فتحية الحنفي لـ«صوت الأهلية»: الأسرة المصرية والخطاب الديني في مواجهة تحديات العصر
-الفقه الإسلامي يواكب جميع المستجدات عبر فقه النوازل والأولويات
– الواعظات يقمن بدور مؤثر في نشر صحيح الدين وترسيخ الوسطية
– الفتوى صناعة لا يجيدها إلا المتخصصون المؤهلون علميًا وشرعيًا
– الأسرة المصرية تواجه خطر التفكك بسبب الطلاق وتأثير وسائل التواصل
– الإسلام لا يمنع عمل المرأة لكنه يضع ضوابط تحفظ القيم والأخلاق
-الدين الإسلامي قائم على اليسر ورفع الحرج
في ظل المتغيرات الاجتماعية والفكرية المتسارعة التي يشهدها المجتمع المصري، وتزايد التساؤلات المتعلقة بقضايا الأسرة والمرأة والخطاب الديني، أجرت «صوت الأهلية» حوارًا مع الدكتورة فتحية الحنفي، أستاذ الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة – جامعة الأزهر، للحديث عن قدرة الفقه الإسلامي على مواكبة المستجدات المعاصرة، ودور الواعظات في مواجهة الفكر المتشدد، ومخاطر فوضى الإفتاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فضلًا عن أبرز التحديات التي تواجه الأسرة المصرية والخطاب الديني الوسطي في الوقت الراهن.
في ظل تصاعد القضايا الاجتماعية الشائكة داخل المجتمع المصري، كيف ترين دور الفقه الإسلامي في مواكبة المتغيرات الحديثة دون الإخلال بثوابت الشريعة؟
من المعلوم أن الفقه الإسلامي هو العلم بالأحكام العملية المستنبطة من كتاب الله تعالى وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذه الأحكام مسايرة لكل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأنه ما من جديد أو مستجد إلا وله أساس، عملًا بقول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
فالفقه الإسلامي يواكب كل هذه التغيرات الحديثة، وهو ما يسمى اليوم بفقه النوازل أو فقه الأولويات، وهو العلم الذي يهتم باستنباط الأحكام الشرعية للوقائع والمسائل المستجدة التي لم يرد فيها نص صريح من القرآن الكريم أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسبق فيها اجتهاد للفقهاء السابقين، مما يبرز مرونة الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان دون الإخلال بالثوابت.
تحدثتِ سابقًا عن أهمية تأهيل الواعظات للإفتاء ومواكبة المستجدات الفقهية.. هل تعتقدين أن المرأة الداعية أصبحت اليوم أكثر تأثيرًا في مواجهة الأفكار المتشددة؟
بالنسبة لتأهيل الواعظات للإفتاء في يومنا هذا، نعم بالفعل لهن تأثير قوي في بيان صحيح الدين، وبيان وسطية الإسلام بعيدًا عن الغلو والتطرف، وذلك من خلال القنوات الشرعية كالتلفاز أو وسائل التواصل الأخرى.
ويكفينا شرفًا الدور الذي قمن به في توعية الحجيج في المطارات قبل سفرهم لأداء النسك، فبالفعل لهن دور قوي ومؤثر في مواجهة أي تطرف.

في زمن السوشيال ميديا وانتشار الفتاوى السريعة عبر الإنترنت.. كيف يمكن حماية الناس من الفتاوى غير المتخصصة أو ما يُعرف بـ«فوضى الإفتاء»؟
بخصوص ما يعرف بفوضى الإفتاء وحماية الناس منها، أقول: إن الفتوى صناعة لا يجيدها إلا المتخصص، عملًا بقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فمن كان عالمًا بكتاب الله، عامه وخاصه، ومجمله ومقيده، وناسخه ومنسوخه، وكذا المتواتر من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والإجماع والقياس، فمعرفة المفتي بكل هذه الأدوات وتوظيفها لبيان الحكم بما يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية، تبني فتواه على أسس وقواعد تحقق مصلحة المستفتي.
أما فتاوى غير المتخصصين، فمثل هؤلاء يفتون طبقًا لأهوائهم دون أساس شرعي، أو يؤولون النصوص طبقًا لأهوائهم، أو يجتزئون النصوص، فكل هذا ساعد على الفوضى، مما أضل الناس عن الجادة.
أثارت آراؤك حول تعدد الزوجات وقوانين الأحوال الشخصية نقاشًا واسعًا.. برأيك ما أبرز المشكلات التي تواجه الأسرة المصرية اليوم من الناحية الشرعية والاجتماعية؟
للأسف في يومنا هذا نجد الأسرة المصرية على حافة الهاوية لأسباب كثيرة، أهمها: مشكلة الطلاق، اختراق وسائل التواصل الاجتماعي لأبواب الأسرة بدءًا من الصغير وانتهاءً بالوالدين، عدم معرفة الحقوق والواجبات لكل من الزوجين، وهذه أبرز المشكلات التي تواجه الأسرة المصرية، والتي كانت سببًا في هدم الأسرة وضياع الأبناء.
كثير من الفتيات أصبحن يطرحن أسئلة مرتبطة بالاستقلال والعمل والعلاقات الحديثة.. هل الخطاب الديني الحالي قادر فعلًا على مخاطبة جيل جديد يفكر بطريقة مختلفة؟
في يومنا هذا خرجت المرأة للعمل، وصار لها ذمة مالية خاصة، فضلًا عن الاختلاط في سوق العمل، وكل هذا لا يحرمه الإسلام، لأنه حث على العمل دون فرق بين ذكر وأنثى.
ولكن خروج المرأة للعمل له ضوابط، منها: عدم اللين بالكلام: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾.
الملبس الواسع الفضفاض غير المجسم أو الشفاف، عدم الخوض بالكلام بين الزميل والزميلة في الأمور الخاصة بكل منهما تحت مسمى الزمالة، فإذا التزمت المرأة في عملها بهذه الضوابط كان لذلك الأثر الطيب في علاقاتها، خاصة في العمل.
واليوم يوجد جيل جديد، خاصة في المدارس والجامعات وكذا سوق العمل، وهذا الجيل له فكر بعيد كل البعد عن الجانب الديني، بل إنهم يضعون مسميات للمصاحبة والزمالة دون مراعاة أي حد سواء أكان دينيًا أم عرفيًا، ولكن وإن كان الخطاب الديني قادرًا على مخاطبة هؤلاء، فللأسف آذانهم صماء، وإذا تكلمت مع هؤلاء يتهمونك بالرجعية والتخلف.
وأقول: نعم، إن الخطاب الديني غير قادر على مخاطبة هؤلاء، لأن الله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

قلتِ إن الشريعة الإسلامية قائمة على التيسير ورفع الحرج.. كيف يمكن توصيل هذه الفكرة للناس في ظل انتشار الخطابات المتشددة التي تربط الدين دائمًا بالتعقيد والمنع؟
من المعلوم أن الدين الإسلامي هو دين يسر وسهولة، وهذا واضح من خلال آيات القرآن الكريم في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وبناءً على ما ذُكر كانت القاعدة الفقهية: «المشقة تجلب التيسير».
فالخطابات المتشددة التي تربط الدين بالتعقيد لا ترجع إلى الدين نفسه، بل إلى الخطيب نفسه، فالدين وأحكامه كلها يسر، ولا تجعل المكلف في حرج، ولكن هناك من المتشددين من يضلون الناس عن أمر دينهم.
من خلال مشاركاتك في ندوات الجامع الأزهر الخاصة بالمرأة والأسرة.. ما أكثر قضية تؤرق المرأة المصرية اليوم وتشعرين أنها تحتاج إلى معالجة دينية وإنسانية أعمق؟
الحمد لله، الجامع الأزهر وكل القائمين عليه شغلهم الشاغل مراعاة مصلحة الإنسان، ذكرًا كان أو أنثى، وذلك من خلال برامج التوعية، ومنها البرامج الموجهة للمرأة، وبالفعل فإن هذه البرامج لها أثر كبير على المرأة، سواء من الناحية الدينية وتوعيتها بأمور دينها، خاصة العبادات من صلاة وزكاة وصيام وحج، فضلًا عن التعرض للناحية الأخلاقية وما يجب أن تتحلى به المرأة من الحياء والعفة والتقوى والصدق.
كذلك من أهم القضايا التي تحرص عليها المرأة قضية الأسرة، ومعرفة حقوقها وواجباتها تجاه زوجها وأبنائها، وأكثر ما يشغلها الخلافات الزوجية، وبالفعل فإن هذه البرامج لها تأثير إيجابي على المرأة، حيث تتعرف من خلالها على كل ما تحتاج إليه سواء من الناحية الدينية أو الاجتماعية، وبحمد الله، فإن هذه البرامج تفرعت في أكثر من مكان غير الجامع الأزهر، وذلك لتلبية احتياجات المرأة.

لو طلبنا من الدكتورة فتحية الحنفي أن تصف أكبر تحدٍ يواجه الخطاب الديني الوسطي اليوم في جملة واحدة.. ماذا ستقول؟
أكبر تحدٍ يواجه الخطاب الديني الوسطي اليوم هو وجود فجوة بين الخطاب وهوية الشباب.

اقرأ ايضا:




