الفنون الشعبية البحرينية في مواجهة تغير الذوق الموسيقي.. كيف ينتقل التراث إلى الأجيال الجديدة؟

كتبت: سمر عبد الرؤوف 

لم يعد الحفاظ على الفنون الشعبية البحرينية مرتبطًا بإقامة الأمسيات التراثية أو تقديم عروض تستعيد إيقاعات الماضي فحسب، بل أصبح يرتبط أيضًا بقدرة هذه الفنون على الوصول إلى جيل يتلقى الموسيقى بطرق مختلفة، ويتعرف على الأغاني عبر المنصات الرقمية ومقاطع الفيديو القصيرة. وبين إيقاعات البحر التي ارتبطت بحياة الغوص بحثًا عن اللؤلؤ، والألحان الشعبية التي صاحبت المناسبات الاجتماعية، تبرز تساؤلات حول كيفية إبقاء هذا الموروث حاضرًا في حياة الشباب، لا باعتباره ذكرى من الماضي، وإنما جزءًا حيًا من الثقافة البحرينية المعاصرة.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة مع استمرار المبادرات الثقافية في البحرين التي تستهدف توثيق التراث غير المادي وإشراك الشباب في الحفاظ عليه. ويبرز فن الصوت والفجري والعرضة وغيرها من الفنون التقليدية بوصفها نماذج تحمل تاريخ المجتمع وتفاصيل حياته، ما يجعل نقلها إلى الأجيال الجديدة مسؤولية تتجاوز حفظ الألحان إلى تعريف الشباب بالقصص والقيم والظروف التي نشأت فيها هذه الفنون.

الفنون الشعبية البحرينية.. ذاكرة موسيقية تتجاوز حدود الترفيه

تمثل الفنون الشعبية في البحرين سجلًا فنيًا واجتماعيًا يوثق جانبًا من حياة المجتمع، إذ ارتبطت بعض أنماطها بالبحر والغوص وصيد اللؤلؤ، بينما حضرت أنماط أخرى في الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية والوطنية.

ويأتي فن الفجري في مقدمة الفنون المرتبطة بالذاكرة البحرية البحرينية، حيث نشأ في سياق حياة البحارة والغواصين، وحمل إيقاعات وأداءات تعكس طبيعة العمل الجماعي وتجارب العاملين في البحر. كما يحتل فن الصوت مكانة مهمة في الموسيقى التقليدية البحرينية، إلى جانب العرضة والخماري والعاشوري والليوة والطنبورة، التي تتميز كل منها بطابعها الموسيقي والأدائي الخاص.

ويمكن التعرف على نماذج من هذه الفنون وتاريخ الفرق التي تحافظ عليها من خلال الموقع الرسمي لهيئة البحرين للثقافة والآثار، الذي يعرض معلومات عن فرق شعبية بحرينية ودورها في إحياء الفنون التقليدية ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

ولا تتوقف أهمية هذه الفنون عند الجانب الموسيقي، فهي تحمل مفردات من اللهجة المحلية، وأساليب في الأداء الجماعي، وأنماطًا من التعبير عن الفرح والعمل والانتماء، وهو ما يمنحها قيمة ثقافية يصعب تعويضها بمجرد تسجيل الألحان أو حفظ الكلمات.

تغير الذوق الموسيقي.. هل أصبح التراث بعيدًا عن اهتمامات الشباب؟

تواجه الفنون الشعبية تحديًا مرتبطًا بتغير طرق الاستماع إلى الموسيقى واستهلاك المحتوى الفني. فالأجيال الجديدة تستطيع الوصول إلى أنماط موسيقية متنوعة عبر الهواتف والمنصات الرقمية، بينما كان انتقال الفنون الشعبية في الماضي يعتمد بدرجة أكبر على المشاركة المباشرة في المناسبات، والاستماع إلى المؤدين، والتعلم من أفراد الأسرة والمجتمع.

ولا يعني هذا التحول بالضرورة تراجع اهتمام الشباب بالتراث، لكنه يطرح سؤالًا حول الطريقة التي يُقدم بها هذا التراث ومدى قدرته على الوصول إلى الجمهور خارج المناسبات التقليدية.

فقد يستمع الشاب إلى مقطع قصير من إيقاع شعبي دون أن يعرف اسمه أو خلفيته التاريخية، وقد يشاهد عرضًا تراثيًا دون أن يدرك العلاقة بين حركات المؤدين وطبيعة المناسبة التي نشأ فيها. ومن هنا تظهر أهمية الجمع بين تقديم الفن نفسه وشرح قصته، بما يجعل التجربة أكثر ارتباطًا بحياة الجمهور المعاصر.

كما أن التعامل مع الذوق الموسيقي الحديث باعتباره عدوًا للتراث قد يحد من فرص انتشاره؛ فالتحدي الحقيقي يتمثل في إيجاد مساحات تسمح للفنون الشعبية بالوصول إلى جمهور جديد، مع الحفاظ على عناصرها الأصيلة وعدم اختزالها في مجرد مؤثرات صوتية أو مشاهد استعراضية.

كيف تسهم الفرق الشعبية في نقل التراث إلى الأجيال الجديدة؟

تؤدي الفرق الشعبية دورًا أساسيًا في الحفاظ على الفنون البحرينية، لأنها لا تكتفي بتقديم العروض، بل تسهم في نقل مهارات الأداء والإيقاع وأساليب الغناء من جيل إلى آخر.

وتبرز في هذا السياق فرق مثل فرقة قلالي للفنون الشعبية ودار شباب الرفاع ودار بن حربان، التي ارتبطت أنشطتها بإحياء مجموعة من الفنون التقليدية، وتقديمها في الفعاليات والمناسبات المختلفة.

ويمكن الاطلاع على تجربة فرقة قلالي ودورها في حفظ الذاكرة الموسيقية البحرية من خلال مؤسسة الآغا خان للثقافة، التي سلطت الضوء على جهود الفرقة في إحياء فن الفجري ونقل تراث الغوص واللؤلؤ إلى الأجيال الجديدة.

وتزداد فاعلية هذا الدور عندما تتاح للشباب فرصة التعلم والمشاركة الفعلية، بدلًا من الاكتفاء بمشاهدة العروض. فالتدريب على الإيقاعات، والتعرف على الآلات، ومرافقة المؤدين أصحاب الخبرة، والمشاركة في تسجيل الأعمال التراثية، كلها وسائل تساعد على تحويل الاهتمام المؤقت إلى معرفة وممارسة مستمرة.

من المسارح إلى المنصات الرقمية.. كيف يصل التراث البحريني إلى الشباب؟

يمكن للمنصات الرقمية أن تفتح أمام الفنون الشعبية البحرينية مسارات جديدة للانتشار، خصوصًا عندما يُقدم المحتوى بطريقة تجمع بين المتعة والمعلومة.

ومن الممكن إنتاج مقاطع قصيرة تشرح الفروق بين فن الصوت والفجري والعرضة، أو تعرض كيفية بناء الإيقاع الشعبي باستخدام الآلات التقليدية، مع تعريف الجمهور بالمناسبات التي ارتبط بها كل فن. كما يمكن إعداد لقاءات مع كبار المؤدين لتسجيل تجاربهم وحكاياتهم، بما يحفظ جوانب من المعرفة التي لا تظهر بالضرورة في التسجيلات الموسيقية وحدها.

ولا يقتصر التوثيق الرقمي على تصوير العروض، بل يشمل تسجيل أسماء المؤدين والآلات والكلمات، وشرح المصطلحات المحلية، وحفظ التسجيلات في أرشيف منظم يسهل الرجوع إليه. ويساعد هذا النهج على حماية المعلومات من الضياع، ويتيح للباحثين والطلاب وصناع المحتوى الاستفادة منها في مشروعات ثقافية وتعليمية.

وفي هذا الإطار، يمكن الاستفادة من تجربة جامعة البحرين في توظيف الأفكار الإعلامية والتقنيات الحديثة لتقديم التراث بأساليب معاصرة، إذ تناولت الجامعة في معرض حملات التسويق الاجتماعي عام 2023 أفكارًا لتحويل الموروث الشعبي إلى محتوى رقمي، بما في ذلك توثيق الحكايات الشفوية عبر البودكاست.

ويمكن قراءة تفاصيل هذه التجربة عبر الموقع الرسمي لجامعة البحرين، للتعرف على كيفية توظيف الإعلام في تقريب التراث من الأجيال الجديدة.

ملتقى الشباب للتراث الثقافي غير المادي.. التوثيق يبدأ من الجيل الجديد

تقدم المبادرات التدريبية مثالًا عمليًا على إمكانية إشراك الشباب في حماية التراث البحريني، بدلًا من التعامل معهم بوصفهم جمهورًا مستهدفًا فقط.

وفي هذا السياق، نظمت هيئة البحرين للثقافة والآثار، بالتنسيق مع جامعة البحرين، النسخة الثالثة من ملتقى الشباب للتراث الثقافي غير المادي خلال الفترة من 20 إلى 22 أكتوبر 2026 في متحف البحرين الوطني، بمشاركة 28 طالبًا وطالبة من تخصصات مختلفة بكلية الآداب.

وتضمن البرنامج تدريبًا نظريًا وتطبيقيًا على توثيق فن الصوت، شمل إجراء مقابلات مع ممارسيه والمختصين فيه، وتسجيل المقابلات وتفريغها، وجمع المعلومات والمواد السمعية والبصرية وأرشفتها والتحقق من دقتها، تمهيدًا للإسهام في إعداد مكونات الملف الوطني المرتبط بترشيح الفن للإدراج على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى اليونسكو.

وتكشف هذه المبادرة عن أهمية الجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الميدانية؛ فالشباب المشاركون لا يتلقون معلومات عن التراث فحسب، بل يتعلمون أيضًا كيفية جمعه وتوثيقه والتحقق منه، بما يتيح لهم المشاركة في استمراره.

ويمكن الاطلاع على تفاصيل الملتقى من خلال جامعة البحرين وهيئة البحرين للثقافة والآثار.

هل يمكن تطوير الفنون الشعبية دون فقدان هويتها الأصلية؟

يطرح تطوير التراث سؤالًا مهمًا حول الحدود الفاصلة بين التجديد والمحافظة على الهوية. فإتاحة الفنون الشعبية لجمهور جديد لا تستلزم تغيير بنيتها الأساسية، وإنما يمكن أن تبدأ من تطوير طرق تقديمها وتوثيقها والتعريف بها.

ويمكن تنظيم ورش موسيقية للشباب، وإقامة عروض تجمع بين الشرح والأداء الحي، وإنتاج مواد مرئية تعرف الجمهور بتاريخ الفنون الشعبية ومكوناتها. كما يمكن تشجيع الموسيقيين المعاصرين على استلهام الإيقاعات التراثية في أعمال جديدة، بشرط توضيح مصدرها واحترام خصائصها الفنية وعدم تقديم النسخ الحديثة باعتبارها بديلًا عن الأداء التقليدي.

وتتطلب هذه العملية مشاركة أصحاب الخبرة والمؤدين الشعبيين والباحثين والمؤسسات الثقافية، حتى لا يتحول التجديد إلى استخدام سطحي للعناصر التراثية يفصلها عن سياقها التاريخي والاجتماعي.

فالحفاظ على التراث لا يعني تجميده في صورة واحدة، بل ضمان استمرار ممارسته ونقل المعرفة المرتبطة به، مع توثيق ما يطرأ عليه من تطورات بصورة واضحة.

ما الخطوات التي تساعد على استدامة الفنون الشعبية البحرينية؟

يمكن تعزيز حضور الفنون الشعبية بين الأجيال الجديدة من خلال مجموعة من المسارات العملية التي تجمع بين التعليم والتوثيق والمشاركة المجتمعية.

أول هذه المسارات هو إدخال أنشطة تعريفية بالفنون الشعبية في البرامج التعليمية والثقافية، بحيث يتعرف الطلاب على تاريخها وآلاتها وإيقاعاتها من خلال تجارب عملية، لا عبر المعلومات النظرية فقط.

ويتمثل المسار الثاني في دعم الفرق الشعبية وتوفير فرص منتظمة للتدريب، بما يسمح بنقل الخبرة من المؤدين الأكبر سنًا إلى الشباب، ويشجع على اكتشاف مواهب جديدة قادرة على مواصلة هذه الفنون.

أما المسار الثالث فيرتبط بإنشاء أرشيفات رقمية موثوقة تضم التسجيلات والمقابلات والصور والمعلومات التاريخية، مع تنظيمها بطريقة تسهل استخدامها في البحث والإنتاج الإعلامي.

ويأتي تشجيع الشباب على صناعة محتوى تراثي عبر المنصات الرقمية ضمن المسارات المهمة أيضًا، بشرط أن يعتمد المحتوى على معلومات دقيقة وأن يشارك فيه أصحاب المعرفة، بما يضمن الجمع بين جاذبية العرض وسلامة المعلومة.

في النهاية، لا تتوقف استمرارية الفنون الشعبية البحرينية على إقامة المهرجانات أو تسجيل الأغاني التقليدية، بل تعتمد على قدرتها على البقاء جزءًا من الحياة الثقافية اليومية، وعلى وجود أجيال جديدة تعرف تاريخها وتشارك في أدائها وتوثيقها.

وتوضح تجارب الفرق الشعبية والمبادرات الثقافية وبرامج تدريب الشباب أن نقل التراث يمكن أن يتحقق من خلال الجمع بين الممارسة المباشرة والتوثيق الرقمي والتعليم والإعلام الحديث، دون التفريط في الخصائص التي تمنح كل فن هويته.

ومع تغير الذوق الموسيقي وتعدد مصادر الاستماع، يصبح الاستثمار في معرفة الشباب بالتراث وإشراكهم في تطوير طرق تقديمه خطوة أساسية لضمان استمراره. فالموسيقى الشعبية لا تعيش بمجرد حفظ تسجيلاتها، وإنما تستمر عندما يجد الجيل الجديد ما يدفعه إلى فهمها وتعلمها وإعادة تقديمها باحترام لخصوصيتها، لتظل الفنون البحرينية جسرًا يصل ذاكرة الماضي بتجارب الحاضر وتطلعات المستقبل.

 

 

 

 

 

اقرأ أيضاً..

موعد افتتاح حديقة الحيوان بالجيزة 2027.. حقيقة قطع الأشجار ومفاجآت التطوير الجديدة

عروض الإنترنت المنزلي في البحرين 2026.. مقارنة الباقات والسرعات والأسعار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى