هل تستطيع المهرجانات الثقافية دعم السياحة في البحرين؟ بيانات الإنفاق والإشغال تكشف حجم الفرصة

كتبت: سمر عبد الرؤوف

هل تستطيع المهرجانات الثقافية دعم السياحة في البحرين؟ لم يعد السؤال متعلقًا فقط بقدرة الحفلات والعروض التراثية على جذب الجمهور، بل بمدى انعكاس هذا الإقبال على الاقتصاد المحلي، بداية من حجوزات الفنادق والمطاعم، وصولًا إلى الإنفاق على النقل والتسوق والخدمات السياحية. ومع تزايد الاهتمام بالسياحة الثقافية والتراثية في المملكة، تبرز الحاجة إلى قياس العائد الفعلي للفعاليات، بدل الاكتفاء بأعداد الحضور والانطباعات العامة عن نجاحها.

وتقدم البيانات المنشورة عن عام 2025 مؤشرات تستحق التوقف عندها؛ إذ أفادت صحيفة «الأيام» البحرينية، في تقرير نُشر في يناير 2026، بأن المواقع الأثرية والثقافية في المملكة استقطبت أكثر من 2.04 مليون زائر خلال العام، بالتزامن مع نمو إيرادات السياحة الوافدة ومؤشرات مرتبطة بالإقامة والضيافة. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتحديد مقدار ما أضافته المهرجانات تحديدًا إلى إيرادات المنشآت السياحية، وهو ما يجعل تحليل العلاقة بين الفعاليات والإنفاق الفعلي خطوة ضرورية لفهم الأثر الاقتصادي بصورة أدق.

المهرجانات الثقافية في البحرين.. من الحضور الجماهيري إلى العائد الاقتصادي

تمتلك البحرين عناصر متنوعة يمكن أن تدعم السياحة الثقافية، من المواقع التاريخية ومسارات التراث إلى المهرجانات الموسيقية والعروض الفنية والفعاليات التي تستعرض الهوية المحلية. وتندرج الثقافة والتراث ضمن المحاور السبعة التي تستند إليها استراتيجية السياحة البحرينية 2022–2026، إلى جانب الترفيه والرياضة والمؤتمرات والمعارض وغيرها من المنتجات السياحية.

ويمكن الاطلاع على تفاصيل هذه التوجهات عبر البوابة الوطنية لمملكة البحرين حول استراتيجية السياحة والمشروعات، التي تضع تنويع المنتجات السياحية وزيادة مساهمة القطاع في الاقتصاد ضمن أهدافها.

اقتصاديًا، لا يتوقف أثر المهرجان عند بيع التذاكر أو تسجيل أعداد الحضور؛ فقد يمتد إلى حجز غرفة فندقية لليلة أو أكثر، وتناول الطعام في المطاعم، واستخدام سيارات الأجرة، وشراء المنتجات المحلية، وزيارة المواقع التراثية القريبة. وكلما تحولت الفعالية إلى سبب رئيسي لتمديد إقامة الزائر، زادت فرص توزيع الإنفاق على قطاعات مختلفة.

لكن هذا الأثر لا يحدث تلقائيًا؛ فقد يحضر الزائر فعالية ثم يغادر في اليوم نفسه، أو يكون مقيمًا في البحرين أصلًا، أو يزور المملكة لسبب آخر ويتزامن وجوده مع المهرجان. لذلك، فإن التمييز بين الزائر الذي جاء خصيصًا لحضور الفعالية والزائر الذي حضرها ضمن رحلة مخطط لها مسبقًا يمثل نقطة أساسية عند حساب العائد السياحي.

ماذا تقول البيانات المنشورة عن السياحة الثقافية والإنفاق في البحرين؟

بحسب تقرير نشرته صحيفة «الأيام» البحرينية في 7 يناير 2026، استقطبت المواقع الأثرية والثقافية في المملكة أكثر من 2.04 مليون زائر خلال عام 2025. وأشار التقرير إلى ارتفاع إيرادات السياحة الوافدة بنسبة 6.4% إلى 478 مليون دينار بحريني، وزيادة متوسط الإنفاق اليومي للزائر بنسبة 4.9% ليصل إلى 72 دينارًا، إلى جانب نمو عدد الليالي السياحية ومؤشرات خدمات الإقامة والطعام.

ويمكن مراجعة الأرقام والتفاصيل الواردة في تقرير «الأيام» عن إيرادات السياحة الوافدة وزوار المواقع الثقافية.

وتكشف هذه المؤشرات عن وجود نشاط اقتصادي مرتبط بالسياحة الثقافية والتراثية، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فإيرادات السياحة الوافدة تشمل أنشطة ورحلات متعددة، ولا يمكن نسبتها بالكامل إلى المهرجانات. كما أن عدد زوار المواقع الثقافية قد يشمل المقيمين والزوار المحليين والسياح، وبالتالي لا يساوي بالضرورة عدد السياح الذين حجزوا فنادق أو أنفقوا أموالًا إضافية بسبب فعالية معينة.

وتوفر بوابة البحرين للبيانات المفتوحة مجموعة بيانات عن الإنفاق السنوي للزوار الوافدين، مع تصنيف الإنفاق بحسب الزائر الذي يغادر في اليوم نفسه والزائر الذي يبيت في المملكة. وتمثل هذه البيانات نقطة بداية مفيدة للباحثين والصحفيين عند مقارنة أنماط الإنفاق، لكنها لا تقدم بمفردها تفصيلًا مباشرًا للعائد الناتج عن كل مهرجان.

وهنا تظهر الفجوة التي ينبغي أن يتناولها أي تحقيق صحفي متعمق: الأرقام العامة تؤكد أهمية النشاط السياحي، لكن معرفة نصيب الفعاليات الثقافية منه تتطلب بيانات تفصيلية مرتبطة بتواريخ المهرجانات ومواقعها وحركة الزوار خلالها.

هل تزيد المهرجانات نسب إشغال الفنادق والمطاعم؟

يمثل إشغال الفنادق أحد أهم المؤشرات التي يمكن من خلالها اختبار الأثر السياحي للمهرجانات. فإذا شهدت الفنادق القريبة من موقع فعالية ارتفاعًا في الحجوزات خلال أيام انعقادها، فقد يشير ذلك إلى وجود علاقة بين الحدث والطلب على الإقامة، لكن إثبات العلاقة يحتاج إلى مقارنة منظمة، لا إلى الاكتفاء بارتفاع الإشغال في فترة المهرجان.

ويُفترض أن تشمل المقارنة نسب إشغال الفنادق قبل الفعالية وخلالها وبعدها، مع مقارنة النتائج بالفترة نفسها من العام السابق، ومراعاة المواسم السياحية والعطلات والفعاليات الرياضية والمعارض والمؤتمرات التي قد تؤثر بدورها على الحجوزات. كما ينبغي التفريق بين الغرف المحجوزة بسبب المهرجان والغرف التي كانت ستُحجز في جميع الأحوال.

وينطبق الأمر نفسه على المطاعم والمقاهي؛ إذ يمكن قياس التغير في عدد الفواتير ومتوسط قيمة الطلب والمبيعات اليومية، خصوصًا لدى المنشآت القريبة من مواقع الفعاليات أو التي تقدم عروضًا مرتبطة بها. ومن المهم أيضًا معرفة ما إذا كانت الزيادة في المبيعات موزعة على عدد كبير من المنشآت أم تتركز في أماكن محدودة.

ولا تقتصر الاستفادة على المنشآت الكبرى؛ فقد تستفيد المشروعات الصغيرة، مثل محال الحرف اليدوية والأكشاك وبائعي المنتجات المحلية وشركات تنظيم الجولات، إذا تضمنت الفعاليات مساحات للبيع والتجربة الثقافية، وربطت الجمهور بمناطق تجارية وتراثية مجاورة.

دراسة عن مهرجان ربيع الثقافة.. ماذا تقول الأبحاث عن تجربة الزائر؟

لا يقتصر تقييم المهرجانات على الإيرادات المباشرة، فالتجربة الثقافية نفسها قد تؤثر في رضا الزائر ورغبته في العودة إلى الوجهة السياحية. وفي هذا السياق، تناولت دراسة أكاديمية منشورة عام 2025 دوافع الرضا والولاء لدى زوار مهرجان ربيع الثقافة في البحرين، اعتمادًا على 389 استبانة صالحة للتحليل.

وخلصت الدراسة إلى أن الاستكشاف الثقافي والبحث عن تجارب جديدة والتفاعل الاجتماعي كانت من أبرز العوامل المرتبطة برضا المشاركين، كما ارتبط الرضا بزيادة نية العودة والتوصية بالتجربة للآخرين. ويمكن الاطلاع على الدراسة عبر البحث الأكاديمي المنشور في مجلة Cogent Social Sciences عن مهرجان ربيع الثقافة.

وتدعم هذه النتائج أهمية تصميم برامج تمنح الزائر تجربة تتجاوز مشاهدة العرض، مثل الجولات التراثية والأنشطة التفاعلية والتعرف على الحرف والموسيقى المحلية. ومع ذلك، فإن الدراسة تتناول دوافع الرضا والولاء، ولا تمثل بحد ذاتها قياسًا لقيمة الإنفاق السياحي أو مقدار الزيادة في إشغال الفنادق والمطاعم؛ فهذه مؤشرات اقتصادية تحتاج إلى بيانات مستقلة.

ما البيانات المطلوبة لقياس الأثر الحقيقي للمهرجانات؟

حتى تتحول العلاقة بين الفعاليات الثقافية والسياحة إلى نتيجة قابلة للقياس، تحتاج الجهات السياحية والمنظمون والمنشآت إلى نشر مؤشرات واضحة ومترابطة. ويمكن أن يبدأ ذلك بتوفير بيانات قبل الفعالية وخلالها وبعدها، مع تحديد الفترة الزمنية والمنطقة التي تغطيها الأرقام.

وتشمل البيانات الأكثر أهمية:

  • إشغال الفنادق: نسبة الإشغال اليومية، ومتوسط سعر الغرفة، وعدد الليالي المحجوزة خلال فترة المهرجان، مقارنة بفترات مرجعية مماثلة.
  • حركة الزوار: عدد الحضور، ونسبة القادمين من خارج البحرين، وعدد الزوار الذين باتوا ليلة واحدة على الأقل، ومتوسط مدة الإقامة.
  • إنفاق الزوار: متوسط ما ينفقه الزائر على الإقامة والطعام والنقل والتسوق والتذاكر والأنشطة السياحية الأخرى.
  • أداء المطاعم والمنشآت الصغيرة: التغير في المبيعات وعدد المعاملات ومتوسط قيمة الفاتورة، مع مراعاة الاختلافات بين المناطق وأيام الأسبوع.
  • تكلفة تنظيم الفعالية: الإنفاق على الإنتاج والتسويق والتشغيل والأمن والنقل، إلى جانب العوائد المباشرة وغير المباشرة التي يمكن تقديرها.
  • مصدر الزيارة: نسبة الزوار الذين أكدوا أن المهرجان كان السبب الأساسي لرحلتهم، ونسبة من مدّدوا إقامتهم أو أضافوا أنشطة سياحية بسببه.

ومن المهم أن تُنشر هذه المؤشرات وفق منهجية واضحة تحافظ على سرية البيانات التجارية للمنشآت، وتسمح بالمقارنة بين المهرجانات المختلفة، كما ينبغي التمييز بين إجمالي الإنفاق الذي يحدث أثناء الفعالية والإنفاق الإضافي الذي لم يكن ليحدث لولا إقامتها؛ فالأخير هو الأكثر دلالة عند تقييم العائد الاقتصادي.

كيف يمكن تحويل المهرجانات إلى رحلات سياحية أطول؟

لا يرتبط الأثر الاقتصادي بعدد الفعاليات وحده، بل بقدرة الجهات المنظمة على ربطها بتجربة سياحية متكاملة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التعاون مع الفنادق لتقديم باقات تشمل الإقامة وتذاكر العروض، وإعداد مسارات لزيارة المواقع التاريخية والأسواق التقليدية، وتوفير عروض للمطاعم والحرفيين المحليين.

كما يمكن توزيع الفعاليات على أكثر من موقع، بما يشجع الزوار على الانتقال بين المناطق السياحية، بدل تركز الحركة والإنفاق في موقع واحد. ويساعد نشر جدول الفعاليات مبكرًا، وتوفير معلومات واضحة عن المواصلات وأسعار التذاكر وخيارات الإقامة، في تسهيل تخطيط الرحلات، خصوصًا للزوار القادمين من دول مجلس التعاون الخليجي.

وتحتاج هذه الخطوات إلى متابعة بعد انتهاء الفعاليات، عبر استطلاعات تسأل الزائر عن سبب الزيارة ومدة الإقامة والأنشطة التي شارك فيها ومقدار إنفاقه. ومن خلال ربط هذه الإجابات ببيانات الحجوزات والمبيعات، يمكن تحديد الفعاليات التي تحقق قيمة اقتصادية أكبر، وتطوير البرامج اللاحقة على أساس النتائج لا التوقعات وحدها.

هل تستطيع المهرجانات الثقافية دعم السياحة في البحرين؟

تشير المؤشرات المنشورة عن عام 2025 إلى أن المواقع الثقافية والتراثية تمثل جزءًا مهمًا من المشهد السياحي في البحرين، بالتزامن مع نمو في إيرادات السياحة ومؤشرات الإقامة والضيافة. كما توضح الأبحاث المتعلقة بمهرجان ربيع الثقافة أن التجربة الثقافية والرضا عنها قد يسهمان في تعزيز رغبة الزائر في العودة والتوصية بالوجهة للآخرين.

لكن تحديد حجم مساهمة المهرجانات في إشغال الفنادق والمطاعم والإنفاق السياحي يظل مرتبطًا بتوافر بيانات تفصيلية ومقارنات زمنية ومكانية، إلى جانب شهادات موثقة من أصحاب المنشآت والجهات المنظمة. فارتفاع عدد الحضور لا يعني بالضرورة ارتفاعًا مماثلًا في الإنفاق، كما أن نمو السياحة خلال فترة إقامة مهرجان لا يثبت وحده أن الفعالية كانت السبب المباشر.

ومن هنا، فإن الإجابة الدقيقة عن سؤال «هل تستطيع المهرجانات الثقافية دعم السياحة في البحرين؟» تتطلب الانتقال من قياس الحضور إلى قياس الأثر: كم زائرًا جاء خصيصًا للفعالية؟ وكم ليلة إضافية قضاها في المملكة؟ وما حجم الإنفاق الذي وصل إلى الفنادق والمطاعم والمنشآت المحلية؟ عندما تصبح هذه الأرقام متاحة وقابلة للمقارنة، يمكن تقييم المهرجانات على أساس مساهمتها الاقتصادية الفعلية، وتحديد سبل تحويل الثقافة والتراث إلى فرص سياحية مستدامة.

 

 

 

 

اقرأ أيضاً..

أفضل تطبيقات توصيل الطعام في السعودية 2026.. مقارنة الخدمات والعروض وطرق الدفع

الفنون الشعبية البحرينية في مواجهة تغير الذوق الموسيقي.. كيف ينتقل التراث إلى الأجيال الجديدة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى