سيد حجاب.. صياد الحواديت ومهندس الوجدان المصري

في 23 سبتمبر 1940، وُلد في المطرية بالدقهلية شاعر لم يكتب العامية باعتبارها لغة أقل من الفصحى، وإنما جعل منها بيتًا واسعًا للناس؛ للصيادين والفلاحين والعمال والعشاق، وللحالمين والمنهكين، وللوطن حين يفرح وحين ينكسر.

إنه سيد حجاب، الشاعر الذي استطاع أن يجعل القصيدة تمشي على قدميها في الشارع، ثم تدخل البيوت عبر الراديو والتليفزيون، وتستقر في وجدان أجيال كاملة.

المطرية.. البداية التي صنعت الشاعر

نشأ حجاب على ضفاف بحيرة المنزلة، في مدينة صيادين تركت أثرها العميق في قاموسه الشعري. وكان والده أحمد محمد حجاب، الذي درس بالأزهر وكان عاشقًا للقراءة والشعر، أول معلم حقيقي له.

في حوار طويل مع «المصري اليوم» عام 2010، استعاد حجاب صورة البيت القديم: أب يحتفظ بخمس ساعات «مقدسة» للقراءة يوميًا، ومكتبة تضم كتبًا ومجلات، وطفل يلتهم كل ما تصل إليه يداه؛ من «ألف ليلة وليلة» و«يتيمة الدهر» و«خزانة الأدب» إلى «كتاب الأغاني».

بدأ حول المنقد والكلوب في ليالي الشتاء، حين كان الأب يلعب مع أبنائه لعبة شعرية؛ يقول أحدهم بيتًا، وعلى الآخر أن يبدأ بيته بالحرف الأخير. وحين نفدت من سيد محفوظاته، بدأ يؤلف أبياتًا من عنده، فاكتشف أن «الشاعر» يسكن داخله.

صلاح جاهين.. شهادة الميلاد الشعرية

التقى حجاب عبدالرحمن الأبنودي، ونشأت بينهما صداقة في بدايات الطريق، ثم جاءت المحطة الأهم حين قدمه الشاعر فؤاد قاعود إلى صلاح جاهين في مجلة «صباح الخير» عام 1961.

قرأ جاهين شعره وأدرك موهبته مبكرًا، وكان لذلك اللقاء أثر كبير في انتقال الشاعر الشاب إلى قلب الحياة الثقافية المصرية.

ترك حجاب دراسة الهندسة، واتجه إلى المجال الثقافي والصحفي، وشارك في إصدار مجلة «جاليري 68»، كما كتب للأطفال في «سمير» و«ميكي» بين عامي 1964 و1967. (SCC⁠)

«صياد وجنية».. القصيدة القادمة من الماء

صدر ديوانه الأول «صياد وجنية» عام 1964، وكان عنوانًا شديد التعبير عن عالمه؛ صياد حقيقي من بيئة المطرية، وخيال شعري يفتح الواقع على الأسطورة والحلم.

ومن أشهر قصائده: «الطوفان»، «السلم والكرسي»، «زي الهوا»، «الأراجوز»، إلى جانب أعمال شعرية أخرى، ثم صدرت «الأعمال الشعرية الكاملة» عام 1986، و«مختارات سيد حجاب» عن مكتبة الأسرة عام 2005.

سيد حجاب.. الشاعر الذي غيّر شكل تتر المسلسل

لم يتعامل حجاب مع التتر باعتباره أغنية توضع قبل المسلسل وبعده، وإنما جعله جزءًا من الدراما نفسها؛ يختصر الحكاية، ويكشف روح الشخصيات، ويمنح المشاهد مفتاحًا لفهم العالم الذي سيدخله.

كانت البداية الحقيقية، بحسب حوار له مع «مصراوي»، مع مسلسل «الأيام»، ثم جاءت تجربته الأشهر مع الموسيقار عمار الشريعي، الذي أصبح شريكه الإبداعي الأبرز.

ومن هذا الثنائي خرجت تترات وأغنيات أصبحت جزءًا من الذاكرة المصرية: «الأيام»، «الشهد والدموع»، «عصفور النار»، «أرابيسك»، «العائلة»، «قال البحر»، «أميرة في عابدين»، «بوابة الحلواني»، «المال والبنون»، «شرف فتح الباب» وغيرها.

وكان من أشهر من غنى كلماته علي الحجار، عفاف راضي، محمد الحلو، مدحت صالح، محمد منير، سميرة سعيد، نجاة الصغيرة وغيرهم، كما كتب أشعارًا لفوازير شريهان.

ومن العلامات البارزة أغنية «حبيبتي من ضفايرها طل القمر» التي غناها علي الحجار في فيلم «كتيبة الإعدام»، من ألحان عمار الشريعي.

ماذا تعلّم من الأغنية؟

كان حجاب يرى أن الغناء علّمه التكثيف؛ أن يقول الشاعر في سطر ما لا يحتاج إلى سطرين، وأن تكون الرسالة واضحة من المرة الأولى. كما رأى أن الأغنية المصرية تحمل جزءًا أصيلًا من الموروث الشعبي وذاكرة الناس، ولهذا جاءت كلماته سهلة في ظاهرها، عميقة في باطنها.

الإنسان خلف الشاعر

في حواراته يظهر حجاب عاشقًا للقراءة، شديد التعلق بالبيت الأول والذاكرة الشعبية، ومؤمنًا بأن الشاعر يجب أن يعيش بين الناس لا فوقهم.

وكان يرفض التراتبية؛ حتى إنه روى أن صلاح جاهين عرض عليه طريقًا مختلفًا، لكنه لم يرد أن يدخل الحياة الثقافية من باب التبعية أو «الأستاذ والتلميذ» بالمفهوم التقليدي.

أما السياسة فكانت جزءًا من تكوينه المبكر، وقد مر في شبابه بتجارب سياسية متعددة، ثم تعرض للاعتقال في عهد جمال عبدالناصر؛ وهي مرحلة تركت آثارًا واضحة في وعيه وموقفه من الوطن والحرية والناس. (SCC⁠)

شاعر الناس.. حين تصبح الكلمات ذاكرة

لم يكن سيد حجاب شاعر قصيدة فقط؛ كان شاعر حياة، كتب عن الوطن والحب والفقر والعدل والإنسان، وكتب للأطفال، وللمسرح، وللسينما، وللدراما، وللأغنية، لكنه في كل هذه المساحات ظل يحمل معه مطرية الصيادين، وصوت أبيه، ودفء المنقد، ومكتبة البيت، وأصوات الناس الذين صنعوا لغته.

حصل على جائزة كفافيس الدولية عن مجمل أعماله، كما نال جائزة الدولة التقديرية في الآداب، وظل عضوًا بلجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة. (SCC⁠)

رحل سيد حجاب في 25 يناير 2017 عن 77 عامًا، لكن رحيله لم ينهِ حضوره، فالشاعر الذي كتب للناس لا يحتاج إلى أن يعيش بينهم جسدًا؛ يكفي أن تخرج أغنية من جهاز قديم، أو يبدأ تتر «ليالي الحلمية» أو «أرابيسك» أو «بوابة الحلواني»، حتى يعود الرجل الذي عرف كيف يحوّل الكلام البسيط إلى ذاكرة وطن.

وربما كانت أعظم موهبة امتلكها سيد حجاب أنه لم يكتب شعرًا يشبه الناس فقط؛ كتب شعرًا جعل الناس يرون أنفسهم فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى