ذكرى رحيل نور الشريف.. لماذا لم تنس الجماهير «عبدالغفور البرعي»؟
في الحادي عشر من أغسطس من كل عام، تعود إلى الذاكرة سيرة واحد من أهم الفنانين الذين تركوا بصمة استثنائية في تاريخ السينما والدراما المصرية، الفنان الراحل نور الشريف، الذي رحل عن عالمنا في 11 أغسطس 2015 عن عمر ناهز 69 عاما، بعد صراع مع المرض، وبعد مرور سنوات على رحيله، لا تزال شخصياته وأعماله حاضرة بقوة في وجدان الجمهور.
لم يكن نور الشريف مجرد نجم جماهيري يراهن على نجاح شباك التذاكر أو نسب المشاهدة، وإنما كان فنانا صاحب مشروع، اختار خلال مسيرته أعمالا تحمل أسئلة اجتماعية وفكرية وإنسانية، ونجح في الانتقال بين أدوار وشخصيات متناقضة دون أن يفقد خصوصيته أمام الكاميرا.
نور الشريف.. بداية من المسرح إلى النجومية
ولد نور الشريف في القاهرة عام 1946، واسمه الحقيقي محمد جابر محمد عبدالله، وبدأ رحلته مع التمثيل والمسرح في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يتخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية.
وكانت السينما واحدة من أهم المحطات في مسيرته، حيث شارك في أعمال أدبية وفكرية واجتماعية رسخت مكانته بين كبار نجوم الفن المصري، ومن أبرز بداياته السينمائية مشاركته في فيلم «قصر الشوق»، الذي قدم خلاله شخصية كمال عبدالجواد ضمن ثلاثية نجيب محفوظ، ثم استكمل الشخصية في «السكرية».
فنان اختار أدواره بعناية
تميزت اختيارات نور الشريف بالبحث عن الشخصية المختلفة والقضية التي تستحق أن تقدم على الشاشة، وهو ما جعله حاضرا في أفلام تناولت قضايا المجتمع والتحولات السياسية والفكرية والإنسانية.
ومن أبرز أعماله السينمائية «سواق الأتوبيس» و«العار» و«زوجة رجل مهم» و«ليلة ساخنة» و«ناجي العلي» و«المصير» و«حدوتة مصرية» و«بتوقيت القاهرة»، إلى جانب أعمال أخرى عديدة.
كما ارتبط اسمه بأعمال مأخوذة عن الأدب العربي، وخاصة أدب نجيب محفوظ، إذ قدم عددا كبيرا من الشخصيات المستوحاة من رواياته، من بينها «الكرنك» و«أهل القمة» و«السراب» و«الطريق» و«قلب الليل»، وهو ما يعكس اهتمامه بالأعمال التي تحمل أبعادا تتجاوز الحكاية المباشرة.
«لن أعيش في جلباب أبي».. شخصية لا تنسى
وعلى مستوى الدراما التلفزيونية، استطاع نور الشريف أن يصنع مجموعة من الشخصيات التي أصبحت جزءا من الذاكرة الشعبية، ومن أشهرها شخصية عبدالغفور البرعي في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي»، المأخوذ عن رواية لإحسان عبدالقدوس.
وقدم المسلسل صورة درامية للصراع بين الأجيال، والطموح، والبحث عن النجاح، والعلاقة بين الأب وأبنائه، لتتحول شخصية عبدالغفور البرعي إلى واحدة من أشهر الشخصيات التي قدمها نور الشريف على الشاشة.
كما قدم مسلسلات مهمة أخرى، من بينها «عمر بن عبدالعزيز»، الذي جسد فيه شخصية الخليفة الأموي، و«الدالي» بأجزائه، وغيرها من الأعمال التي أكدت قدرته على الانتقال بين الدراما الاجتماعية والتاريخية والسياسية.

أكثر من 250 عملا فنيا
تكشف حصيلة نور الشريف الفنية عن مسيرة استثنائية، إذ تشير تقارير صحفية إلى أنه قدم خلال رحلته الفنية أكثر من 250 عملا بين السينما والتليفزيون والمسرح، وهو رقم يعكس حجم حضوره وتأثيره في المشهد الفني المصري والعربي.
ولم يكن هذا الحضور قائما على كثرة الأعمال فقط، بل على التنوع أيضا؛ فبينما قدم الشخصيات الشعبية والدراما الاجتماعية، ظهر في أعمال تاريخية وأدبية وفكرية، كما عمل في مجالات الإنتاج والإخراج إلى جانب التمثيل.
«بتوقيت القاهرة».. الفصل الأخير على الشاشة
كان فيلم «بتوقيت القاهرة» من آخر أعمال نور الشريف السينمائية، وشارك في بطولته مع ميرفت أمين وسمير صبري وكندة علوش وشريف رمزي وآيتن عامر وآخرين، وكان من تأليف وإخراج أمير رمسيس.
وجاء الفيلم ليكون واحدا من الأعمال التي ارتبط بها اسم نور الشريف في سنواته الأخيرة، قبل أن يرحل عن عالمنا في أغسطس 2015.
نور الشريف وبوسي.. قصة حب وزواج
لم تكن حياة نور الشريف الفنية وحدها محط اهتمام الجمهور، إذ ارتبط اسمه أيضا بقصة حب وزواج الفنانة بوسي، التي بدأت في سنوات الشباب واستمرت لسنوات طويلة، رغم ما شهدته العلاقة من انفصال ثم عودة.
وكانت الأسرة بالنسبة إلى نور الشريف جزءا مهما من حياته، وأنجب من بوسي ابنتيه مي وسارة، اللتين ظلتا حاضرتين في حياة والدهما حتى سنواته الأخيرة.

جوائز وتكريمات في مسيرة حافلة
حصل نور الشريف على عدد من الجوائز والتكريمات خلال مسيرته، من بينها جائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم «ليلة ساخنة»، كما حصل على جائزة أفضل ممثل في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ونال كذلك جائزة أفضل ممثل في مهرجان وهران للفيلم العربي عن دوره في «بتوقيت القاهرة».
وكانت قيمة هذه الجوائز بالنسبة إلى مسيرته أنها جاءت عن أعمال وشخصيات متنوعة، أكدت أن موهبته لم تكن محصورة في نوع واحد من الأدوار.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
في 11 أغسطس 2015، رحل نور الشريف في القاهرة بعد صراع طويل مع المرض، لتنتهي رحلة جسدية لفنان امتدت لعقود، لكنها لم تنته فنيا؛ فالأعمال التي قدمها لا تزال تعرض وتناقش، والشخصيات التي جسدها ما زالت حاضرة في ذاكرة المشاهدين.
وفي كل ذكرى لرحيله، لا يستعيد الجمهور فقط صورة الفنان الذي وقف أمام الكاميرا، وإنما يستعيد أيضا تجربة فنان كان يؤمن بأن التمثيل يمكن أن يكون وسيلة لطرح الأسئلة ومناقشة قضايا المجتمع وتقديم شخصيات حقيقية بكل ما تحمله من ضعف وقوة وتناقضات.
رحل نور الشريف، لكن الزمن لم يستطع أن يطوي صفحته، بقيت أفلامه ومسلسلاته شاهدة على موهبة اختارت أن تكون جزءا من قضايا الناس، لا مجرد حضور عابر على الشاشة. وربما كان هذا هو سر بقائه؛ فالفنان الحقيقي لا تقاس قيمته بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بعدد المرات التي يعود فيها الجمهور إلى أعماله، فيجد فيها شيئا جديدا يشبهه ويشبه زمانه.




