن حلّها النهائي يبدو تدخّلًا خارجيًا؛ إذ يأتي الملك ممثلًا في شخصية الضابط الذي يتدخل في النهاية وينقذ أورغون وأسرته من طرطوف.
ومن الناحية الفنية يمكن النظر إلى هذا الحل بوصفه حلًا مفاجئًا من خارج الصراع الدرامي، لكنه في الوقت نفسه كان وسيلة ذكية من موليير لإظهار الولاء للملك وتجنب أن تُفهم المسرحية بوصفها دعوة إلى الفوضى أو التمرد على السلطة. وقد ارتبط تاريخ المسرحية فعلًا بقضية الرقابة والصراع مع السلطة الدينية والسياسية.
لا يقدّم موليير طرطوف باعتباره شخصًا كاذبًا فحسب، وإنما يجعله قادرًا على إنتاج السلطة من خلال المظهر الأخلاقي. يدخل طرطوف بيت أورغون بوصفه رجلًا متدينًا، ثم يتحول تدريجيًا من ضيف إلى صاحب نفوذ، ومن تابع إلى شخص يستطيع التأثير في قرارات رب الأسرة.
وهنا تكمن أهمية شخصية أورغون؛ فهو ليس ضحية طرطوف وحده، بل ضحية قابلية اجتماعية للتصديق الأعمى.
والأخطر أن طرطوف لا يستطيع السيطرة على أورغون بالقوة؛ وإنما يسيطر عليه بواسطة اعتقاد أورغون أنه يمتلك الحقيقة الأخلاقية.
لذلك فالنقد الاجتماعي في المسرحية لا يتجه إلى طرطوف وحده، بل إلى البيئة التي تسمح للمنافق بأن يصبح نافذًا.
المجتمع يمنح السلطة لمن يمتلك علامات الفضيلة، وليس بالضرورة لمن يمتلك الفضيلة نفسها.
فاللحية، والملابس، واللغة الوعظية، والتظاهر بالزهد، والخطاب الأخلاقي، تتحول كلها إلى علامات تمنح صاحبها شرعية اجتماعية.ومن هنا يصبح طرطوف منتجًا للعلامات قبل أن يكون منتجًا للأفعال.
والإنسان في حياته الاجتماعية لا يهمه أمر الحلال والحرام الذي يأتي به الواعظون. وإذا وجد الناس واعظا يمنعهم عنها عصوه وسخروا به. لا سيما إذا وجدوه أخيرا يقترف ما كان ينهاهم عنه.
واللافت أن الدراسات الحديثة حولتقضية (طرطوف) نفسها تشدد على أن الصراع لم يكن ببساطة بين (المؤمن الحقيقي) و(المنافق)، وإنما ارتبط بصراع أوسع على النفوذ الديني والسياسي في فرنسا القرن السابع عشر.
رجال الدين المزيفون يحيطون بنا من كل اتجاه يرددون باستمرار أن الدنيا ليست دارهم ومع ذلك يضعون أيديهم على كل شيء يستطيعون الوصول إليه .. يمزق العاقل قناع القداسة عن وجوه من يعظم الزهد لفظا، ويمارس التملك شهوة، فمن يقول: إن الدنيا لا تهمه، ثم يمد يده إلى كل شيء فيها لا يعظ بل يفاوض.. لا يزهد بل يغطي جشعه بمزحة من الغيب. هنا لا يُنتقد الدين بل احتكاره حين يتحول الإله إلى رخصة للامتياز، والخطبة إلى سلم للهيمنة. إنهم لا يهربون من الدنيا كما يقولون بل يسارعون إلى اقتسامها قبل أن يسبقهم أحد. تلك هي اللعبة أن ترفع يدك إلى السماء بينما يدك الأخرى تفتش جيوب الأرض!




