أشعار وأقوال

«وطفى».. حين يتحول الجنون إلى ملاذ أخير من قسوة العالم

بقلم: أميرة المهداوي – القدس / فلسطين

في عالمٍ تتشابك فيه القسوة مع الفقد، وتختلط فيه الحقيقة بالوجع، يولد أحيانًا نوعٌ مختلف من الحكايات… حكايات لا تُروى فقط، بل تُحَس وتُعاش. «وطفى» ليست مجرد اسم، بل حالة إنسانية تختصر وجعًا عميقًا وصراعًا خفيًا بين العقل والجنون، بين الصمت والانفجار، وبين الواقع وما تبقى من احتماله.

يحلو للبعض أحيانًا أن يناديني «وطفى»…
ألتفت إلى النداء، ويغمرني ضحك دافئ، وتمتلئ ملامحي بسعادة لا أعرف لها سببًا واضحًا. شيءٌ ما في هذا الاسم يوقظ بداخلي إحساسًا غامضًا، كأنني أتصالح مع جزء خفي من نفسي كلما سمعته.

«وطفى» يا سادة… امرأة في الأربعين من عمرها، سمراء البشرة، صارمة الملامح، قليلة الكلام. تمشي بثبات، لا تلتفت لما حولها، وكأنها تعيش في عالمٍ خاص لا يراه سواها. حضورها هادئ، لكنه محمّل بثقلٍ لا يُرى.

غير أن هذا الهدوء لا يدوم طويلًا…
فما إن يجتمع أطفال الحي وينادونها «المجنونة»، ويبدأون بالتصفيق والضحك، حتى تنقلب الصورة تمامًا. يركضون خلفها ببراءة، ظانين أنها جزء من لعبهم، بينما تتحول هي فجأة إلى حالة من الغضب، تنحني لتلتقط الحجارة، وتقذفها نحوهم بلا تردد، غير عابئة إن أصابت أحدهم.

لا أحد يعرف سرّ هذا التحول…
ولا أنا.

ربما فقدت عائلتها في لحظة قاسية من تاريخٍ لا يُنسى، وربما حملت وسادة بدل طفلها في رحلة هروبٍ مفجعة، كما تُروى قصص التشرد والفقد. ربما كان الجنون هو المخرج الوحيد من ذاكرة لا ترحم.

وأتساءل في صمت…
هل سرّ سعادتي حين يُنادى عليّ بهذا الاسم أنني أدرك أن الثبات في زمنٍ مجنون هو بحد ذاته جنون؟
أن العقل لا يكفي حين تتكسر الأحلام، وتضيع الأمنيات في زحام الألم؟

حين يصبح القلب مثقلًا بالجراح، والنفس منهكة، وكل الطرق تؤدي إلى الحيرة…
حين يُقتل صوت الحقيقة، وتُذبح البراءة، وتُباع الإنسانية في أسواق المصالح…
حين تصبح المشاعر النبيلة بلا قيمة، ويغدو العالم أكثر قسوة من أن يُحتمل…

ماذا يفعل العقل حينها؟
وأي منطق يمكنه النجاة؟

ربما…
ربما تكون الراحة في أن نتخلى قليلًا عن هذا العقل، أن نُسلم أنفسنا لحالة من الغياب، أن نهرب – ولو مؤقتًا – من ثقل الفهم.

وفي زمنٍ يتكاثر فيه الجنون، قد لا يكون فقدان الاتزان ضعفًا، بل وسيلة للبقاء. «وطفى» ليست مجرد امرأة يراها البعض مجنونة، بل مرآة تعكس واقعًا أشد جنونًا منها. وبين العقل والجنون، يبقى السؤال معلقًا: أيهما أكثر رحمة بالإنسان؟
ولعل الإجابة تأتي هامسة في النهاية…
طوبى للمجانين.

اقرأ ايضا:

قصيدة بث مباشر للشاعر أسامة مهران مارس 2026.. نص شعري عن الوطن والإنسان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى