الناقد أحمد فرحات يكتب: التشورتشخيلا

الناقد أحمد فرحات

كتاب ممتع لهايدي فاروق، تحدثت فيه عن رحلتها إلى جورجيا وأرمينيا لرغبتها في شغف السفر وربما تمردت على حياة الهدوء ورغبت في تغيير مسار نمطية الواقع المعيش، في الكتاب تكاد تشم وتتذوق وترى أطعمة وأشربة من بيئة مختلفة، مع مقارنات طريفة بالواقع المصري. والتشورتشخيلا حلوى تشبه الملبن الحبل في مصر.

وبفعل المغامرة وشغف السفر تؤمن هايدي فاروق بأن النجاح الحقيقي الذي لا تشارك فيه روحها سيتحول يوما إلى عبء، وكل قمة تصل إليها بأقدام الآخرين ستبقى غريبة فوقها لذلك غامرت بسفرها فهي تستحق المكان الذي وصلت إليه.

هناك عنصر فني آخر يستحق الانتباهفي الكتاب مصحوب بلوحات للفنان أحمد جعيصة توثق بعض الأماكن والمشاهد في أرمينيا وجورجيا. وقد أشارت الكاتبة إلى أن بعض اللوحات رُسمت أثناء الرحلة نفسها. وهذا يجعل الكتاب قائمًا على تفاعل الوسائط المصورة. وبالتالي لا يصبح القارئ متلقيًا للسرد وحده، وإنما أمام تجربة توثيقية وجمالية متعددة الوسائط.

النسق النسوي في كتاب «التشورتشخيلا وحكايات أخرى.. مائدة الجبال القوقازية» لهايدي فاروق يمكن أن يكون مدخلًا نقديًا مهمًا، لكن من الأفضل التعامل معه بوصفه نسقًا ثقافيًا مضمرًا لا مجرد البحث عن حضور المرأة في النص.

أبرز ما يمكن التقاطه نسويًا هو ارتباط المرأة بالمطبخ. فالمرأة لا تظهر فقط باعتبارها من تقوم بإعداد الطعام، وإنما بوصفها واسطة انتقال الذاكرة الثقافية بين الأجيال. فالطبخة التي تنتقل من الأم إلى الابنة ليست مجرد وصفة؛ إنها تحمل معهاخبرات السنين.

النقد النسوي التقليدي ينظر إلى تقسيم العمل الذي يحصر المرأة في المجال المنزلي بوصفه إحدى صور التهميش. فالمرأة التي تبدو محصورة في المطبخ تصبح، في المستوى الثقافي، حارسة للتراث. وهنا يمكن القول إن النص يعيد تقييم العمل المنزلي، لا باعتباره عملًا هامشيًا، بل باعتباره إنتاجًا للثقافة وحفظًا للهوية.

هناك مستوى نسوي آخر مهم جدًا: الكاتبة نفسها. فالرحلة في الأدب العربي ارتبطت تاريخيًا بصورة الرحالة الرجل الذي يغادر المكان، ويراقبه، ويصفه، ويحكم عليه.أما هنا فنحن أمام ذات أنثوية رحالة تمتلك حق السفر وما فيه من فوائد وشغف وانبهار. وهذا يعني أن المرأة لا تعود موضوعًا لوصف الرحالة، وإنما تصبح ذاتًا منتجة للمعرفة عن الآخر.

هل إعادة المرأة إلى المطبخ تمثل تحررًا أم إعادة إنتاج لدورها التقليدي؟ فمن ناحية، الكتاب يمنح المطبخ قيمة ثقافية ويجعل المرأة حاملة للذاكرة.

لكن من ناحية أخرى، قد يُفهم التركيز على المرأة في الطبخ بوصفه إعادة تثبيت للصور التقليدية عن الأنوثة. ومن هنا تصبح القراءة النسوية أكثر نضجًا حين لا تحتفي بالنص مباشرة، وإنما تسأل: هل يحطم النص النسق الأبوي، أم يعيد إنتاجه بصورة أكثر جمالية؟

فالمرأة لا تنقل معلومات عن المكان فحسب، بل تختبر المكان بجسدها وحواسها تذوقا ولمسا ورائحة.

من زاوية أخرى يمكن أن نضع الكتاب في مواجهة نوعين من التاريخ:

التاريخ الرسمي: الملوك، الحروب، السياسة، الحدود، المعاهدات.

التاريخ اليومي: الأم، الجدة، الطبخ، الوصفة، المائدة، الضيافة، الذاكرة.

والتاريخ الثاني هو الذي تساهم النساء بصورة كبيرة في حفظه.

وبالتالي فإن الكتاب يتيح لنا أن نقرأ التاريخ من منظور الحياة اليومية، وأن نمنح المعرفة النسائية التي كانت تبدو «هامشية» مكانًا داخل السرد الثقافي.لذلك لا تكتفي هايدي فاروق بوصف الأماكن التي زارتها في القوقاز، وإنما تنظر إلى المكان من خلال موائده وأكلاته ووصفاته وعاداته المرتبطة بالطعام.

وتنطلق الكاتبة من تجربتها في جورجيا وأرمينيا، فتصف الطبيعة والجبال والمدن والآثار والأديرة، لكنها تجعل الطعام محورًا تتقاطع حوله هذه العناصر كلها. ومن هنا يصبح طبق الطعام وسيلة للكشف عن تاريخ المكان، وعلاقاته الاجتماعية، ومعتقداته، وعاداته، وذاكرته الشعبية.

ومن أهم ما يميز الكتاب أن الكاتبة لا تقدم أدب رحلة تقليديًا يكتفي بوصف المدن والمعالم السياحية، وإنما تمزج بين أدب الرحلة، والكتابة الصحفية، والتوثيق الثقافي، وأدب الطعام. ولذلك يمكن النظر إلى المائدة في الكتاب باعتبارها «خريطة ثقافية»؛ فما يؤكل، وكيف يُعدّ، ومتى يُقدَّم، ومن يتشارك فيه، كلها أسئلة تكشف بنية المجتمع.

من أهم الملاحظات التي لاحظتها في الكتاب قولها: أما عندنا في مصر، فالسبانخ من الأطعمة «المظلومة». إذ نمطتها المرأة المصرية وحصرتها في الصلصة والأرز، وأجبرت أطفالهاعلى تناولها باعتبارها غنية بالحديد والمعادن. ومع مرور الأجيال ترّسخت هذه الصورة حتى وُصمت بأنها طعام ثقيل يهرب منه الكثيرون، وتندرت عليها السينما وأصبحت وصفا للمراوغة والفهلوة وسوء النية. وهذا القول عن السبانخ  صحيح في ظاهرة وغير مقبول في باطنه، فالمرأة المصرية تفننت في طهو السبانخ وأضافت إليها أشياء جعلتها محببة ولا يليق أن نظلمها في ذلك.

في المقطع المصري عن السبانخ، يتحول الطعام إلى صورة ثقافية سلبية؛ أما هنا فيتحول الطعام الجورجي إلى صورة ثقافية إيجابية ومقدسة. أي أن الكاتبة تستخدم الطعام في الحالتين بوصفه مرآة للثقافة:

السبانخ المصرية هي ذاكرة اجتماعية وسخرية شعبية.

الطعام الجورجي هو شعر وأساطير وبركة سماوية.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة النص الرحلي: الرحلة لا تصف ما يأكله الإنسان فقط، بل تكشف كيف تنظر الشعوب إلى طعامها، وكيف يتحول الطعام إلى جزء من هويتها الثقافية. الأمر الآخر أنها ذكرت أن هجرة بعض الأقباط من مصر إلى جورجينيا عام 2012م بسبب الثورة المصرية وعددهم مائة ألف بسبب الخوف والقلق أغلبهم رجال أعمال وأطباء ومهندسين .. صحيح أنها اعتمدت على مصادر ووثائق ولكن كان ينبغي أن تلتفت إلى الجانب السلمي للثورة المصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى